بوابة الشرق الأوسط الجديدة

دراسات

دراسة | “‬دورة الحروب المحتملة‮” ‬في الخليج (د. معتز سلامة)

د. معتز سلامة*

مثلت منطقة الخليج على مدى العقود الثلاثة الماضية إحدى أكثر مناطق العالم من حيث كم الحروب التي شهدتها، والمدى الزمني لها، وحجم انعكاساتها الدولية والإقليمية. وإلى حد كبير، فقد احتلت مركز الثقل الصراعي في إقليم الشرق الأوسط بشكل عام، على نحو تجاوزت به مركز الثقل التقليدي للصراع العربي الإسرائيلي.
وعلى الرغم من كم ونوع الحروب التي شهدتها، لا تزال منطقة الخليج حاضنة لكل أسباب الحرب، التي يمكن أن تجري بآليات وأشكال جديدة. وقد لا تضيف هذه الورقة الكثير فيما يتعلق بتحليل العوامل والدوافع التقليدية للحروب بالخليج، بقدر ما ستسعى لاستكشاف العوامل والدوافع الأخرى التي قد تؤدي لحروب من نوع جديد، كما ستعمل على استكشاف الخيوط الواصلة بين دوافع الحروب التقليدية التي عرفتها المنطقة،وأوضاعها الراهنة التي تؤهلها لأن تكون مركز ثقل لنوعية جديدة من الحروب والصراعات، إذا لم يجر تطوير مصدات أمان وكوابح،عبر سياسات تتعامل مع التهديدات الجديدة للأمن.

أولا- أسباب ودوافع الحروب:
تحفل منطقة الخليج بمختلف الأسباب والدوافع التي قد تدفع إلى تفجر الصراعات والحروب على مستويات متعددة.ويتمثل أهمها فيما يلي:

1- اختلال ميزان القوى: فبين دول الخليج الثماني تباينات صارخة في موازين القوى الشاملة،من حيث الحجم الجغرافي،والتوزيع السكاني،وحيازة الثروات النفطية وغير النفطية. وتتضمن المنطقة ثلاث كتل جغرافية،وبشرية،واقتصادية رئيسية، هي: إيران،والعراق،ودول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية، والإمارات، وعُمان،والبحرين،والكويت،وقطر)، والكتلة الأخيرة يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي تريليون دولار سنويا.وقد مثلت على الدوام مجالا للصراع بين الكتلتين الأخريين، حيث كان فراغ القوة بدول"التعاون" عامل إغراء لكل منهما.
وقد ظلت هذه القاعدة منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى حرب التحالف الدولي على العراق عام1991 التي خلقت حقائق أمنية جديدة مكنت دول المجلس،عبر ارتباطاتها واتفاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة،وفرنسا،وبريطانيا،من اكتساب قوة عسكرية ومعنوية إضافية، قلصت من ثقل وازع الإغراء المدفوع بـ"فراغالقوة"، وقلصت من نزعات القوة الإقليمية الثانية (إيران) في الهيمنة على المنطقة. ومن الصعب تقدير ميزان القوى الحالي في الخليج بدقة،في ضوء تراجع أهمية القوة التقليدية باطراد، وصعوبة عمل تقديرات وحسابات منضبطة بشأن التهديدات بالحروب اللامتماثلة،والحروب بالوكالة، والانتشار النووي، وتهديدات الأمن الداخلية والإرهاب(1).
من ناحية الكم والكيف، فإن دول مجلس التعاون تمتلك أسلحة حديثة،ولدي البعض منها بعض أكثر الطائرات المقاتلة تطورا في العالم،مقارنة بالطائرات والأسلحة المتقادمة لدى إيران(2). مع ذلك،لا تفيد حصيلة الرصد الكمي كثيرا في التعرف على محصلة القوة الحقيقية لدول المجلس التي لا تزال- برغم كل إنفاقها العسكري الضخم- تعد الطرف الأضعف، والتي لم تتمكن من تحقيق التنسيق والتكامل العسكري الجماعي بينها لأسباب عديدة(3).

2- تعدد التركيبة الديموغرافية: تعد منطقة الخليج من أكثر مناطق العالم من حيث التعدد والانقسام المذهبي،والقبلي،والمناطقي،والإثني، ومن حيث تعدد جنسيات الوافدين بها(4).وتصل التعددية الداخلية أحيانا إلى حد انقسام البلد الواحد إلى كتلتين اجتماعيتين كبيرتين أو أكثر، وتوجد أقليات هي الأغلبية في مناطق الإنتاج النفطي الرئيسية. يترافق ذلك في بعض الحالات مع أوضاع اجتماعية واقتصادية تمييزية فيغير مصلحة الطائفة كبيرة العدد،أو هذه المناطق التي يوجد بها النفط.وفي بعض الأحيان ، يتواصل أبناء الطائفة أو القبيلة الواحدة بين دولتين عبر مناطق حدودية،تتشابه فيها أنماط حياتهم على الجانبين من ناحية الفقر،والوضع الاجتماعي، على نحو يهدد بخلق مناطق توتر عابرة الدول شديدة الحدة، وهو أمر يوجد في مناطق الحدود في عدد من دول مجلس التعاون الخليجي.
ويترافق مع التركيبة السكانية المختلة مؤشرات على تنشط القوى الأدنى التي لم تترسخ فيها معاني الدولة الوطنية،في ظل ضعف التماسك السياسي والاجتماعي، وهناك مناطق لم تستوعب انضمامها إلى دول محددة،ولديها الرغبة في الانفصال عنها والانضمام إلى دول أخري. وباستثناء إيران،فإن كل دول الخليج دول حديثة النشأة، وأغلبها يواجه مشكلات مع الأقليات أو الأغلبيات المذهبية (5). وهذه الولاءات الأدنى تجعل الدولة مشدودة أكثر إلى تركيباتها الأولية، حيث تتعامل القوى الأدنى مع الدولة بمقدار حجم الاستفادة الريعية بالأساس، وعلى النحو المصلحي المؤسس على المنفعة والخدمة، وبعضه على التهديد والابتزاز.

3- تفاوت توزيع الثروة: تمثل الثروة النفطية عاملا من عوامل الصراع في الخليج، حيث تستأثر المنطقة بنحو 65٪من إجمالي الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم، وهو ما يؤهلها لأن تكون محط أطماع القوى الدولية والإقليمية. وتتوزع دول الخليج بين دول نفطية ثرية تتمتع بفائض اقتصادي مع نقص سكاني،تضطر معه لاستضافة العمالة الوافدة التي فاقت في بعضها عدد المواطنين بكثير، ودول نفطية لديها وفرة سكانية،ولديها الرغبة في التعويض،بعدما بددت جزءا من ثرواتها في المغامرات العسكرية التي تركتها في مواجهة مشكلات اقتصادية حادة، مثل إيران والعراق.
ولم يكن لعامل تفاوت توزيع الثروة وحده أن يكون محفزا على الحروب، لكن ترافق ذلك مع أطماع قيادية وزعامية لأنظمة الحكم المطلق السلطوية في إيران والعراق، وغياب منظمة اقتصادية إقليمية للتنمية الشاملة لدول المنطقة، كرس المفارقة والتعارض اللذين أوجدهما تجاور حالتي الغني مع الضعف والفقر مع القوة، بحد رفع من حدة الأطماع الإقليمية.وترافق ذلك أحيانا مع عدم العدالة الاجتماعية داخل الدولة الواحدة، وبين الطوائف والمناطق والقبائل. وهذا التباين في توزيع الثروات ليس عنصرا نشطا في الصراعات، في ظل أوضاع وأنظمة حكم طبيعية.لكن مع ترافقه مع أنظمة حكم فردية مطلقة، أصبح مادة موظفة على الدوام في الصراع الأيديولوجي ،والخطاب السياسي في المعارك الخليجية.

4- تباين الارتباطات الدولية: يمثل تباين الارتباطات الدولية لدول الخليج أحد الأمور التي تدفع إلى الصراعات والحروب.فقد كانت المنطقة إحدي المناطق التي شهدت ما سمي خلال فترة الحرب الباردة بالحروب بالوكالة، وهي الحروب التي تخوضها قوى لحساب ومصلحة قوى أخرى. ويشار في هذا الصدد إلى لعب شاه إيران دور شرطي الخليج لمصلحة الولايات المتحدة، والحرب العراقية – الإيرانية 1980-1989،التي مثلت جزءا كبيرا من مشهد الحرب الباردة بين القطبين الأمريكي والسوفيتي. وفي الحقيقة، فمن الصعب على منطقة بالأهمية الاستراتيجية للخليج أن تنعزل عن صراعات القوى الدولية، ولكن حجم التدخل الدولي في القرار الخليجي زاد في السنوات الأخيرة على أثر الحرب العراقية- الإيرانية 1980- 1988، والغزو العراقي للكويت 1990، وأحداث11سبتمبر 2001، وغزو العراق واحتلاله 2003، وهي كلها عوامل ساعدت على تحول علاقات الصداقة الحميمة بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة إلى ما يشبه أحلافا ثنائية وثلاثية وتعددية معها ومع دول غربية أخري، على نحو جعل دول المنطقة مرتهنة لما يشبه حالة من التبعية الأمنية لعلاقاتها مع هذه الدول، ومضطرة لعقد صفقات السلاح،واستضافة القواعد العسكرية. نتج عن ذلك الأمر ربط أمن دول مجلس التعاون بالأمن الأمريكي،على نحو يجعل دول المجلس في عين العاصفة مع أي مواجهة محتملة بين إيران والولايات المتحدة،أو إيران وحلف الناتو،أو إيران وإسرائيل.

ثانيا- سيناريوهات الحروب المحتملة:
بالقياس على خبرتها مع الحروب،فإن احتمال أن تشهد المنطقة أنماطا من المواجهة المباشرة بين قوتين إقليميتين خليجيتين تراجع كثيرا، في ظل انهيار النظام العراقي البعثي، وطبيعة العلاقة التحالفية المذهبية الجديدة بين إيران وعراق نوري المالكي. وفي ظل التوجهات غير العدائية لدول مجلس التعاون الخليجي، وتقديراتها لموازين القوى،وحسابات أنظمتها السياسية، فإن احتمالات نشوب حرب بقرار إقليمي بالأساس تقلصت بمعايير وخبرات المنطقة، فليس ثمة طرف إقليمي لديه أسباب نشطة،أو دوافع محفزة على الحرب، أو الدخول في مواجهة أو صراع جديد، في ظل معادلات وحسابات القوى القائمة.
لكن لا يمكن نفي احتمال انخراط المنطقة في حرب بفعل أحداث إقليمية مفاجئة، أو بدافع الرغبة في استغلال تغيرات حادة في المشهد الداخلي لأي منها، تغري طرفا ما بالإقليم بالتدخل العسكري في دولة أخري، أو بفعل العامل الدولي. ووفق هذه الحدود،فإن الحروب المحتملة في المنطقة يمكنها أن تتمثل في السيناريوهات التالية:

1- جيوب حرب داخلية: ففي ظل ثورات الربيع العربي،أصبح الحدث الداخلي الفاعل الرئيسي في المشهد السياسي، وأصبحت القوى الأدنى أكثر قوة،وأعلى صوتا من الدولة،وهو أمر ملموس في منطقة الخليج أيضا، خصوصا في مناطق التركز والثقل الخاص بالطائفة الشيعية، على نحو ما شهدت كل من البحرين والمنطقة الشرقية،وبالأخص بلدة العوامية في المملكة العربية السعودية عام2011، وظلت آثاره عام.2012
وتجتذب هذه النزاعات الداخلية ردود فعل من جانب الدولة الإيرانية والقوى والمجموعات الشيعية الأدنى في كل من إيران، والعراق، ودول مجلس التعاون،وحزب الله في لبنان، على نحو عبر عنه البعض ببروز"هلال شيعي". وعلى جانب آخر، توجد آثار ومؤشرات المساندة والدعم الإيراني للحوثيين في صعدة بشمال اليمن، وهو ما يعني أن إيران تحتل تدريجيا وضعية مركز القيادة للقوى الشيعية الأدنى من الدولة في المنطقة.
وفي دول خليجية، تعد العديد من الممارسات السياسية المشروعة من المحرمات،مثل تأسيس أحزاب سياسية، فقد حمل عام2012الإعلان الإلكتروني عن قيام ثلاثة أحزاب تحت عنوان"حزب الأمة" في كل من السعودية والكويت والإمارات،تبنت خطابات معارضة بشدة للأنظمة. هذه البؤر والجيوب المتعددة يمكنها أن تطرح احتمالات لحروب طائفية،وحروب صغيرة داخل دول المجلس، تسبق أو تتبع سلسلة أدني من عمليات الخروج والعصيان والثورات"البؤرية" أو"الجيبية" الصغرى من قبل مواطني هذه الدول.

2- حروب صغرى بينية: لا يمكن إغفال احتمالات نشوب حروب بسبب النزاعات الحدودية،والخلافات على الأراضي والمناطق محل النزاع بين دول الخليج. وبشكل عام، فقد تعايشت دول مجلس التعاون الخليجي مع خلافاتها الحدودية، فتم عرض بعضها على محكمة العدل الدولية،كالخلاف الحدودي بين قطر والبحرين حول جزر حوار وفشت الدبل،والذي حكمت بشأنه محكمة العدل الدولية في عام 2001 . ولا مجال لتصور احتمال نشوب حرب بين السعودية وعُمان وأبوظبي على منطقة واحة البوريمي، أو صدام بين السعودية والكويت على المنطقة المحايدة، أو صدامات مسلحة بسبب خلافات الحدود البحرية بين دول مجلس التعاون وبعضها بعضا.وحتى بالنسبة للنزاعات بين دول المجلس وإيران والعراق، فقد استقرت إلى حد كبير أنماط التعامل مع هذه النزاعات، بشكل لا يجعلها تمثل سببا أو دافعا للحرب الشاملة، ولا يجعلها منشطة أو محفزة للصراع الإقليمي مع بلدان دول مجلس التعاون.
ولكن تركز بؤر الثورات والتمردات الشيعية في نقاط محددة، والخلاف بين دول المجلس وإيران بشأنها، يمكن أن يطرحا احتمالات نشوب حروب من الحجم الأصغر، تتركز في المنطقة الصغيرة النشطة ثوريا من الدولة، كما يمكن تصور عمليات مسلحة لقوى شيعية في دولة من دول المجلس ضد دولة أخرى، اعتراضا على إجراءاتها المضادة للتمرد الشيعي فيها. وعلى جانب آخر، فإن مزيدا من إجراءات تتبعها إيران نحو جزر أبو موسي وطنب الكبرى والصغرى يمكن أن يرفع احتمالات توجيه ضربات صاروخية، أو طلعات طيران إماراتية ضد مواقع الوجود الإيراني فيها.
كما يمكن أن تشهد المنطقة ضربات صاروخية أو جوية إيرانية ضد قوات الجيش أو الشرطة المحلية في دول المجلس أو قوات درع الجزيرة، وخصوصا فيما لو جرى تكرار واستنساخ تجربة الانتشار السريع في عدد من دول المجلس ذات التركز الشيعي، كالكويت والبحرين. ويشمل هذا السيناريو أيضا احتمالات تنشيط مسلسل من الاغتيالات وخلايا العنف النائمة في المنطقة، بما يحدث أثر الضربات العسكرية الجزئية. ويلفت النظر تهديد قائد عام شرطة دبي (ضاحي خلفان)، أخيرا بزرع خلايا في الجمهورية الإسلامية، وبأن دول الخليج ستعترف بإقليم عربستان في إيران كدولة تطمح إلى الاستقلال، وحديث وزير خارجية البحرين عن أوان عقد "مؤتمر لأصدقاء الشعب الإيراني المظلوم"، وذلك كرد فعل على اتهام معاون وزير الخارجية الإيراني مملكة البحرين باستخدام غازات سامة في تفريق المظاهرات. كل ذلك يشير إلى أن الاتجاه الصدامي التصاعدي لدول مجلس التعاون هو اتجاه محتمل كخيار في مواجهة السياسات العدائية للجمهورية الإيرانية.

3- مفاجأة غزو إيراني لدولة خليجية: لا يمكن استبعاد سيناريو إقدام إيران على غزو دولة خليجية، أو احتلال أجزاء منها، محل ادعاء إيراني، أو سعيها لإسقاط أحد أنظمة دول المجلس بالدعم المسلح للثورة الداخلية، وهذا الاحتمال لا يمكن استبعاده. وقد يلفت النظر ما صرح به رئيس البرلمان الإيراني على لاريجاني أخيرا، حين قال إن: "سقوط بشار الأسد سيكون مقدمة لسقوط الكويت"، وإن "الكويت تشكل لإيران عمقا استراتيجيا .. ولن نتنازل عنه". يشير ذلك إلى احتمال سعي إيران لزعزعة الاستقرار في دولة جديدة، لم تكن للجمهورية الإسلامية ادعاءات بها، مثل البحرين، أو نزاع معها على جزر، مثل الإمارات.
وكانت بداية عام 2012 قد جددت إثارة بؤرة جديدة من بؤر التوتر الكامنة بين إيران والكويت بشأن الجرف القاري وحقل الدرة البحري للغاز في الخليج ("أراش" وفقا للتسمية الإيرانية). وقد هددت إيران بإطلاق مشروع منفرد لتطوير شامل للحقل، ما لم تستجب الكويت لعرض تطوير مشترك. وفي 23 ديسمبر 2011، كرر مسئول إيراني اتهامات صدام حسين نفسها للكويت بسرقة النفط العراقي، فاتهم عددا من الدول العربية بسرقة حصة إيران من حقول النفط والغاز المشتركة، وأنها عقدت اتفاقا غير مكتوب لأخذ أكثر من حصتها من هذه الحقول.

4- اشتباكات إقليمية مؤثرة أو حروب شاملة: يمكن تصور سيناريو لاشتباكات بين الولايات المتحدة وإيران، لا تصل إلى مستوى الحرب الشاملة، وتتضمن لجم جماح القرار السياسي والعسكري والقناعة باشتباكات محدودة لكن مؤثرة، مع عدم اتساع نطاق الحرب، وإنما تركيزها وحصرها في مناطق وأهداف، وضد منشآت محددة، ومن خلال سلسلة هجمات نوعية متقطعة. ويمكن تصور الحرب الشاملة بثلاث صور. الأولى: حرب إيرانية مع دول مجلس التعاون الخليجي أو المملكة العربية السعودية على وجه التحديد، وتجتذب أطرافا دولية، وهذه الحرب تقوم بمعادلات وحسابات خليجية مجردة، وعلى أساس التطور التدريجي للتفاعلات الصراعية في الإقليم. وفي يونيو 2011، حذر الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية والسفير السابق في واشنطن، من اندلاع نزاع بين بلاده وإيران، إذا اقتربت الأخيرة من إنتاج سلاح نووي. الصورة الثانية تتمثل في التطور التدريجي للتفاعلات الصراعية بين إيران وإسرائيل، وهناك تهديدات متبادلة منذ سنوات، بحد جعل إسرائيل حاضرة بشكل أساسي في التفكير المستقبلي لمنطقة الخليج، وإيران حاضرة بشكل مستمر في تفاعلات الصراع العربي – الإسرائيلي.
وعلى الرغم من استمرار تناوب جهاز صنع القرار في إسرائيل بين احتمال الحرب ونفيها، فإن احتمال الحرب بين البلدين بأشكال وصور مختلفة هو احتمال وارد، ومن غير المؤكد أن يتسع ليشمل دول مجلس التعاون، إلا إذا اصطفت الولايات المتحدة بشكل عملي إلى جانب إسرائيل، على نحو يدفع إيران لتوسيع رد الفعل ليشمل قواعد أمريكية بدول المجلس. الصورة الثالثة للحرب الإقليمية هي التدخل العسكري الدولي الشامل -والأمريكي تحديدا- في إيران، وهو السيناريو الذي يطرح منذ سنوات، وذلك بأن تنتهي عمليات التفتيش والتفاوض حول البرنامج النووي إلى التأكد من نواياه وطبيعته العسكرية، واقتراب طهران من امتلاك القنبلة، على نحو تشكل معه الحرب الخيار الوحيد لمواجهة الطموحات الإيرانية، أو التأكد من الطابع السلمي للبرنامج، بما يغري الأطراف الدولية بتوجيه ضربات لإسقاط النظام.
وضمن هذا السياق، يمكن تصور احتمالات متعددة لردود الفعل الإيرانية التي قد توجه ضرباتها إلى قواعد عسكرية أمريكية بدول المجلس. وللولايات المتحدة منشآت ومصالح في الخليج سوف تكون ضمن نطاق الاستهداف الصاروخي الإيراني عند أي مواجهة محتملة، من ذلك احتمال شن هجوم مفاجئ بصواريخ كروز وصواريخ المدفعية على المنشآت البحرية والقواعد الأمريكية في الخليج. وتمتلك الولايات المتحدة قاعدة الأسطول الخامس في البحرين، التي تقع على بعد 250 كم من الساحل الإيراني، والقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم CENTCOM) في معسكر السيلية في قطر، والقيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية (أفسنت AFCENT) في قاعدة العديد الجوية التي تبعد مسافة تقل عن 250 كم من الساحل الإيراني، والقاعدة المركزية للجيش الأمريكي (آرسنت ARCENT) في الكويت على مسافة أقل من 120 كم من الساحل نفسه، وهذا الهجوم يمكن أن يلحق خسائر فادحة، لو وقع فجأة، وتم إطلاق الصواريخ بدفعات وأعداد هائلة وعلى نحو شامل(6).
كما يمكن أن تلجأ إيران إلى تلغيم مياه الخليج، وشن ضربات صاروخية ضد البوارج والقطع البحرية الأمريكية، أو العمل على تنفيذ تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز (الذي يمر منه نحو 17 مليون برميل من النفط يوميا في 2011، بنسبة 90٪ من صادرات النفط الخليجية)، وذلك عبر إغراق السفن الأمريكية والغربية على نحو يؤدي إلى إغلاق المضيق أمام حركة الملاحة الدولية، وهذا التهديد البحري هو أمر استعدت له إيران والحرس الثوري منذ مدة. فإزاء تفوق البحرية الأمريكية في الخليج، وبسبب ضعف البحرية الإيرانية، أعطت إيران الأولوية لتصنيع عدد هائل من القوارب والقطع البحرية السريعة والصغيرة واستخدمت السفن المدنية في الأغراض العسكرية، وتم تزويد العديد من السفن البحرية للحرس الثوري بصواريخ مضادة للسفن والألغام البحرية والمتفجرات (7).
كما يمكن لإيران توجيه ضربات للمنشآت النفطية والنووية، وأنابيب وممرات النفط الخليجية. وضمن هذا السيناريو أيضا، قد تلجأ إيران إلى تنفيذ مشروع سبق للحرس الثوري أن قدمه لمرشد الجمهورية، على خامنئي، لإسالة كمية كبيرة من النفط في مياه الخليج لإحداث بقعة سوداء توقف الملاحة، وتفرض على الغرب المشاركة في عملية تنظيف ضخمة، فيما سمي بمشروع "مياه قذرة" كوسيلة لإرغام الدول الغربية على تعليق العقوبات المفروضة على إيران(8). وهذه الاحتمالات جميعها يمكن أن يقدم عليها النظام الإيراني لو وصل لنقطة حرجة، أو حين يوصل الحصار الدولي لإيران الوضع الاقتصادي بها إلى حافة الانهيار، في ظل ما يعتقده النظام بمباراة صفرية(9). وعلى الرغم من كل هذه الخيارات أمام صانع القرار الإيراني، يبقي مجرد تفكيره في البدء بهجوم على القوات الأمريكية أمرا مستبعدا، في ضوء حساباته لمستقبل الدولة قبل النظام.

5- حروب أيديولوجية ومذهبية و"سيبيرية": على الرغم من أن منطقة الخليج شهدت تراجعا للخلافات الأيديولوجية، منذ سقوط النظام البعثي في العراق في 2003، وبعد أن دخلت في شبكة تحالفات دولية، وروابط عسكرية متعددة، فإن هناك ملامح لتشكل محاور أيديولوجية على أسس مذهبية أو انحيازات عقائدية أخري. ففضلا عن أطروحة "الهلال الشيعي"، فإن ثمة ما يشبه محورا آخر يتشكل في مواجهة ما يعتقد بأنه ("هلال إخواني" معاد للمنطقة، ويسعي للاستيلاء على إحدي دولها)، ولكن هذه المحاور الإقليمية غير محددة القسمات حتى الآن، وهناك تقاطعات بينها.
وعلى سبيل المثال، فإن كلا من قطر وتركيا لهما أدوار مختلفة في كل محور، وعلى علاقة متباينة مع إيران. وفي ديسمبر 2012، ثارت شكوك إيرانية بشأن المنظومة الصاروخية التي أعلن حلف الأطلنطي تشييدها في تركيا ضد ما يعتقد بخطر عسكري سوري ضدها، والتي رآها مسئول عسكري إيراني مقدمة لحرب عالمية ثالثة. وعلى جانب آخر، فإن حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر -التي يعتقد بأنها تشكل رأس حربة "الهلال الإخواني"- غير مستقر، ولا تمكن أوضاع إخوان الخليج من أن يكونوا أطرافا فاعلة ضمن هذا المحور. كما أن الاختلافات الأيديولوجية والعقائدية بين جماعة الإخوان وإيران لا تجعل من هذين المحورين الافتراضيين: "الهلال الشيعي" و"الهلال الإخواني" ضاغطين على الخليج، وإنما قد يوجه جزء من ضغوطهما إلى بعضهما بعضا.
وإلى جانب الحروب الأيديولوجية والمذهبية، هناك الحروب السيبيرية التي أخذت طريقها إلى تفاعلات المنطقة مع الحرب الإلكترونية التي شنتها دول غربية وإسرائيل على البيانات السرية الخاصة بالمنشآت النووية الإيرانية. وعلى جانب آخر، يعتقد أن إيران طورت خلال السنوات الخمس الماضية قدرات هجومية سيبيرية، حين أنشأت إطارا مؤسسيا متقدما للتفكير في هذه المسائل، فيما يبدو تأسيا بالنموذج الصيني كنموذجها الاستراتيجي في بناء قدرات ومزايا دولية. ويعتقد بأن المجلس الإيراني الأعلى للفضاء السيبيري قد أسس "جيشا سيبيريا" من المدنيين، بإمكانه تنفيذ أعمال وأنشطة لمصلحة الدولة، من دون أن يحسب على القيادة الإيرانية(10).
ويشار إلى ما تعرضت له شركة أرامكو في 15 أغسطس 2012 من هجوم إلكتروني أدي لشل الشبكة الداخلية للشركة، والذي أكدت وزارة الداخلية السعودية أنه كان يستهدف الاقتصاد الوطني للدولة، عبر تدمير نظام تصدير الزيت والغاز في الشركة، وأنه عمل إرهابي مصدره جهات منظمة خارجية، توزعت أعمالها على أراضي دول في أربع قارات حول العالم (11).
ويتمثل جديد الحروب المحتملة بالخليج فيما يمكن تشبيهه بـ "دورة الحرب" في المنطقة (انظر الشكل التوضيحي المرفق)، التي تجعل السيناريوهات الخمسة سالفة الذكر للحروب على علاقة وثيقة ببعضها. وتتميز الحروب الخليجية الجديدة المحتملة بمجموعة من السمات، أهمها: التعقد، والتتابع، والتدوير. ويعني "التعقد" أن العلاقات بين أطراف وقوى الحرب متشابكة على مختلف المستويات، ولا يمكن التعرف إلى نوايا أطرافها النهائية، أو تحالفاتها المتوقعة ساعة الحرب. ويعني "التتابع" أنه من المتوقع أن يؤدي السيناريو الأول (جيوب الحرب الداخلية) إلى السيناريو الثاني (الحروب الصغرى البينية)، وأن هذا الأخير من المحتمل أن يؤدي إلى تدخل إيراني، وقيام إيران بضربات لدولة خليجية أو غزوها، وينتهي ذلك بحدوث اشتباك إقليمي يؤدي لتدخل دولي.
ويعني "التدوير" أنه يمكن لدورة الحرب الافتراضية، أو المتخيلة هذه، أن تبدأ بالمعكوس من السيناريو الرابع (اشتباك إقليمي وحرب شاملة)، وتؤدي إلى السيناريو الأول (جيوب الحرب الداخلية)، التي ستكون على شكل اصطفاف شيعي خلف إيران، حيث أصبح التماهي المذهبي في المنطقة ظاهرة قائمة وملموسة، وقد استثمرت إيران في ذلك منذ فترة. وهذه الصورة الافتراضية المعقدة لسيناريوهات الحروب يمكنها أن تخفض احتمالات الحرب، ولكنها من المرجح أن تجعلها شاملة ومكلفة، إذا وقعت. فلا يمكن عزل أو فصل قوى وجبهات الحرب عن بعضها، في ظل أي حرب خليجية محتملة مستقبلا. أما سيناريو الحروب الأيديولوجية والمذهبية و"السيبيرية"، فسوف يكون هو القائم على الدوام، لذلك تم وضعه في قلب الدائرة، وسوف يتم تنشيطه مع أي من تلك السيناريوهات المحتملة أو كلها.

ثالثا- كوابح الحروب بالمنطقة:
على الرغم من توافر العوامل التي تدفع للحروب في منطقة الخليج، فإن العوامل والحسابات التي تكبحها موجودة بالقدر ذاته، وهي الأسباب والعوامل التي حالت دون نشوب حرب، على الرغم من أنه جري التهديد بها يوميا على مدى عشر سنوات تقريبا حتى الآن. وتتمثل الكوابح على خيار الحرب في منطقة الخليج فيما يلي:

1- تعقد حسابات الحرب: أي قرار بشن حرب في المنطقة سوف يكون عليه الأخذ في الحسبان العديد من ردود الأفعال والتوابع غير المتوقعة. في السابق، كانت حروب الخليج بين قوى رسمية ودول، بينما تشمل دائرة القوى المحتمل انخراطها في الحروب الآن جماعات وطوائف لا يمكن حصرها أو حساب ردود أفعالها بدقة، ممثلة في القوى الأدنى المذهبية، والقبلية، والمناطقية التي يمكن أن تتفاعل بإيجابية مع العدو الذي تقاتله القوات المسلحة للدولة.
على جانب دول مجلس التعاون الخليجي، فإنه من غير المتوقع أن تسعي أي من دوله إلى حسم خلافاتها مع إيران بالحرب الشاملة المنفردة، أو من خلال تحالف إقليمي لا تتوافر له شبكة من غطاء دولي، ومن المرجح أن أيا منها لن تستسيغ خوض حرب دولية مع إيران باسمه أو بالإنابة عنه، أخذا في الحسبان حسابات التاريخ والجغرافيا. أما بالنسبة لإسرائيل، فإن خياراتها غير محددة فيما يتعلق بإيران. وقد لا تتعلق كوابح قرارها بالحرب فقط بمدى توافر القدرات اللوجستية من عدمه، وإنما بتقديرات مدى نجاح أو فشل العملية، في ضوء تحليلات جديدة لا تعزو توقف البرنامج النووي العراقي إلى ضربتها لمفاعل أوزيراك عام 1981، وإنما إلى أسباب أخري. وهناك الحسابات المعقدة الخاصة بردود الفعل الإيرانية، والردود المحتملة للقوى الأدنى، وحزب الله. كما أن هناك الكوابح الأمريكية على القرار الإسرائيلي بهذا الخصوص.
وعلى الجانب الأمريكي، تبرز خبرة النتائج السلبية لتجربة التدخل العسكري في العراق، ويزيد تعقد الحسابات الخاصة بالحرب من نجاح المفاوض الإيراني في إقناع العالم الغربي -على مدى عشر سنوات- بأن لديه ما يقنع باستمرار فتح القنوات معه، وأن المفاوضات مطلوبة لذاتها، وهو ما يمكنه بشكل مطرد من تعزيز قدراته الدفاعية التي تجعل خيار الحرب معه أكثر تكلفة وتعقيدا. وعلى الجانب الإيراني، فإن موازين القوى بالخليج وحسابات صانع القرار تجعل اتجاهه إلى خيار الحرب أمرا معقدا. وتأتي الحسابات الخاصة بالواقع الاقتصادي، والتطور التحديثي لدول الخليج، والعلاقات الاقتصادية البينية، التي تجعل حجم التجارة بين إيران وإمارة دبي وحدها يقترب من 10 مليارات دولار سنويا، وحجم استثمارات إيران في دول المجلس، واستثمارات دول المجلس في إيران، بما يجعل قرار الحرب يعني خسائر فادحة.

2- الإصلاح السياسي الداخلي: على الرغم من أن الإصلاح السياسي الداخلي هو أمر ضمن الشئون الداخلية للدول، وقد لا تتضح صلته المباشرة بمستقبل الحرب بالمنطقة، فإنه من أكثر الأمور التي قد يؤدي تجاهلها أو تلبيتها إلى انتشار الحروب والصراعات الداخلية أو كبحها، وهو أمر سوف يتحدد وفقا له جزء من مستقبل السلام أو الصراع في منطقة الخليج. فخيار الإصلاح السياسي له تأثير مباشر في كبح الصراعات والحروب المحتملة، وفقا للسيناريوهين الأول والثاني سالفي الذكر (جيوب حرب داخلية، وبؤر الحروب الصغرى البينية)، لأن توقعهما يقوم بالأساس على خلفية الانقسام الاجتماعي والتمييز المذهبي، وهما ما يمكن أن يتوجه الإصلاح السياسي لمعالجتهما.
كما أن الإصلاح السياسي الداخلي يخفض احتمال السيناريوهات الثلاثة الأخرى من الثالث وحتى الخامس (مفاجأة غزو إيراني لدولة خليجية، اشتباكات إقليمية مؤثرة أو حروب شاملة، حروب أيديولوجية ومذهبية و"سيبيرية")، لأنه يحصن الجبهة الداخلية، ويعزز التماسك الوطني، وهذه السيناريوهات الثلاثة تنتعش على استغلال الوضع الداخلي بالأساس. وتتجاوز فائدة الإصلاح الداخلي مجرد كبح بؤر الحروب والاضطرابات الداخلية المحتملة، وترسخ قواعد للاستقرار الإقليمي بعيد المدى، وهو ما دعت إليه إحدي الأوراق الصادرة عن مؤسسة "راند" منذ نحو عشر سنوات، والتي أكدت أن كلا من السعي الأمريكي الأحادي لفرض الديمقراطية الليبرالية، أو العودة إلى ميزان القوى التقليدي القديم لن يفيدا، داعية إلى مسعى أمريكي – أوروبي جماعي لبناء توازن قوى إقليمي أكثر تطورا، يعززه إصلاح سياسي واسع في الخليج (12)، وهو ما أكدته ورقة أخري دعت إلى تحويل أمن الخليج من مباراة صفرية إلى التعاون الإقليمي(13).

3- احتمال "ثورة ربيع" في إيران: أحد الأمور التي يمكنها أن تكبح خيار الحرب بالخليج مستقبل تطورات الوضع الداخلي بالدولة، التي تمثل مركز التوجه إلى الحرب والصراع بالمنطقة -سواء منها أو إليها- (وهي إيران)، فالوضع الداخلي في إيران ليس في أفضل حالاته. وقد شهدت انتخابات الرئاسة الإيرانية في 2009 حالة من الاستقطاب الشديدة بين التيار الإصلاحي الليبرالي والتيار المحافظ المتشدد. وكل ذلك يشير إلى أن احتمال أن تشهد إيران "ربيعها" الخاص هو احتمال وارد، وهو ما يقلص خيار الحرب الإقليمية. فإدراك الولايات المتحدة والدول الغربية لاحتمال الثورة أو التغيير السلمي، الذي تقترب نتائجه من نتائج الثورة في الجمهورية الإسلامية، يغريها بالاستثمار في هذه الحالة، من خلال دعم الإصلاحيين وقوى الرفض الاجتماعي، والضغط على النظام الإيراني من الداخل، بدلا من المواجهة الراهنة التي يستثمرها النظام في تكريس حالة العداء ضد الخارج، وتعزيز فكر المؤامرة في الجمهورية الإسلامية.
وعلى جانب آخر، فإن إدراك النظام اضطراب وضعه الداخلي سوف يقلص قدراته على الانطلاق في خيار الحرب والتهديد بها، إلا إذا فعل ذلك لتخفيف عبء الداخل بنقل المعركة إلى الخارج. وفي هذه الحالة، فإن إيران لو اتجهت إلى الحرب، فإنها لن تكون في أفضل حالاتها. كما أن النتائج الكارثية التي يمكن أن تنجم عن الحرب من المرجح أنها ستلد إيران مختلفة في محيطها الإقليمي.

خلاصة:
بين توافر عوامل وأسباب الحرب، وعوامل وأسباب كبحها في الخليج، يبقي مستقبل الأوضاع في المنطقة مرتهنا بالأزمات المفاجئة غير المحسوبة، أكثر من ارتباطه بالمسارات الموضوعية المحتملة أو المرجحة، وفق القراءة العميقة للمشهدين الداخلي والإقليمي. ويبقي مستقبل سيناريوهات الحروب الجديدة – التي رجحت الورقة احتمالات وقوعها – محكوما بمدى التطور في الحالة السياسية الداخلية، ومنظومات العلاقات الخليجية البينية، وهو أمر من غير المعروف ما إذا كانت الأنظمة تتبني قراراتها بشأنه بما يتسق والافتراضات المنطقية له أم لا. ويشير إلى ذلك عدم قدرة دول مجلس التعاون الخليجي حتى الآن على بناء منظومة أمنية تكاملية مستقلة في مواجهة الخطر الإيراني.
والمؤكد أنه على الرغم من خبرات المنطقة التي تستدعي الترشد في قرارات الحرب، وتلك التي تؤكد خطورة بروز تهديدات داخلية وخارجية غير متوقعة، فإن مستقبل منطقة الخليج لا يزال – وربما أكثر من الماضي – مرتبطا بالعوامل التي يصعب السيطرة علىها، أي أن جزءا كبيرا، ضمن قرار الاندفاع للصراعات والحروب، متروك بيد قوى كامنة خارج سياق المشهد الظاهر، ويتحكم به مركبات تفاعل وأحلاف تحددها اللحظة الضاغطة، وقت بروز الخطر، وليس الهياكل الأمنية المستقرة. يجعل ذلك الأقرب للاحتمال تغليب السيناريوهات الصراعية على كوابح الصراع بالنسبة لمستقبل المنطقة. وربما يعزز ذلك بوادر تحلل الولايات المتحدة استراتيجيا من الحاجة لنفط الخليج، وهو ما أكده الرئيس أوباما أخيرا، حين أشار إلى أن الطفرة المفاجئة التي تشهدها الولايات المتحدة في إنتاج النفط والغاز الطبيعي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تحول في علاقات بلاده مع دول الشرق الأوسط.

الهوامش :
1- Anthony H. Cordesman, Alexander Wilner, The Gulf Military Balance in 2012, Center for Strategic & International Studies, May 16, 2012, p.6.
2- See: Richard L.Russell, Future Gulf War, Arab and American Forces against Iranian Capabilities, issue 55, 4th, quarter 2009 / JFQ.
3- انظر: د. محمد صالح المسفر، التحديات الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي، المجلة العلمية لكلية الإدارة والاقتصاد، العدد التاسع، 1998، ص.21
4- See: Anthony H. Cordesman, Saudi National Security and the Saudi-US Strategic Partnership: Part One: The Civil & Economic Aspects of Security, Center for Strategic & International Studies, April 29, 2010, p.14.
5- Michael Bauer, Gulf Security: From zero-sum games to regional cooperation?, Policy Brief, ISPI, N. 202 – December 2010, p.1.
6- Riad Kahwaji, Possible Scenario of Iranian Preemptive Attack to control Gulf Waters Analysis, January 6, 2012. http://www.eurasiareview.com/06012012-possible-scenario-of-iranian-preemptive-attack-to-control-gulf-waters-analysis/
7 – Amos Yadlin and Yoel Guzanksy, The Strait of Hormuz: Assessing and Neutralizing the Threat, Strategic Assessment | Volume 14 | No. 4| January 2012, p.9.
8- انظر: الشرق الأوسط، 15 أكتوبر .2012
9- Riad Kahwaji, Possible Scenario of Iranian Preemptive Attack, Op.cit.
10- Cyber Conflict in the Gulf, Gulf Roundtable Series, CSIS Middle East Program, November 14, 2012, p.1.
11- انظر جريدة الشرق الأوسط، 10 ديسمبر .2012
12- Andrew Rathmell, Theodore Karasik, and David Gompert, New Persian Gulf Security System, RAND, Issue Papers,.2003
13- Michael Bauer, Gulf Security: From Zero-sum Games To Regional Cooperation?, Op.cit.

*رئيس وحدة الخليج بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

مجلة " السياسة الدولية" (تصدر عن مؤسسة الأهرام المصرية)

 

دراسة| موقع اليمن الاستراتيجي يجعله محور صراع
موقع "إسرائيل" في مشروع الشرق الأوسط الجديد (محمد بوري)

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy