
قراءة في زيارتي الأخيرة إلى حلب.
ليست المدينة حيّزًا هندسيًا، بل هي بنية معنى.
المدينة تصنع إنسانها بقدر ما يصنعها. لذلك، حين تتغيّر المدينة جذريًا، لا يحدث التغيّر في المشهد العمراني فقط، بل في البنية النفسية والثقافية لسكانها.
منذ الطفولة، نتشكّل عبر الأمكنة.
الأحياء، والمدارس، والأسواق، والمقاهي — كلها تؤسس ما يمكن تسميته بـ”الهوية المكانية”
هذه الهوية ليست وعياً نظريًا، بل شعورًا عميقًا بالانتماء:
أن تعرف الزاوية قبل أن تصل إليها، وأن تتوقع رائحة الخبز في ساعة محددة، وأن تحفظ أصوات الباعة كما تحفظ أسماء أقاربك.
حين تتغيّر المدينة، يحدث خلل في هذا التطابق بين الداخل والخارج.
تدخل الشارع ذاته، فلا يتعرّف إليك. وهنا يبدأ شعور الاغتراب: ليس اغترابًا عن المكان فحسب، بل عن ذاتك القديمة التي تشكّلت فيه.
وصف المدينة بأنها «هرمت» ليس مجازًا جماليًا فقط، بل توصيف ثقافي.
شيخوخة المدينة تعني:
- انكسار سرديتها الجماعية.
- تراجع الثقة بين أفرادها.
- انتقال العلاقات من العفوية إلى الحذر.
المدن الحيّة تُنتج فضاءات لقاء؛ لمدن المتعبة تُنتج فضاءات عبور.
في المدينة المأزومة، تتقلص المساحات المشتركة، ويتحوّل الفضاء العام من مجال تفاعل إلى مساحة قلق.و حين ينكمش الفضاء العام، تنكمش معه العلاقات الاجتماعية.
التحوّلات العنيفة في المدن تترك أثرًا على القيم. وحين يصبح البقاء أولوية، تتراجع بعض أشكال التضامن. وحين يطول أمد الأزمات، تتحول العلاقات من روابط وجدانية إلى علاقات وظيفية.
هنا لا نتحدث عن «فساد أخلاقي» بقدر ما نتحدث عن إعادة ترتيب قسرية لأولويات الإنسان.
المدينة التي تعيش ضغطًا طويلًا تعيد تشكيل أخلاقيات سكانها وفق منطق الضرورة.
لكن الإنسان لا يستسلم بسهولة. فالذاكرة تعمل بوصفها أداة مقاومة ثقافية.
نستدعي «حلب التي كانت» لا لننكر الواقع، بل لنحافظ على استمرارية المعنى.
الذاكرة هنا ليست حنينًا ساذجًا، بل محاولة لحماية الهوية من التفكك.
غير أن الإفراط في التعلّق بالماضي قد يعمّق الفجوة بين المدينة الواقعية والمدينة المتخيَّلة، فيولد اغترابًا مضاعفًا.
والسؤال الأهم ليس: كيف أثّرت المدينة في الإنسان؟ بل: هل يستطيع الإنسان أن يعيد صياغة مدينته؟
العلاقة ليست خطًّا مستقيمًا. فالمدينة تتغيّر تحت ضغط التاريخ، ولكنها تتعافى عبر الفعل الإنساني.
إذا انسحب الإنسان إلى عزلته، تُترك المدينة لشيخوختها. وإذا أعاد إنتاج العلاقات — ولو في حدود ضيقة — فإنه يضخّ في جسدها معنى جديدًا.
ربما ليست المأساة في أن تتغيّر المدينة، بل في أن نفقد قدرتنا على التكيّف الخلّاق معها. المدينة التي هرمت قد تحتاج إلى جيل لا يحنّ إليها فقط، بل يعمل على إعادة تعريفها.ليس عبر إنكار ما جرى، ولا عبر الغرق في الرثاء، بل عبر تحويل الألم إلى وعي.
فالمدن، مثل البشر، لا تموت حين تُجرح، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج المعنى.
هل يتغيّر الإنسان مع تغيّر المدينة؟
حين وطئت قدماي أرض حلب في زيارتي الأخيرة، شعرت أنني أدخل إلى ذاكرةٍ قديمة أكثر من دخولي إلى مدينة. الأزقة التي كنت أعرفها بدروبها المزدحمة، بدت لي كأنها تجاعيد على وجهٍ هرِم، والبيوت التي كانت تفيض بالحياة صارت تحمل صمتًا ثقيلًا، كأنها تئن من ثقل السنين. لم تكن حلب كما تركتها؛ كانت مدينةً أخرى، مدينةً أنهكها الزمن، وأرهقتها الحروب، وأثقلتها الخيبات.
وبقي في ذهني سؤالُ ظل يلحّ عليّ وأنا أتجول بين شوارعها هو: هل تهرم المدينة وحدها، أم أن الإنسان يهرم معها؟
رأيت حلب كجسدٍ أنهكته الأيام. أسواقها التي كانت تضج بالحركة بدت خاوية، وجدرانها تحمل آثار الانكسار. حتى أصوات الباعة التي كانت تملأ المكان بالحيوية، صارت خافتة، كأنها تخرج من حناجر متعبة. المدينة لم تعد تلك الفتاة الشابة التي عرفتها، بل امرأة مسنّة تحمل على كتفيها ذاكرةً مثقلة بالوجع.
ومع تغيّر المدينة، بدا لي أن الإنسان أيضًا تغيّر. العلاقات التي كانت دافئة، مليئة بالبساطة والصدق، صارت أكثر برودًا، وأكثر شكلية، كأنها انعكاسٌ لشيخوخة المكان. لم أعد أرى ذلك التماسك الاجتماعي الذي كان يميز أهلها، بل وجدت مسافةً بين الناس؛ مسافةً تشبه المسافة بين حجرٍ متصدع وحجرٍ آخر يحاول أن يظل قائمًا.
كأن الإنسان فقد شيئًا من روحه حين فقدت المدينة شيئًا من شبابها. وكأننا لا نستطيع أن نحيا خارج ظل المكان الذي يحتضننا؛ فإذا هرم المكان، هرمنا معه، وإذا فقد ذاكرته، فقدنا نحن جزءًا من ذواتنا.
حلب بالنسبة لي لم تكن مجرد جغرافيا، بل كانت مرآةً لزمنٍ مضى، لصداقاتٍ قديمة، ولأحلامٍ كانت تُبنى على حجارتها. واليوم، حين رأيتها هرِمة، شعرت أن تلك الأحلام نفسها قد شاخت، وأن العلاقات التي كانت تنبض بالحياة صارت هي الأخرى هرِمة، متعبة، تبحث عن نفسٍ جديد.
غادرت حلب وأنا أحمل يقينًا أن الإنسان والمدينة يتبادلان الشيخوخة. ليست المدينة وحدها التي تهرم، ولا الإنسان وحده؛ بل هما يتقدمان في العمر معًا، يتبادلان الذاكرة والوجع، ويتقاسمان الأمل والخذلان. وربما الأمل في تجديد أحدهما هو الطريق لتجديد الآخر.
لقد تركتني حلب أمام سؤالٍ مفتوح: هل يمكن للمدينة أن تستعيد شبابها إذا استعاد الإنسان قدرته على الحب والتواصل؟ أم أن الشيخوخة قدرٌ مشترك لا مفر منه؟
لكنني، رغم كل شيء، خرجت بجملةٍ واحدة:
“المدن مثل البشر، تحتاج إلى من يوقظ ذاكرتها كي تعود شابة من جديد.”
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



