بوابة الشرق الأوسط الجديدة

كتب

“كرافت” تعيد طرح التساؤل: لماذا يسمح الإله بوجود الشر في العالم؟

محمد الحمامصي

 

حصل الكاتب والروائي السويسري يوناس لوشر على جائزة “بيرنر” للأدب عن روايته الأولى “ربيع البربر” وحاز على جائزة “الكتاب الألماني” في القائمة الطويلة، عن الرواية نفسها. وهذه الرواية “كرافت” التي ترجمها معتز المغاوري وصدرت أخيرا عن دار العربي للنشر تحمل الكثير من تساؤلاته وأفكاره وخبراته بدءا من عمله مدرسًا في مرحلة التعليم الأساسي ببرن. مرورا ببضع سنوات قضاها يعمل في مجال صناعة الأفلام في ألمانيا. ودراسته في مدرسة ميونيخ للفلسفة ليحصل عقب تخرجه على الدراسات العليا في الفلسفة، ثم عمله محررًا أدبيًا حرًا في الصحافة، وباحثًا في معهد العلوم والتكنولوجيا في ميونيخ. وانتهاء بتدريسه مادة “علم الأخلاق” في مدرسة الاقتصاد بالمدينة نفسها، ومحاضرته في الأدب المقارن كأستاذ زائر في جامعة ستانفورد بأميركا.

الرواية “كرافت” التي تصحبنا في رحلة إلى حاضر “وادي السليكون” وعبر تاريخ ألمانيا في الثمانينيات، تعكس خبرة لوشر بالسينما وعلاقته بالفلسفة والاقتصاد، حيث يتجلى الأسلوب الفلسفي العميق. فهي عن بروفيسور في اللغويات، “كرافت”، الذي يعاني مشاكل كبيرة مع زوجته لا مفر منها إلا الطلاق بالإضافة إلى أزماته المادية. وقد وقعت عيناه على إعلان أرسله له صديقه “إستيفان”، البروفيسور في جامعة ستانفورد، عبر الإيميل. كان الإعلان عبارة على مسابقة لمناقشة فكرة فلسفية تحت عنوان “رغم أن كل الأشياء كاملة، هل هناك فرصة لجعلها أفضل؟”، وأفضل إجابة تفوز بمليون دولار. فينتهز “كرافت” هذه الفرصة كي يتخلص من كل مشاكله الزوجية والمادية ويقرر الاشتراك في المسابقة.

إنها رواية اختار فيها لوشر أن يجعل شخصيته “كرافت” غير اجتماعي، عميقًا، فلسفيًا، ينظر للأمور بنظرة مختلفة، تجمع شخصيته بين السخرية والكآبة؛ كي يثير عقل القارئ، ويجعله يتعمق بفكره هو أيضًا ويصل لإجابة لمحور الرواية ألا وهو الذات الإلهية، والكون، والخير والشر عن طريق الدراسة والبحث وليس عن طريق الاقتناع الفطري.

“كرافت” أصبح شاهدًا على سقوط “سور برلين” عام 1989 وإعادة توحيد ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية وانهيار الاتحاد السوفيتي الشيوعي وإعلان الغرب الرأسمالي انتصاره الساحق على التاريخ

لوشر كتب مقدمة للترجمة العربية كشف فيها عن ولادة فكرتها والتساؤلات التي استدعتها، قال “لقد حظيت عام 2012 بفرصة قضاء تسعة أشهر كباحث زائر بجامعة “ستانفورد” بـ “وادي السليكون” بكاليفورنيا. وسرعان ما بدا لي هناك، عندما تحدثت مع أصحاب الشركات الناشئة وطلاب الدكتوراه والمبرمجين، أننا نتكلم لغات مختلفة، وأن رؤيتنا للعالم تختلف بشكل جوهري. هذا الاختلاف الجوهري يتمثل في التفاؤل غير المنقطع بالتكنولوجيا والتقدم. ذلك التفاؤل الذي اصطدمت به في كثير من الأحاديث. كان الكثير ممَن تحدثت معهم على قناعة تامة بأن كل مشاكل البشرية الرئيسية يمكن حلها بواسطة تطبيق ذكي أو تقنية جديدة. أمَّا أنا فعلى العكس منهم، دائمًا ما أصر على أن مشاكل البشرية الرئيسية يمكن حلها بطريقة مثالية عن طريق مؤسسات ديمقراطية. لكن أكثر ما أصابني بالحيرة أن تلك الأحاديث تحولت سريعًا إلى نوع من الأحاديث التسويقية. فنصف مَن تحدثت معهم بدا أن لديهم بعض الأفكار الرائعة على غرار: الفيسبوك، وجوجل، وأوبر، ويرغبون في تسويقها ولهذا جاءت أحاديثهم مليئة بالمبالغات الوقحة والتفاؤل غير المنطقي.

وأضاف أنه بسبب هذه الحيرة، نشأت فكرة كتابة رواية يسافر بطلها الباحث المتشائم، والساخر، والمنهك، القادم من أوروبا ـ والتي وصفها وزير الدفاع الأميركي السابق “رامسفيلد” بـ”القارة العجوز” بشيء من الاحتقار ـ إلى “وادي السليكون” لنشاهد ما يحدث عندما يلتقي بشباب كاليفورنيا المتفائلين.

وأوضح لوشر: يحصل “ريتشارد كرافت” – هكذا أسميت بطل الرواية، الباحث الألماني في العلوم الإنسانية – على دعوة للسفر إلى “وادي السليكون” للمشاركة في مسابقة علمية. يحصل صاحب أفضل إجابة – في هذه الحالة إجابة متفائلة – عن سؤال المسابقة على مبلغ مليون دولار. جاء سؤال المسابقة كالآتي “لماذا كل شيء على ما يُرام، وعلى الرغم من هذا يمكن جعله أفضل؟”. هذا السؤال في الأساس ليس سوى صياغة حديثة لسؤال “الثيوديسيا” القديم: “لماذا يسمح الإله بوجود الشر في العالم، على الرغم من أن قدرته ورحمته وسعتا كل شيء؟”.

هذا السؤال الديني الفلسفي القديم كان دائمًا ما يتعلق بالتفاؤل والتشاؤم. قام الفيلسوف الألماني لايبنتس في بداية القرن الثامن عشر بصياغة إجابته الشهيرة عن سؤال “الثيوديسيا”. جاءت إجابته كالآتي “إن صفة الكمال لا يمكن أن تنطبق سوى على الإله وحده. وبالتالي فإن العالم الذي نعيش فيه هو أفضل العوالم الممكنة على الرغم من وجود الشر”.

وأشار: في عام 1755، حدث زلزال مدمر في مدينة لشبونة وراح ضحيته عشرات، بل مئات الآلاف من البشر. انتشر خبر هذه الكارثة سريعًا في أوروبا وزعزع التفاؤل السائد آنذاك. كيف يمكن أن يكون عالمنا أفضل العوالم الممكنة ويلقى مئات الآلاف حتفهم دون أي ذنب؟ كرد فعل على تلك الكارثة، كتب الفرنسي فولتير رواية “كانديد” التي جاءت في شكل نقد متشائم وساخر لتفاؤل لايبنتس. هذا الصراع نفسه بين التفاؤل والتشاؤم يظهر من جديد في روايتي “كرافت”.

ولفت إلى أن الرواية أيضا تصحب القارئ في رحلة إلى ألمانيا التي قسمها سور برلين إلى دولتين في فترة الثمانينيات. حيث تلتقون هناك بـ”كرافت” في مرحلة الشباب. كان “كرافت” يدرس آنذاك في برلين الغربية ويكرِّس اهتمامه للسياسة الاقتصادية الليبرالية للرئيس الأميركي رونالد ريجان ورئيسة وزراء بريطانيا مارجريت تاتشر. راقب “كرافت” بحماس فكرة الدولة ذات المؤسسات القوية التي ينبغي أن تضمن تحقيق العدالة الاجتماعية.. وهي تُستبدل بفكرة ترك تشكيل المجتمع لقوى السوق الحر والقطاع الخاص. هذا الصراع الأيديولوجي الذي يصطدم به “كرافت” مجددًا بعد ثلاثين عامًا في “وادي السليكون”.

وختم لوش: أصبح “كرافت” شاهدًا على سقوط “سور برلين” عام 1989 وإعادة توحيد ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية وانهيار الاتحاد السوفيتي الشيوعي وإعلان الغرب الرأسمالي انتصاره الساحق على التاريخ. لكن كان على “كرافت” أن يعرف أن الأمر ليس بهذه البساطة”.

مقتطف من الرواية

مع أول رياح باردة هبت حول صدره العريض، شعر بحلمتي صدره تنكمشان وانكمشت معهما ثقته بنفسه. لف “كرافت” ذراعيه حول جسده المنغمس في الماء وهو يرتعش بشدة، واستسلم تمامًا للجرح المؤلم في ركبته التي تنزف.. إذًا سيموت هنا، متجمدًا في حالة يرثى لها، لا بل الأسوأ أن ينقذه “هيرب” فيجده عاريًا ملطخًا بالطين ينزف وعاجزًا.. “هيرب” ذلك الحشرة النحيفة، عالم الفيزياء ونظرياته عن المد والجزر وسرعة التيارات والمسافات وإطاره الزمني.. “هيرب” الذي يمثل له كل ما حدث مجرد متغيرات في معادلة، يحذف منها كل ما هو غير ضروري.. ماذا يعرف شخص مثل “هيرب” عن ارتباط الفرد بالعالم؟ عن أهمية الصدفة؟ عن جمال تلك الأشياء التي يعتبرها غير ضرورية؟ عن الألم؟ عن الإهانة؟ بالنسبة لشخص مثل “هيرب”، يمثل كل هذا لا شيء، مجموعًا صفريًا، لا مكسب ولا خسارة؛ حيث يمكن تعويض الشر بالخير.. لا يعنيه على الإطلاق ماذا ألَمَّ بك، فالأهم في النهاية أن تستقيم المعادلة؛ متكاملة، هكذا يسمونها مَن يتلاعبون بالأرقام.

ماذا يعرف شخص مثل “هيرب” عن التكامل؟ التقديس المجرد للحقائق.. لكن ماذا عن معاناة “كرافت” المادية؟ ماذا عن جسده العاري ونزيف ركبته؟ ماذا عن وحشية كلاب البحر؟ ماذا عن جمال طائر “البلشون”؟ لا، “كرافت” لا يريد بأي حال أن ينقذه “هيرب”، ذلك الذي يقدس النظام. لا يريد أن ينقذه عالم الفيزياء. لا بدَّ أن ينقذ نفسه بنفسه.. سيبحث عن طريق عبر المستنقع ويسبح ليعبر القناة ويصل إلى حوض السفن.. وربما ينجح إذا حالفه الحظ في أن يصل إلى خزانته بنادي التجديف دون أن يلاحظه أحد، حتى لا يواجه “هيرب” دون شورت.. سيواجهه دون قارب، لكن على الأقل ليس عاريًا، وأنقذ نفسه بنفسه.

سمع “كرافت” صوت الماء خلفه.. بذل مجهودًا ليركز ويحدق وسط الظلام. هبت نسمة هواء باردة جعلته يرتجف، ولكنها أزاحت الضباب للحظة، وأتاحت له إلقاء نظرة على الأبراج الأسطوانية لشركة “أوراكل” التي تضيء وسط الظلام مثل البطاريات العملاقة. هذا جيد، فهو الآن يعرف تقريبًا أين هو. عليه أن يستمر في التقدم نحو اليسار حتى يصل إلى القناة الكبيرة.. ومن هناك يتبع أضواء الميناء.

أخذ يسير حافي القدمين في تردد – وهو الذي لم يسر حافيًا من قبل – ممَّا أدى إلى عواقب مؤلمة.. حيث أخذ العشب المدبب يشكه في باطني قدميه الحساسين. تمنَّى “كرافت” لو يستطيع أن يرى بصورة أفضل أين يضع قدميه، لكن الجو الآن مظلم تمامًا والضباب يحيط به من جديد بكثافة. اصطدمت أصابع قدمه بأحجار وفروع أشجار وقطع خشبية، وداس بقدمه فجأة في حفرة عميقة والتوى كاحله، فصرخ من الألم. إذا حدث تمزق في أربطة قدمه، سينتهي أمره.. عندئذ، سيموت أو سينقذه “هيرب”.

وضع “كرافت” كاحل قدمه الذي يؤلمه على الأرض، وتقدم بضع خطوات في تردد.. كاحله ليس بحالة سيئة. عرج لكنه استمر في السير. سار ببطء شديد؛ لأن الأرض كانت تمتلئ بالحفر الطينية والبرك، وكل بضعة أمتار، يواجه مجرى مائيًّا متعرجًا وسط الحشائش. شعر بلسعة في جرحه بسبب الملح، بينما صفعت الرياح جلده المبتل حتى شعر بعظامه ترتعش من البرودة. أحاط عضوه الذكري المنكمش بإحدى يديه لحمايته.

ميدل إيست أنلاين

 

الشرق يبدأ من القاهرة
خليل صويلح... حراثة اللغة والهويات المتوهِّمة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy