باب الشرق

كتب

“ما وراء الشتاء” هل يُصلح الحبُّ ما أفسده الدهر؟

كه يلان محمد

 

ترصد رواية “ما وراء الشتاء”، للكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي، رحلة صعبة لأبطال العمل الأدبي، فهم يصارعون الموت للبقاء، رافضين الاستسلام بسهولة، فيركبون الأمواج العاتية، للوصول إلى ضفة النجاة، متسلحين بحب الحياة أثناء فترة تهب فيها عاصفة ثلجية تتجمَّد فيها المشاعر.

الانطباع السائد حول أدب أميركا اللاتينية، أنه مدونة تجوب في عوالم فنتازية، أو ما يُسمى بالواقعية السحرية، وكان هذا التيار زاد زخمه بفضل غابريل غارسيا ماركيز، وما أحدثه في رواياته من تلاحم بين الفنتازي والتاريخي والواقعي. ولا يحيد أدباء هذه البلدان عن المنهج العجائبي، حتى عندما يتناولون تجارب الزعماء الديكتاتوريين وسياستهم الدموية، وهذا ما يبدو بوضوح في رواية “حفلة التيس” لماريو يوسا غوسا، وذلك لا يعني غياب الخصوصية والاختلاف في الأسلوب، إنما كل ما في الأمر أن هؤلاء يحملون جانبا من تاريخ وتراث شعوبهم في أعمالهم الروائية، مع وجود التباين في آليات الكتابة، ورسم مسارات السرد، وتشكيلة البناء الروائي من كاتب إلى آخر.

رغم اتهامها باستنساخ “مئة عام من العزلة” في باكورتها الروائية “بيت الأرواح”، لكن استمرار دفقها الإبداعي أبانَ أن الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي ليست كاتبة ملحقة بغيرها، بل تمكنت من صياغة أسلوبها الخاص، والمزاوجة بين ثيمات متعددة في متونها الروائية، ما يوفر مزيدا من عناصر الإثارة والتشويق، إذ تبث في روايتها “ما وراء الشتاء”، الصادرة أخيرا عن دار الآداب، بترجمة صالح علماني، موضوع الحب والهجرة والفقدان والحنين والشيخوخة والجريمة والموت، أضف إلى ذلك تضفير ما هو شائع من المعتقدات الشعبية في بعض بلدان قارتها بالمادة المسرودة، وتفاجئ صاحبة “العشيق الياباني” القارئ في كل فصل بما تضيفه إلى سلسلة السرد المتشعبة، التي تبدأ بلقاء بين ريتشارد ولوثيا في بروكلين ذات يوم شتائي عاصف، وما يجمع بين الشخصيتين هو غربتهما عن الموطن الأصلي، لأسباب سياسية.

سر الجثة

يرصد الراوي لحظة تحوُّل الفصول في بروكلين عندما تفاجئ العواصف الثلجية أهالي تلك المدينة، وذلك يأتي متزامنا مع حلول أعياد الميلاد، ومن ثم يكون التركيز على الشخصية التي انزوت داخل غرفة ضيقة تقاوم الوحدة باستعادة ذكرياتها والظروف التي اتخذت فيها قرار مغادرة بلدها تشيلي، وتبدو منزعجة من صاحب المنزل الذي تسكنه، كونه خالياً من الحميمية.

هنا تتوارد إلى ذهنها تجربتها في الزواج من كارلوس، وعلاقتها العابرة عقب انفصالها من المحامي، وسفر ابنتها إلى ميامي. إن وجود ريتشارد ولوثيا في مبنى جامعة نيويورك ومعرفتهما لبعض منذ عشر سنوات، وشعور تلك المرأة الجامعية بالانجذاب نحو هذا الانطوائي، لم يكسر الجليد بين الاثنين، ولم تخرج العلاقة بينهما عن الطابع المهني. تعزو لوثيا موقف ريتشارد إلى تقدمها في السن، مع قناعتها بالجاذبية التي لم تفقدها، وهي تتجلى أكثر في حركتها، لكن في هذا المناخ الشتوي يقع ما يقلص المساحة العاطفية بين الجارين عندما يسوق ريتشارد سيارته عائدا إلى بيته، بعد ترك قطه في عُهدة الطبيب، لمعالجته، فيصدم سيارة أمامه… آنذاك ينزل ليعطي بطاقة ائتمانه لفتاة ذات المعطف، لدفع الأضرار المترتبة على الحادث. إلى هنا لا يلوح في ذهن المتلقي ما يدفعه إلى التوقع بأن هذا الحدث يزخم انطلاقة السرد، وذلك حين تستهدي الفتاة الغواتيمالية إلى بيت ريشتارد، بواسطة ما ورد في بطاقته، إذ تقطع متابعة الأستاذ الجامعي لفيلم إيروتيكي بطرقها على الباب، وليس وجود الفتاة هو ما يصعد من التوتر الدرامي والإثارة، بل الجثة القابعة في الصندوق الخلفي لسيارة مخدومها هي التي تدشن الجولة السردية الشيقة المطعَّمة بإيقاع بوليسي، كما تتخذ علاقة ريتشارد ولوثيا شكلا جديدا في رحلة البحث عن إيجاد حل للغز الجثة.

الهجرة

المشترك بين هذه الشخصيات التي تنبسط حكايتها على مساحة الرواية هو الاغتراب والبُعد عن الجذور، فريتشارد يهودي – ألماني هجر أهله إلى فرنسا، ومن ثم أقام جوزيف في لشبونة، وهناك يقع في غرام ابنة صاحب المنزل الذي يسكن فيه، إذ ترافقه إلى لندن، حيث عاشا سنتين، قبل أن يتوجه إلى أميركا ويستقر هناك، ويختار كنية جديدة بوماستير. وما وصلت جوزيف إلى أميركا إلا بمساعدة الآخرين، لذا ينصح ابنه ريشتارد بمد يد العون للمهاجرين، وعدم السؤال عن هوية المحتاج. كذلك بالنسبة للوثيا، التي تغادر بلدها (تشيلي)، إثر الإطاحة بالرئيس الاشتراكي سلفادور الليندي، ويكون أخوها إنريكي مارث أحد ضحايا حملة الانقلابيين ضد اليسار الاشتراكي.

وكما أشرنا أعلاه، فإن الفقدان من الثيمات الرئيسة في بناء الرواية، ويلقي هاجس البحث عن المفقود بظلاله على أسرة لينا، التي لا تريد أن تصدق موت ابنها إنريكي، وتبدأ لوثيا بدورها رحلة البحث عن أثر لأخيها الشيوعي، بعدما تهدأ أمور البلاد. ومن خلال مساعيها الدؤوبتعرَّف إلى المحامي كارلوس، زوجها المستقبلي، ويظل الأخ هو الغائب الأبدي، وتضاف إلى هذه الحلقة الصبية إيفيلين، التي رغم صغر سنها تحفل ذاكرتها بمشاهد مؤلمة، وهي تعرَّضت للاغتضاب على يد عصابة “المارا” في قريتها، مونكا بلانكا دل، بغواتيمالا، وفجعت بمقتل أخويها وأصيبت من هول ما رأت بعجز في النطق، وأخيرا هي تلحق بأمها، التي تشتغل في شيكاغو. والغريب في الأمر، أن ما يشغل الشخصيات الثلاث، هو البحث عن طريقة لإخفاء جثة كاترين براون، والتخلص من عبء جريمة لم يرتكبوها.

الحب في الكبر ليس مستحيلاً

وزعت مؤلفة “ابنة الحظ” فصول روايتها بين الشخصيات الثلاث، حيث يتناوب السرد بين هؤلاء، ففي الشق الذي يتناول حياة إيفلين يمتد الضوء إلى ما تتكبَّده أمها ميريام في شيكاغو من مشقة، نتيجة ساعات الشغل الطوال، فضلا عن الإشارة إلى تعرُّض العاملات المهاجرات للتحرش المهين لإنسانيتهن. كما تكشف الصبية عن هوية المقتولة، ويتتبع المتلقي ما يحكيه الراوي العليم عن الأسرة التي اشتغلت لديها، وطبيعة عمل فرانك، ليروي المريب المتاجر بالبشر الذي زاد مقتاً على زوجته شيريل، عقب ولادة الابن المعاق فرانكي. وأكثر من ذلك، فإن رحلة إيفيلين إلى شيكاغو، مرورا بالمكسيك، وآلام المخيمات، تمثل صورة تراجيدية للمهاجرين.

وعطفاً على ما سبق، فإن وجهاً آخر من الرواية يدور حول نشوء عاطفة الحب التي تنمو بين لوثيا وريتشارد في غضون الأيام التي تجمعهما مع بعض، ويسافران إلى البيت الريفي، لإخفاء الجثة، بدفع السيارة إلى بحيرة متجمدة، إذ تحاول أن تخلص صديقها من الأحزان المتراكمة في أعماقه، بفعل فقدان زوجته وأبنائها في البرازيل، مؤكدة أن العلاج الوحيد لكل هذه النكبات هو الحب، الذي سيعيد له التوازن والاستقرار العاطفي.

يُشار إلى أن تجارب الشخصيتين العاطفية مرَّت بتقلبات كثيرة، ويتضح أن ما يظهره ريتشارد من الزهد عن الحسيات ليس وجها حقيقيا لشخصيته، بل هو يتكتم على فورانه العاطفي، وذلك ما يصرح به عندما تقترح عليه لوثيا النوم على سرير واحد في المنزل. وما بقي أن نتوقف عنده، هو علاقة العنوان بالمضمون، إذ عندما تتوصل لوثيا في شهر مايو إلى هوية القاتل يستيعد القارئ ما يوحي إليه العنوان، إذ تقع الجريمة في الشتاء، ويتم اكتشاف فاعلها في الربيع، لكن هناك ما يشير إليه العنوان على المستوى الأعمق، وهو مقتبس من البير كامو “أن في داخلي صيفا في حالة سبات شتوي”، الذي يتصدر العتبة، وهو آخر ما ينطق به ريتشارد. وما يُفهم من هذا الكلام أن شتاء العمر والحزن لا يمنعان تفجر ينابيع الحب الكامن في الأعماق، وأن كل مرحلة من العُمر مناسبة لتجربة الحب.

ميديل إيست أونلاين

بهاء طاهر يرصد الوجه الآخر لربيع الرواية
'أشباح بروكسل.. ربيع القتلة' تنبش في عالم الذئاب المنفردة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy