
الرئيس الفرنسي الاسبق ديغول يقتحم برؤاه السياسية محافل منتدى دافوس الذي انتهت فعالياته الأسبوع الماضي. وسادت الأفكار الديغولية التي تشكك بصدقية الحماية الأمريكية ونواياها في نقاشات دافوس، خاصة وأن ترامب لم يكتف بطلب مقابل للحماية التي يوفرها لأوروبا بل راح يطالب بقضم أجزاء من أوروبا. كما أعلن عن شهيته لضم جزيرة جرينلاند لانه يحتاجها لأمنه القومي كما قال. أي أن أوروبا باتت أمام تحقق مخاوف ديغول من نتائج الحماية الأمريكية التي رأى أنها ستنتهي إلى هيمنة كاملة. وترامب بالفعل تجاوز الهيمنة الكاملة إلى الاستحواذ على الأراضي والموارد. وهذا تأكيد لمخاوف وتحذيرات ديغول من الحماية الأمريكية.
في الستينيات من القرن العشرين، وبعد استحواذ أمريكا على الانتصار في الحرب العالمية وسرقة النصر من شركائها بريطانيا والاتحاد السوفيتي، تنبه ديغول إلى أن أمريكا تعامل فرنسا كدولة مهزومة. ورفض هذا التعامل مصراً على أن بلاده لا تقبل بأقل من دور الحليف الكامل والشريك بالانتصار. لذلك فإن الرئيس الأمريكي أنذاك “روزفلت” لم يحب ولم يثق بديغول. وبدأ البحث عن شخصيات أكثر ليونة وخضوعا للتعامل معها الأمر الذي ولد خيبة لدى ديغول وزرع مرارة شخصية وطنية في وجدانه بسبب التعامل المتعالي من القادة الأمريكان تجاه فرنسا خاصة وأوروبا عامة. من هنا بدأ ديغول يشكك بصدقية أمريكا، وراح يحذر أوروبا من مخاطر الهيمنة الأمريكية بذريعة توفير الحماية لها. وهذا الموقف الديغولي في الستينيات تجدد لدى القادة الأوروبيون المرتبكون تجاه سياسات ترامب المطالب بمقابل للحماية الأمريكية لهم. والطامع لا بالهيمنة على الموارد الأوروبية فحسب بل المطالب بقضم أجزاء من أوروبا والاستحواذ على مواردها. وترى أوروبا نفسها اليوم في موقف ديغول في الستينيات وهو يحذر من مخاطر الخضوع لأمريكا، وهذا ما انعكس في دافوس من خلال كلمات ألمانيا وفرنسا وخاصة كندا. وايد هذه المخاوف ما طرحه وما مارسه ترامب من محاولة الهيمنة والاستحواذ ليس على اوروبا فقط، بل وحتى الهيمنة على النظام العالمي عبر تنصيب نفسه بديلا عن الأمم المتحدة بترؤسه لما سمي بمجلس السلام العالمي.
وكما كان خلاف ديغول مع أمريكا حول الناتو في الستينات، وكما سعى ديغول إلى قيام قوة فرنسية وأوروبية مستقلة عن أمريكا، ها هي أوروبا تجد نفسها مجددا هذه الأيام مضطرة لتبني ما طرحه ديغول حول ضرورة استقلالية قوتها للدفاع عن نفسها خاصة وأن ترامب لا يهتم بالمخاطر التي تهدد الأوروبيين كخطر اطماع بوتين التي بدأت بغزوه أوكرانيا. وساد في دافوس صوت مفاده أن (من يثق بأمريكا يضيع) وكما يقول العرب (من يتغطى بأمريكا عريان) ، وتأكد الأوروبيون أن الأمريكي يوظف من يخدمه ويستعمله لتحقيق مصالحه ثم يتخلى عنه ويرميه في عراء المخاطر كما فعل مع قسد في سوريا. لذلك بات الحذر الأوروبي من الهيمنة الأمريكية واضحا وديغوليا، وصارت الخشية من محاولة استخدام واشنطن للقوة الأوروبية وغيرها من دول خشية جلية ساطعة. والجديد ان هذا الحذر وهذه الخشية صارا مشحونان بطاقة اندفاع نحو الاستقلال، وباتجاه بناء القوة الذاتية القادرة على حماية نفسها كما أراد ديغول تماما.
ديغول حضر بقوة منتدى دافوس، وترامب بأطماعه ومواقفه العارية برهان على مصداقية رؤى وسياسات ديغول وعلى صوابيتها. ديغول حذر من اطماع أمريكا بالهيمنة والاستحواذ. ترامب يعلن استراتيجيته لهذه الهيمنة والاستحواذ ليصادق على تحذيرات ديغول وتشكيكه بأطماع أميركا. أي أن مطامع ترامب المعلنة العارية صادق على حضور رؤى ديغول في دافوس وقوّى مصداقيتها.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة


