فن و ثقافة

«كلبي الهرم… كلبي الحبيب» بطبعة جديدة في القاهرة: أسامة الدناصوري… الكتابة شفاءً للروح

مهند عبد العظيم

يعدّ الكاتب المصري أسامة الدناصوري (1960 ــــ 2007) أحد أبرز شعراء قصيدة النثر التسعينية. مع صديقه المقرب علاء خالد، أسهم في تكوين شكل آخر لقصيدة النثر، مغاير للشكل السائد لدى الأجيال السابقة، أي جيلَي السبعينيات والثمانينيات، رغم انتمائهما عمرياً إلى جيل الثمانينيات. نشر الدناصوري ثلاثة دواوين نثر هي: «حراشف الجهم» (1991)، و«مثل ذئب أعمى» (1996) و«عين سارحة وعين مندهشة» (2003)، إلى جانب ديوان عامي يتيم هو «على هيئة واحد شبهي» (2001). لكنّ عمله الأخير «كلبي الهرم… كلبي الحبيب» (2007) الذي صدر أخيراً بطبعة جديدة عن «دار ديوان» في القاهرة، يعدّ كتاباً عابراً للجنس الأدبي. لم يكتف الدناصوري أو «أوس» ــــ كما كان أصدقاؤه ينادونه ــــ بكتابة الشعر، بل حاول التمرد عليه بنصوص ذاتية عن بلده وعنه وعن حبيباته… في مناسبة إعادة إصدار طبعة جديدة من كتابه، نضيء على مسيرة هذا الكاتب الاستثنائي بمساهمات من أصدقائه ورفاقه.

***************

القاهرة | لم يحظ أسامة الدناصوري بتقييم حقيقي لأعماله. تقييمه جاء بصورتين كلاهما سيء: إمّا المغالاة أو الإجحاف. استمرت هذه الحالة حتى طالت كتابه الأخير، وكوّنت حوله آراء قطبية لا علاقة لها بالأدب. لم ينتبه أحد إلى أنّ ما فعله في كتابه الأخير «كلبي الهرم… كلبي الحبيب» (دار ميريت ـــ 2007)، الذي أعيد طبعه أخيراً عن «دار ديوان» في القاهرة، كان حدثاً يستحق الالتفات إليه وتقييمه بموضوعية. لم تكن رواية كما كتب على غلاف الطبعة الأولى، بل كتابة عابرة للجنس الأدبي المتعارف عليه وقتها. كتابة من أجل الكتابة، لها بذرة نمت بمرور الوقت. كانت هذه البذرة نصوصه النثرية عن الطفولة والنشأة في مدينة «دسوق» (شمال مصر) وعن أصدقائه القدامى.

نمت هذه البذرة بمحاذاة بذرة أخرى شكّلت ديوانه الأخير «عين سارحة وعين مندهشة» (2003) الذي غلب عليه بناء مشهدية للسرد الحرّ والقص، ونبرة قاص أكثر منها نبرة شاعر. نمت هذه البذور لتكوين شجرة يستظل أسفلها، بعيداً عن المرض. للمرة الأولى، لا يستظل أسفلها كي يرسم بورتريهات، بل ليكتب عن علاقاته بالرغبة والمرض (أصيب بالفشل الكلوي منذ صغره) والحب والشعر، وزهوه بنفسه وبالكتابة عنها. كان كتابه الأخير من أجل نفسه لا من أجل أصدقائه، أو كما قال في ديوانه «عين سارحة وعين مندهشة»: «إن شئتم الصدق فأنا أكتب من أجل نفسي».

بدأ شعر الدناصوري بسبب قصة حب فاشلة مع ممرضة، كانت تشرف على علاجه في مستشفى عام في الإسكندرية في منتصف الثمانينيات. لم ينحصر شعر أسامة بهذه الحالة فقط، بل راح يتبدل أو «يتغربل». لم يبدأ كاتباً لشعر النثر، بل بدأ بالعامية في جامعة الإسماعيلية، وكان فتاها وشاعرها الأول، قبل أن ينتقل إلى الإسكندرية ويكتب قصيدة النثر. تمرّد أسامة على الشكل البنائي لقصيدة النثر. اختلف مع جيله المنتمي إليه عمرياً في شكل كتابة هذه القصيدة. تمرّد على كل شيء، على الشعر وعلى شكل كتابته، وعلى المرض أيضاً، حتى على قصائده نفسها. لم تكن نفس روح الشاعر في الدواوين الأربعة، كان يتمرد دوماً لا من أجل أن يظهر بشكل مختلف، بل كانت تلك محاولة للتعايش مع ألم الحياة نفسها. في دراسة بعنوان «رسالة النقد الإنكليزي الاجتماعية ـــــ أكسفورد 1890» من تحقيق كريس بالديك، يورد أستاذ الأدب الإنكليزي في «جامعة أكسفورد» جورج غوردن أنّ خروج إنكلترا من مرض تحكّم الرأسمالية بكلّ شيء يعتمد اعتماداً كلياً على الأدب. وكان اعتماد غوردن مبنياً على ما يتركه الأدب والدين على أرواحنا، وكيف نتعامل مع الأزمات عن طريقهما. كتب غوردن واصفاً الأدب الإنكليزي: «إنكلترا مريضة وعلى الأدب الإنكليزي أن ينقذها. وبما أنّ الكنائس قد أخفقت والعلاجات الاجتماعية بطيئة التأثير، فإن للأدب الإنكليزي وظيفةً ثلاثيةً وهي كما أفترضُ أن يبهجنا ويثقّفنا، وكذلك وقبل أي شيء أن يشفي أرواحنا ويشفي الدولة». من خلال هذه النظرية، قد نقترب من السبب الذي كان أسامة يكتب لأجله. لقد كتب من أجل أن يشفي روحه، لا بسبب الغرق السوداوي كما يتصوّر بعضهم، بل من أجل الشفاء من ورطة الحياة نفسها.

ورطة الحياة التي كان المرض جزءاً منها. وهذا ما حققه بالفعل في «كلبي الهرم… كلبي الحبيب» رغم الحالة «الفيتشية» التي أحاطت به. هل حان الوقت لنعطي المركزية للكتابة والشعر لا المرض والمأساة؟ اللغة وبناؤها لا حصرها بالمرض فقط؟

مفترقات لغوية

مرّت لغة أسامة بمراحل كثيرة بدءاً من الكتابة بالعامية ثم الفصحى وصولاً إلى النثر. من مكتبته، تبقى دواوين شعراء كثر، منهم صلاح جاهين الذي كتب أسامة رباعيّاته بخط يده، وفؤاد حدّاد، ومن جيله والجيل الأصغر أيضاً، ومن الأجناس الأدبية الأخرى «ألف ليلة وليلة»، وكتب لنجيب محفوظ، ويحيى الطاهر عبدالله، ومحمد البساطي ومُعظم كتب محمد المخزنجي. مكتبة أسامة لها حكاية طريفة في تكوينها: عندما تخرّج من الكلية، شعر بأنه يمثّل عبئاً على أبيه لأنه يحصل منه على مصروف شهري، فطلب منه أن يجد له عملاً. تنقّل بين مهن ووظائف عدة من السباكة والإشراف على مزرعة دواجن، وأخيراً إلى العمل مع صديق له في مجال لعب وكتب الأطفال. ولحسن الحظ، كان مكان العمل يقع أسفل «قصر ثقافة الحرية» في الإسكندرية، وهو كان «مزاجنجي» لا يحبّ العمل، حتى إنّه كتب نصاً بعنوان «أنا لا أحب العمل» (مسوّدة لم تكتمل)، لكنّه استمرّ لأنه اكتشف دهليزاً يفضي إلى كنز ثمين على حدّ وصفه في مسوّدة هذا النص. كان الكنز مخزن كتب تهديها وزارة الثقافة إلى الشرطة، ويتم تخزينها هناك. هكذا، كل يوم عند انتهاء دوامه في العمل، كان يأخذ «لفة من الكتب إلى المنزل» وصفها بالكنز لأنها مكّنته من الحصول على دواوين نادرة للمتنبي وأبي تمام والبحتري. هذه المكتبة أسهمت في تكوين لغة أخرى له، إذ لجأ في شعره إلى ألفاظ تنتمي إلى الشعر العباسي. يظهر هذا بوضوح في ديوانه الأول «حراشف الجهم» (1991). الكتابة التي تلت رحيل أسامة، قد تكون منحت الوعي الجمعي فكرة المأساة، والتي بدورها أثرت في ترسيخ فكرة مفادها أنّ كتابه الأخير كان عبارة عن كتابة رثاء للذات أو لحياة مليئة بالمرض. وربما لو ابتعدنا عن تقييم الأدب عبر البحث عن الحزن لا الكتابة، وعن المأساة لا الشعر، لكان اختلف التعامل مع الكتاب. صحيح أنّ الشعر ابن المأساة، لكنّه عندما يتكوّن، يصبح كجنين معزول عن رحم أمه، والأمر ينطبق أيضاً على الكتابة. حكت سامية محرز في كتابها «إبراهيم ناجي زيارة حميمة تأخرت كثيراً» لابنها نديم وهي تشرح له أنّ جده ناجي الكبير كان ابناً للثقافة الإمبريالية، وأنه من الطبيعي أن يرى شكسبير أعظم الشعراء، وهذا عكس ما يراه نديم. قالت: «إن علينا دائماً قبل الحكم على الأشياء والمواقف والأفراد أن نضع الأمور في سياقها التاريخي لكي نفهمها فهماً صحيحاً». وربما من الممكن أن يكون هذا السطر هو حكمة هامة لفهم الأدب وتناوله في نمط صحيح، أو يكون هذا معنى من معان قليلة صحيحة لفهم الأدب.

الزاهي بكلبه الهَرم

يفتتح أسامة كتاب «كلبي الهرم… كلبي الحبيب» بنص بعنوان «الولاعة الصفراء الجديدة» يبدأ بسخرية أسامة من غرامه من خلال كتابة الجمل الكبيرة. يكتب: «ولكن يبدو أنني ما زلت مغرماً بالجمل الكبيرة، التي تقبض على المستمع أو القارئ وتثبّته، لكي يكون كله آذاناً صاغية». وفي منتصف نص الافتتاحية، يصف «أوس» ـــ كما يُلقَّب ـــ مشهد عودته في البولو الخضراء مع صديقه الكاتب حمدي أبو جليل… سيارته أسيرة رحلاته وسخريته الدائمة. يصف مشهد العودة قائلاً: «وكنت أقاوم إعصاراً من الكلام يدوّم بصدري ورأسي، وأتردد. أنظر لحمدي وأعود للصمت. كنت أوقن أنني إن لم أتكلم، سيموت الكلام داخلي ويتعفّن. ولن أستطيع كتابته، لأنني كنت أشكّ في قدرتي على الكتابة ثانيةً». يبدأ الزاهي برغبة عارمة في الكتابة، تحولت إلى كتابة متدفقة وسريعة. مع ذلك، كانت مُنظمة، حيث السرد ينتقل من منطقة إلى أخرى بسلاسة دفّاقة. أنجز كتابه الأخير في ثلاثة دفاتر مختلفة، ورغم هذا كان هناك نظام ما يوضح متى بدأ ومتى انتهى. بلغة الصحافة كان أسامة «أرشفجي شاطر». هناك دفاتر كاملة تضمّ أسماء مَن أعارهم كتبه وتواريخ الإعارة، وخططاً موضوعة للقراءة على المدى الطويل.

كان أسامة يرسم كهواية، رسم العديد من البورتريهات. في كل بورتريهاته، لا تلحظ شيئاً سوى أنها محاولات للهو، أو لتزجية الوقت. كل ما رسمه، لم يكن واضحاً باستثناء ثلاثة بورتريهات، منها واحد له وآخر لصديق عمره علاء خالد، والثالث لأخيه الأصغر أشرف. الملفت أن أكثر الثلاثة وضوحاً كان البورتريه الخاص به هو، كأنه يزهو بنفسه ويعلّم ملامحها ويرسمها ويكتب عنها، رغم أن حياة أسامة كلها عبارة عن مأساة أكبر من أن تختزل في مرضه. مأساة بمعنى أنها موكب موت متنقّل، إذ فقدَ أخاه الأصغر قبل زواجه بعامين، ثم فقد أحب الناس إليه وهو جده ثم أبيه. جده كان له الفضل الأكبر في تعليمه طريقة التدوين والأرشفة.

مع ذلك، تلمح من شعر أسامة محاولات عديدة للنجاة من اليأس بالسخرية من الألم والموت، لا بتخليد المأساة بل بإخراجها من نفسه بالشعر، أو كما كتب في ديوانه «عين سارحة وعين مندهشة»: «ما أكثر الحروب التي خُضتُ غمارَها حالماً بالنصر/ لكنني تعودت ألا أظفر من الغنيمة سوى بالإياب، الإياب وحيداً وخاوياً، ودائماً ما قنعتُ بذلك». يبدو أنّ انتصاره على المرض، لم يكن مادياً وملموساً، بل كان أثيرياً، تتلمسه بالنظر إلى محاولات كتابة الشعر واختلافها من ديوان إلى آخر.

هذه البداية تنتهي براو يرى أنّ في الكتابة نجاة، نجاةً من الموت، من الألم. وأيضاً حتى في تعامله مع بداية دخوله عالم غسيل الكلى، يصف صلاح ـــ أول ممرّض له ــــ بعد اكتشافه إصابته بالفشل الكلوي بأنه: «طيب وابن جدع وفيه روح أمومة». خدع صلاح أسامة، وقال له بأنّ غرز القسطرة في فخذه هي مجرد «شكة دبوس». صدّقه أسامة ثم آلمه فخذه أثناء غرز القسطرة ليقول لصلاح: «لقد خدعتني يا صديقي». ظلّ يتذكر هذه الجملة ويضحك. وبالعودة إلى معنى مصدر «الهرم»، تجد أنّ «كلبي الهرم… كلبي الحبيب» هو الذي منع صاحبه من أن يهرم، بل ساعده في أن يخرج بكتابة تشتبك مع الجسد والمرض والحب والمكان، فيظلّ في ذاكرة أصدقائه، إنساناً زاهياً بنفسه، وحبيباً لا هرماً.

في نص «وقف حال»، يصف أسامة علاقته بالخجل والزهو، كاتباً: «بإمكاني القول إنّني في أعماقي كنت ممتلئاً زهواً، بينما في سلوكي الظاهر كنتُ أبالغ في كوني خجولاً». كان أسامة الدناصوري يقرأ شعره بزهو يأتي من رجل واثق بأن ما يقدمه حقيقي لا يشبه إلا نفسه… كان زهواً بالكتابة لا المرض.

صحيفة الأخبار اللبنانية


developed by Nour Habib & Mahran Omairy