سوريا… إعادة حسابات شاملة تبشر بتحولات تسمح بمرحلة جديدة مختلفة (أنطوان الحايك)

 

أنطوان الحايك

 

لا نظام الرئيس السوري بشار الاسد آيل إلى السقوط، ولا حكومة نجيب ميقاتي ذاهبة إلى التغيير، ولا تطورات أو مستجدات جذرية من شأنها أن تقلب المعادلات، أقله خلال الاشهر القليلة المقبلة، وبالتالي فان القرار بالتزام الستاتيكو الراهن ساري المفعول ولم تنته مدة صلاحيته بعد.
جملة من اللاءات والثوابت أكدها دبلوماسي أوروبي في معرض تقييمه لاوضاع المنطقة، كاشفاً أنّ اللقاءات الاميركية الروسية، والاتصالات الاوروبية الروسية لم تنقطع منذ مؤتمر جنيف الاخير، بل على العكس تماماً  فان الاجتماعات المعلنة هي أقل بكثير من تلك السرية التي تعقدها الاجهزة في ما بينها من جهة والدبلوماسيات المتخصصة من جهة ثانية، وهي في مجملها تبحث عن قواسم مشتركة تفي بالغرض المطلوب بعد ان قالت موسكو كلمتها في عموم الاجتماعات واللقاءات التي شاركت فيها، وعلى لسان أكثر من مسؤول كبير، تعلن فيها انها ذاهبة في دعم نظام الرئيس بشار الاسد مهما كانت الاثمان. وتالياً فانه من غير المفيد زعزعة الاستقرار الهش في الدول المحيطة بسوريا وتحديداً لبنان والاردن.
ويكشف الدبلوماسي أنّ الاجتماع الابرز والذي شكل نقطة تحول في مسار الاحداث جرى في العاصمة الاميركية بين مسؤولين أمنيين من كل من لبنان وسوريا وروسيا بحضور وزير الخارجية الاسبق هنري كيسنجر بتكليف من الادارة الاميركية تم خلاله تقييم الاوضاع في سوريا ولبنان والدور المطلوب من الغرب ان يلعبه لتجنيب المنطقة حرباً اقليمية من غير المستبعد ان تتحول إلى حرب عالمية مدمرة، وذلك في ظل اصرار واشنطن على تحجيم الدور الروسي وعدم السماح لموسكو باستعادة عافيتها الدولية وتحويلها دولة اقليمية، في مقابل اصرار روسي – صيني على كسر الاحادية الاميركية ولعب دور الشريك الكامل. وما لجوء موسكو وبكين إلى حق النقض في مجلس الامن الدولي  لمرتين متتاليتين الا رسالة مع سابق الاصرار والتصميم على الوقوف في وجه المشروع الاميركي الاوروبي.
ويشير الدبلوماسي نفسه إلى أنّ التحولات في الموقف التركي تجاه الازمة السورية بدأت في اعقاب الاجتماع المذكور، بحيث يمكن الاعتبار ان ترحيل قيادة الجيش السوري الحر من تركيا جاءت في هذا السياق، بل كانت بداية الغيث بعد ان تمكن الحليف الايراني من تحريك الورقة الكردية التي شكلت جرس الانذار لحكومة انقره التي كانت السباقة إلى دعوة المعارضة السورية لعقد اول اجتماع لها في انطاليا.
كذلك الامر بالنسبة لاعادة الدول الغربية لحساباتها بالنسبة لموقفها من حلفائها في لبنان، بحيث سارعت إلى الحد من الدعم السياسي والمعنوي لهؤلاء، باعتبار ان التوافق الناجم عن الاتصالات المنوه عنها قضى بعدم تغيير قواعد اللعبة ولا شروطها. وبالتالي فان المطلوب من هذه القوى التزام الحد الادنى من الانضباط السياسي كما في الشارع، وهذا ما دفع بالغرب إلى المسارعة للملمة الوضع في اعقاب اغتيال اللواء وسام الحسن.
في هذا السياق، يؤكد الدبلوماسي ان الغرب والمجموعة الاوروبية وجهوا اكثر من رسالة للدول الخليجية الداعمة للمعارضة السورية لاعادة حساباتها والتدقيق بها بعد ان تحولت تلك المعارضة عن اهدافها لمصلحة التنظيمات السلفية والاصولية. وبالتالي فانها حددت فترة سماح تنتهي مع نهاية العام الحالي.

هل يحتم تعادل ميزان القوى بين موسكو وواشنطن تسويات سريعة؟
نصح تقرير غربي، أعدته مؤسسة متخصصة بالدراسات الاستراتيجية بتكليف من الادارة الاميركية المعنية بازمة الربيع العربي، المعنيين بالازمة السورية بالبحث عن تسوية سريعة تقي المنطقة انفجاراً حتمياً نظراً لميزان القوى المتعادل بين المحور الاميركي – الاوروبي من جهة والروسي الصيني الايراني من جهة ثانية، مستنداً بذلك إلى تعداد الاوراق السياسية والاستراتيجية التي يملكها كل محور مجتمعاً.
فالولايات المتحدة لم تعد تملك في الوقت الراهن سوى اوراق ضغط تستمد قوتها من ادواتها العربية والخليجية، في ظل عجزها الحقيقي عن التدخل العسكري حتى عبر الحلف الاطلسي. وكان يمكن لهذه الاوراق ان تشكل الفارق لولا تشرذمها بين التيارات الاسلامية والسلفية المتشددة. وهذا ما افقد الغرب المبادرة على صعيد لجم الازمة في الوقت المناسب بعد ان تباينت مصالح تلك الدول الخليجية الداعمة بالمال والسلاح، وانحراف بعض المجموعات الميدانية التابعة لها وخروجها عن السيطرة لحسابات عقائدية تتعلق بمفهومها للحالة الاسلامية والصحوة السنية، والمقصود هنا الصراع المكتوم بين السلفية المدعومة من قطر والوهابية المدعومة من المملكة العربية السعودية واجهزتها الامنية والاستخباراتية.
وفي الاوراق الاوروبية يعتبر التقرير ان المجموعة الاوروبية ومعها تركيا التي تشكل جسر العبور إلى الازمة السورية لا تمتلك الاوراق الرابحة في ظل خروجها سياسياً واقتصادياً من منطقة الشرق الاوسط، وهو خروج حتمته الاحادية التي مارستها الولايات المتحدة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وتفردها بادارة ازمة الشرق الاوسط، والسيطرة على منابع النفط ومعابرها في الخليج العربي من خلال احتلال العراق وسيطرتها العسكرية على سائر الدول الخليجية عبر انشاء قواعد عسكرية، ومراكز استخبارات لها على امتداد الدول الخليجية الاسلامية ما خلا ايران التي تحولت بدورها إلى منافس ندي لكل تلك الدول مجتمعة، وبالتالي تحويل الدول الاوروبية الفاعلة إلى ادوات او توابع لها تنأى بنفسها عن القرارات المصيرية لاسيما كل من فرنسا نيكولا ساركوزي، وبريطانيا طوني بلير.
على عكس تلك الاوراق، يلحظ التقرير ان الاوراق التي يمتلكها المحور الروسي بحسب التعبير باتت راجحة وان كانت غير كافية لحسم الموقف فهي دخلت فعلا إلى منطقة الشرق الاوسط وباتت على تماس مباشر مع منابع الطاقة ومعابرها، وهي بالتالي لا تبدو مستعدة للتراجع حتى لو تحولت حربها الباردة إلى فعلية لعلمها اليقين بان خروجها هذه المرة سيستمر لعقود جديدة.
اما الاوراق الايرانية والسورية بحسب التقرير فتشكل خطراً داهماً وحقيقياً على تركيا التي هي واحدة من الدول التي يمكن الاعتماد عليها في منظومة "الناتو" بالمنطقة، وذلك في حال لجأت هذه الثنائية إلى تسعير حرب الاستخبارات ضد حكومة اردوغان من خلال تقديم المزيد من الدعم للاكراد الذين باتوا يشكلون فكي كماشة حول تركيا بعد ان انسحب الجيش السوري من المناطق الكردية المتاخمة للحدود معها وتسليم زمام الامور إلى اكراد سوريا الذين يشكلون بدورهم الامتداد الطبيعي لحزب العمال الكردستاني.
ويلحظ التقرير في احد بنوده قدرة المخابرات الايرانية  السورية على تحريك الاوضاع الامنية في  الدول المحيطة بسوريا وضمنها لبنان والاردن وتركيا، كما قدرة طهران على تحريك اوضاع الخليج الاسلامي (بحسب ما جاء في التقرير)، بما يشكل خطرا داهماً على الدول الاوروبية وروسيا لتصدير التطرف الاسلامي وتعزيز ظاهرة السلفية في قلب القارة العجوز.

قراءة "غربية": مصالح روسيا في المنطقة تفرض عليها التشبث بالأسد
ملخص البنود التي تتحدث عن موازين القوى بين المحورين الدوليين المتنازعين، تكشف عما يعتبره التقرير مصالح استراتيجية لا يمكن التغاضي عنها في البحث عن التسويات. فروسيا التي سعت على مدى عقود للوصول إلى المياه الدافئة، وحققت حلمها من خلال بوابة الازمة السورية. وبالتالي فان التقرير يستبعد خروجها من المعادلة السورية، بل انها تصر وتشدد على كونها اللاعبة الاشد مراساً.
ولا يغفل التقرير أنّ عماد اقتصاد روسيا يستند بشكل اساسي على انتاج الغاز وتوزيعه في الاسواق الاوروبية، بينما تسعى قطر إلى ايصال منتوجها من الغاز إلى اوروبا عبر تركيا فسوريا، وهذا ما تتمناه القارة الاوروبية وخصوصا فرنسا التي تعتبر نفسها حامية الاتحاد الاوروبي ورأس حربته باعتبار أنّ قطر، ونظراً لحجم إنتاجها، قادرة على مزاحمة روسيا لتصل في بعض الدراسات إلى حد خفض ثمن الغاز الذي تحتاجه اوروبا بنسبة تفوق الثلاثين بالمئة. وإزاء هذا المشروع القطري الاوروبي التركي (هذا ما يفسر سبب اندفاعة هذه الثلاثية لاسقاط الرئيس السوري بشار الاسد)، فإنّ موسكو لن تقبل باي شكل من الاشكال بان تضرب اقتصادها بيدها، وبالتالي فانها ملزمة للدفاع عن مصالحها الاقتصادية من خلال قطع الطريق على هذا المشروع من خلال دعم النظام إلى ابعد الحدود وترسيخه في موقعه مقابل رفضه السماح بمرور انابيب الغاز القطري عبر الاراضي السورية، وبالتالي اجهاض المشروع برمته طالما ان عماد الاقتصاد الروسي هو صناعة الغاز.
وينتقل التقرير ليفند المصالح الايرانية الواجب التوقف عندها مليا، بحيث ان حليفها القادر على ادخالها في معادلة الشرق الاوسط وازماته الحارة، كما في الصراع العربي الاسرائيلي هو بحكم الوقع والمذهب حزب الله. وبالتالي فان جسر العبور باتجاه حدود لبنان الجنوبية (عبر حزب الله) هي الاراضي السورية بتسهيل من نظام الاسد، وهي تاليا ستقف بقوة امام اي محاولة جدية لاسقاطه، ليس محبة بالنظام او برئيسه، بل حفاظا على مصالحها الاستراتيجية.
ويعرض التقرير للتناقض اللافت بين المصالح المشتركة لمجمل الدول المعنية، فيؤكد ان مصلحة قطر وتركيا وفرنسا تكمن في اسقاط الرئيس الاسد والاتيان بتركيبة جديدة تسمح لها بتمرير انابيب الغاز. ومافيا السلاح الاميركية تعتبر ان سوق الخليج هو الانشط ولا يمكن ان يستمر على هذا النمط الا في حال استمرار التوتر وتاليا البحث في تعديل موازين القوى العسكرية. ومافيا النفط يهمها المنابع والمعابر والمصبات. ولهذا فان التقرير ينصح بالتروي والبحث السريع عن صيغة تسوية تحفظ مجموع هذه المصالح من دون المساس بالستاتيكو المعمول به منذ عقود، وعدم المساس به، وذلك من خلال اعادة التواصل مع الدبلوماسية السورية، خصوصا في هذه المرحلة حيث يمكن الاعتبار ان سوريا باتت منهكة وهي ايضا تحتاج إلى تسوية ولو بحدها الادنى.

موقع الالكترونية  اللبنانية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى