
هل أخفق المخرج المسرحي والنجم الدرامي ماهر صليبي في عرضه (بروفة يوم الحساب) ؟ هل كان عليه التريث قليلاً في معالجة المادة المسرحية التي كتبها فارس الذهبي كي تبقى في الذاكرة الثقافية السورية أمدا طويلاً؟ ثم هل تمكن المحتوى فعلاً من أخذ الجمهور من داخل الصالة إلى داخل الخشبة؟
هذه الأسئلة يمكن أن تطرح على المخرج النجم ماهر صليبي من خلال بودكاست إذاعي أو تلفزيوني، أو من خلال حوار مع الجمهور، ولكنها جديرة الآن بأن تناقش من خلال ما شاهدناه على الخشبة التي أثارت انتباه الجمهور السوري بعد صقيعها الطويل !
الذي حصل أن مشروعاً مسرحياً بهذه الأهمية، ويتعلق برؤية كاملة لقضية (العدالة الانتقالية)، عالج القضية بطريقة فذة إلا أنه افتقد أبسط الاحتياجات الفنية ليستكمل شروط العرض، لتغطية الضعف الحاصل في صوت الممثلتين.
وبالطبع أنا أكتب هذا الرأي من زاوية أني جلست مع كاتبين آخرين، في الصف قبل الأخير من مسرح الحمراء، وتابعنا المسرحية بصعوبة، إلى الدرجة التي تصاعد فيها الهمس من الجالسين في الخلف بأن الصوت لايصلهم!
كان يمكن لهذا الخلل ان يتم تجاوزه ببساطة بالتخفيف من المونولوج الداخلي، ومن دون أنهاك الممثلتين المبدعتين يارا صبري وروبين عيسى في تقديم مونولوج كامل لكل منهما ، حيث استغرقتا أكثر من أربعين دقيقة من العرض قبل أن تتحرك الخشبة باستيقاط الشخصية الثالثة التي أداها بمهنية عالية الفنان جابر جوخدار.
عانت الفنانة يارا صبري من ضعف صوتها الذي بدا عاجزا عن إيصال أفكار الشخصية إلى آخر الصالة، كذلك لمس الجمهور بحة واضحة في صوت روبين وكأنها تبذل جهدا كبيرا على هذا الصعيد أضر بحبالها الصوتية.
استكملت يارا وروبين دورهما بنجاح، فنقلت يارا معاناة المرأة السورية خلال الحرب بلهجة التأتأة، وماوصلنا منها أمتعنا في تطابقه مع الحركة وردود الفعل، ونقلت روبين قوة الشخصية التي تؤديها بصبر وجعلت الجمهور يكسر صمته بالتصفيق وهي تستعيد لعنة الاغتصاب، وبحركة تليق بأدائها وبتجاربها السابقة.
أما الفنان جابر جوخدار، فقد أثبت أنه الممثل الأقدر على الصبر، فقد جلس مقيدا طيلة الدقائق الأربعين الأولى، كأنه دمية ، إلى الدرجة التي كان يمكن لمشاهد أن يجهل من هو لو لم يستيقظ فيما بعد، ويحرك الخشبة، ويوقظ الجمهور الذي بدأ يتململ من الحوار الطويل للشخصيتين.
بدأ الجمهور مع بداية حركة الفنان جابر جوخدار وكأنه يتهيأ لمعرفة ما الذي سينتج عن يوم الحساب. أدى الدور بقوة، وبحركية مؤثرة على الخشبة وهو يلعب دور الجلاد!
ثم لم نجد أبدا استكمالا فنيا لاحتياجات النص من موسيقا تتناغم مع التفاصيل والمنعطفات التي أحدثها النص، وبقي الديكور والاضاءة يؤديان دورهما من دون أن يصرخا أننا بحاجة إلى مؤثرات .
لكن التجربة على غاية الأهمية في محتواها وفي زمن عرضها وفي جرأتها، هي فكرة نحتاج جميعا للحديث حولها، فكيف ستحاسب الضحية الجلاد، ثم لماذا هنّ الأمهات اللواتي سيتصدرن المشهد، وفي ضعفهن ما يجعلهن عاجزات عن إصدار الحكم القوي العادل.
الجلاد في تجربة (بروفة يوم الحساب) هو رمز لآلة قمعية واسعة وكبيرة مسؤولة عن تهشيم إنسانية المجتمع برمته، وشكل محاسبته هي الطريقة الوحيدة التي ستؤكد للمجتمع السوري أنه خرج من المأساة إلى المستقبل .
وإذا كان من الضروري للمسرح أن يفعل فعله، فإن على العدالة الانتقالية أن تسارع إلى تغيير قوانين السجن والتحقيق فورا في االمجتمع، لا لأن الشعب لايعرف ما الذي حصل في فترة حكم النظام البائد بل لأن الشعب ينبغي أن يثق بأن الغد لن يحمل أحداثا شبيهة .
ولا أخفيكم أنني سألت بعض من سجنوا بعد سقوط النظام البائد عن حال السجن وأدواته، فسمعت أكثر من نقطة إيجابية تتعلق بظروف الاعتقال الجديد لأي متهم وخاصة أن الحديث يجري الآن عن ادوات العدالة الانتقالية.
السؤال الكبير الذي تطرحه المسرحية يتعلق بهذا الموضوع إذ كيف ستحاسب العدالة الانتقالية جلادي النظام البائد، هل ستحاسبهم بقوة (العدالة) نفسها، أي بقوة القانون والحزم في تطبيقه، أم بقوة (الانتقام) ، واستمرار تهشيم الانسان السوري من الداخل ؟
في حقيقة الأمر، قالت المسرحية مالم يقله أحد من قبل ، قالت إن نصفنا يخاف من الجلاد حتى الآن، فرهاب المرحلة البائدة لم ينته بعد، كثير منا لايصدق أنه سقط، لذلك يداور وهو يحكي عن رغبته في المحاسبة، أما النصف الآخر فيخاف أن تكون المحاسبة مفتاحا لطائفية تأكل الأخضر واليابس ، لكن كشف شخصية الجلاد لعبت دورا في إنقاذ الموقف عندما فضجت القمع كوسيلة في التعامل مع الناس تمكن منهم إلى درجة السيطرة على سلوكهم بعد سقوطه، وهنا لا أحد مسؤول إلا الشعب نفسه الذييثبت معايير جديدة للعصر الجدي الذي يبني المستقبل.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



