سوريا اليوم تقف أمام صراع كسر عظم حقيقي، ليس بين هويات ولا بين عرب وكرد، بل بين مشروعين متناقضين للدولة. في الشرق، حيث النفط والغاز والمعابر الاستراتيجية، تمسك قسد بقيادة مظلوم عبدي بورقة القوة الأكبر، فهي ليست مجرد قوة محلية بل كيان قادر على تمويل نفسه وإدارة مناطقه وكأنه دولة داخل الدولة. النفط بالنسبة لعبدي ليس مجرد ثروة، بل ضمانة لبقاء الصوت الكردي مسموعًا دوليًا، لذلك يتمسك به كخط أحمر لا يمكن التنازل عنه. في المقابل، السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع ترفع شعارًا واضحًا: لا سلاح خارج الدولة ولا نفط خارج خزينة دمشق. الشرع يريد دولة مركزية بقرار واحد وخزينة واحدة، ويرى أن أي استثناء أو قوة موازية هو تهديد مباشر لفكرة السيادة. عند هذه النقطة انفجر الوضع، لأن الصراع لم يعد حول إدارة محلية أو صلاحيات بل حول من يمسك القرار ومن يحدد شكل الدولة القادمة.
حلب دخلت على الخط لأنها ميزان الشرعية، من يسيطر عليها يثبت للعالم أنه المرجعية الوحيدة، وأن لا حي ولا قوة فوق سلاح الدولة. لذلك اشتعلت الأحياء الكردية كرسالة نارية تقول إن الشرعية تُثبت بالنار، وإن من يملك حلب يملك شهادة الدولة أمام الداخل والخارج. المعركة هناك ليست صدفة، بل اختبار متعمد لإظهار من يفرض القرار ومن يملك الكلمة الأخيرة.
الولايات المتحدة تراقب المشهد بهدوء، لأن ما يهمها في النهاية هو النفط شرق الفرات، تصريح ترامب كان واضحًا: نريد نفط سوريا. وهذا يعني أن واشنطن لن تدخل مباشرة في معركة حلب، لكنها ستبقى ممسكة بخيوط اللعبة عبر النفط، تراقب وتنتظر لترى من يخرج منتصرًا من هذه الاختبارات. تركيا من جانبها ترى في أي قوة كردية تهديدًا وجوديًا، لذلك تدفع باتجاه تقويض قسد، وتعتبر أي مكسب لها خطرًا على أمنها القومي. إسرائيل والغرب يستخدمون خطاب حماية الأكراد كورقة ضغط سياسية، لكن دون تدخل مباشر في الميدان.
الخلاصة أن ما يجري اليوم هو صراع على القرار والسيادة، الشرع يريد دولة مركزية بسلاح واحد وخزينة واحدة، وعبدي يريد ضمانات قوة واحتفاظًا بورقة النفط. حلب هي المختبر الميداني للشرعية، والشرق هو خزان القرار والمال. ليست حرب هوية، بل حرب على من يمسك القرار ومن يحدد مستقبل سوريا، ومن يخرج منتصرًا من حلب والشرق سيكون هو من يمسك بمصير البلاد.