عـن زيـارة لـرأس الـعـيـن (ميشيل كيلو)

 

ميشيل كيلو

لو أن المعارضة انتزعت منذ فترة ما قبل الثورة أوراق النظام ضد الشعب، وفي مقدمها الورقة الطائفية، لما كنا وصلنا إلى المأزق، لذلك لا أقل من أن تفعل اليوم كل ما تستطيع فعله لنزع فتيل الحرب الأهلية
كان من حسن الحظ أن ازور تركيا في مهمة وطنية حملتها مع نفر من إخوة أعزاء أتوا من كل مكان داخل الوطن وخارجه، ينتمون إلى أطياف سياسية وقومية مختلفة، تركز سعيهم على وقف إطلاق النار في بلدة رأس العين، وإعادة البلدة الجميلة إلى ما ساد علاقات مكوناتها القومية والدينية المختلفة من امن ووئام، جعلا منها على مر تاريخها واحة إلفة وواحة عيش مشترك وحاضنة للعرب والكرد والسريان والشاشان والأرمن وسواهم. لكن بعض الحسابات والأفكار الخاطئة: الإقليمية والمحلية، وبعض قصر النظر والأحكام المسبقة، كل ذلك أفضى مؤخرا ولأول مرة إلى تعكير صفو حياة مواطنيها السوريين الذين كان يجب أن تزيل الثورة ورغبة أهاليها المشتركة في الحرية ما يمكن أن يتخلق فيها من مشكلات عابرة، فإذا ببعض الأطراف تقدم على تصرفات هددت ما عرفته دوما من سلام أهلي وأمن مجتمعي.
لمواجهة مخاطر هذه الجمرة التي استعرت فجأة ويمكن لها أن تتحول إلى نار تأكل الأخضر واليابس، قررت «اللجنة الوطنية لحماية السلم الأهلي والثورة»، التي شكلها لفيف من مواطني سوريا بينهم كاتب هذه المقالة، العمل على تسوية ما صار يعرف بـ«مشكلة رأس العين»، لما يمكن أن ينجم عنها من كوارث لا يمكن علاجها على المستوى المحلي الصرف، ولا مفر من التصدي لها على مستوى وطني عام، كي لا تؤدي ـ لا سمح الله – إلى فتنة كردية ـ عربية في مناطق تتخطى رأس العين – ساري كانيه بالكردية ـ إلى الجزيرة وحلب وعفرين وما وراءها، مع ما يمثله توسعها من نشوب حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، لا شك في أنها ستقلب موازين القوى لمصلحة النظام، وستبدد تضحيات الشعب وفرص بلوغه أهدافه في الحرية والعدالة والمساواة، وستمتص عافية وطاقات «الجيش الحر» وتورطه في معارك ستمزق صفوفه، وتدفع قطاعات شعبية واسعة من مواطني سوريا إلى الانفضاض عنه وجعله مزقا متناثرة في بعض الأرياف النائية.
عند اجتياز المعبر إلى رأس العين، ورغم وصول انذارات تخويفية متنوعة حذرتنا من الذهاب إلى البلدة المنكوبة، استقبلنا بمودة وسعادة شبابٌ من «غرباء الشام» و«أحفاد الرسول» وكتائب اخرى، فضلا عن بعض سريان المنطقة وشاشانها، عانقوا أعضاء الوفد والتقطوا الصور معهم وقدموا لهم السجائر والشاي، واقسموا أغلظ الأيمان انهم لن يسمحوا لهم بمغادرة المكان دون تناول طعام الغداء برفقتهم. عندما تحدث هؤلاء الشباب عن مشكلة رأس العين، وصفوا «الكرد «بـ« اخوتنا هناك». تلك كانت مفاجأة مشجعة قابلها «الكرد» بكلام مسؤول عن الوطن والحرية والثورة التي يجب أن تستعيد أصالتها وهويتها الوطنية، وعن الرغبة في وقف المظاهر المسلحة وجميع أشكال العنف والوصول إلى مصالحة تتجاوز وقف إطلاق النار القائم منذ نيف واسبوع.
من محاسن الصدف أن اخوض حواراً اخويا وصريحا مع اصدقاء قدماء من الكرد، لطالما ناضلنا معا وخلال عقود، من أجل الحرية والقضاء على الاستبداد، والتقينا في السجون والمعتقلات وخلال أنشطة كثيرة سرية وعلنية. فلا عجب انهم انطلقوا في كل ما قالوه من المشتركات الوطنية الجامعة والالتزام بها، ورفض كل ما يفرق ويثير التناقضات بين أبناء الشعب الواحد. بينما قال من استقبلونا من الشبان العرب كلاما مماثلا واعلنوا استعدادهم للالتزام بمصالحة دائمة، وعبروا عن خشيتهم من أن يكون وراء الأكمة ما وراءها، خاصة حين شرحنا لهم أن هناك خوفا دوليا وإقليميا وعربيا من سوريا: ديموقراطية كانت أم إسلامية. ان امتناع هذين الخيارين أو احدهما يعني خيارا محددا يراد لنا أن نتبناه تحت مسميات خادعة، هدفه جر بلادنا إلى حال من الفوضى لا يستبعد أن تكون أحداث رأس العين بدايتها، وقد يكونون هم والأخوة الكرد وقودها وضحاياها، ليس فقط لأن اقتتالهما يبعدنا جميعا عن مطلب الحرية المشترك، بل كذلك لأن اللجوء إلى السلاح ضد الأخ والشقيق يعني انهيار تلك المنظومة الأخلاقية والقيمية الوطنية، التي تنشأ بيننا وتشدنا بعضنا إلى بعض، ولا بد أن تجعل منا جسدا واحدا، وسيكون انهيارها المدخل إلى تمزيق وطننا وتفريق جثته على اطراف لن تطيق عندئذ العيش معا، مع ما يعنيه ذلك من صراع واقتتال يعلم الله وحده متى ينتهي، وما سيبقى من شعبنا ووطننا بعده، علما بأننا سنجد أنفسنا أمام نتائج معاكسة تماما للنتائج التي توخينا تحقيقها عندما نزلنا إلى الشارع مطالبين بالحرية، حاضنة وأداة تعزيز ما ساد علاقاتنا التاريخية من إخاء، وحذف الظلم الذي اوقعه النظام بنا عامة وبالأخوة الكرد خاصة، وإلغاء التنوع الخلاق والجميل الذي ميز دوما مكونات جماعتنا الوطنية، وجعل ثمن وجود كل طرف من الأطراف السورية الحالية باهظا إلى الحد الذي يحول دفعه الى جزء من هلاكنا العام.
كان وعي هذه الحقائق والخوف من نتائجها مسيطرين في كل حديث سمعناه حول ما اسماه بيان أصدره الطرفان قبل ايام من وصولنا «سوء تفاهم بين الأخوة». لذلك تَكَوَّن لدينا الاقتناع بأن التقاعس عن القيام بالواجب الوطني لعب دورا مهما في بقاء مشكلاتنا دون حل، وفي تفاقمها وتأزيمها. كان الانطباع الذي تكوّن لدي بعد دقائق قليلة من بدء المحادثات هو أن هناك «سوء فهم أو تفاهم» بين اخوة، وأن ما قدمه الطرفان من رؤى وحلول للمشكلة ـ التي لم يعمل أي طرف لإثبات أن وجودها كان يستدعي الاقتتال بينهما – يستند إلى ما يجمع لا إلى ما يفرق، وانهما لم يريدا ولا يريدان بلوغ النقطة التي يصير الحديث عندها للسلاح وحده، وان ما وقع من اقتتال لم يلغ الحاجة إلى حاضر ومستقبل مشتركين، فيه ــ المستقبل ــ مكان لحرية وكرامة كل مواطن سوري، إلى أية قومية أو ديانة أو سياسة انتمى .هل أبالغ إن قلت إنني أحسست بوجود شيء من الحرج لدى جميع من قابلتهم بسبب ما جرى، وانه لم يترك في نفوس محدثي ذلك الحقد الذي يزرعه فيهم، عادة، الاقتتال بين اعداء او متصارعين، لأن إخوتنا من الطرفين لم يكونوا يعتبرون الآخر عدوا ولم يتحدثوا عنه كعدو.
هل يمكن للطرفين أن يخرجا رابحين من الأزمة؟ نعم، يمكن ذلك، إن هما تجنبا جملة فخاخ، أولها: التغافل عن أن قتالهما يتم لمصلحة قوى خارجية لا يهمها من أمرهما غير استنزاف قواهما وغير إلهائهما بمشكلات تغرقهما اكثر فاكثر في اجواء لا مخرج لهما منها. وثانيها: إن هما قررا النظر إلى نفسيهما وخلافاتهما بعين مشتركاتهما الوطنية الجامعة، بدل أن يريا هذه المشتركات بعين خلافاتهما ومصالحهما الذاتية الضيقة. وثالثها : إن هما صمما على تخطي قصص القيل والقال الصغيرة، التي لا تحل مشكلات وطننا الكبيرة وتحرض على تجاهلها والقفز عنها والعمل خارج أطرها. وأخيرا، إن هما فهما ما يتعرضان له من مكائد، تبدأ عندهما لتطاول تدريجيا كل مكان من وطنهما، وكل مكون من مكوناته.
لا بد من النظر إلى اسلوب معالجة الازمات الداخلية بوصفه شهادة على نضج المعارضة السورية بمختلف أطيافها. لئن كان النظام ينصب فخاخه في كل مكان من أجل تفجير المجتمع وتفتيت الدولة، فإنه يصير على المعارضة تفكيكها بدراية يمليها عليها حب شعبها وتعلقها بوحدته وبسيادة دولتها وكرامة وحرية مواطني هذه الدولة. ولو أن المعارضة انتزعت منذ فترة ما قبل الثورة اوراق النظام ضد الشعب، وفي مقدمها الورقة الطائفية، لما كنا وصلنا إلى هنا، ولكان النظام تهاوى بسرعة أكبر بكثير من سرعة تهاويه في العامين المنصرمين. وإذا كانت المعارضة لم تقم بواجبها آنذاك، فلا أقل من ان تفعل اليوم كل ما تستطيع فعله لنزع فتيل الحرب الأهلية.
هل سنسمح لمن ينثرون بذور التمزق الأهلي أن يحولوه إلى اقتتال بين المواطنين، ام سنستبق المخاطر ونعالج اسبابها بما نملكه من انتماء صادق إلى بعضنا البعض كطلاب حرية وحقوق؟

صحيفة السفير اللبنانية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى