فن و ثقافة

مسلسل المملكة الأخيرة : التاريخ بين التفاصيل والفكرة المركزية

مسلسل المملكة الأخيرة : التاريخ بين التفاصيل والفكرة المركزية… بات استخدام الدراما التلفزيونية لترسيخ الأفكار التاريخية أسلوباً معتمداً خاصة وأن جدواها في التأثير على المتلقى صارت مؤكدة. وبذلك استطاعت جهات عديدة عالمياً من استثمار هذا الجنس الثقافي الشعبي المؤثر( الدراما التلفزيونية) في تعميق هويتها الوطنية الجامعة، وفي نشر تجربتها في صنع تاريخها.

و كان اللجوء إلى ترسيخ ( الأفكار التاريخية) بدلاً من مصاعب الالتزام في رواية التاريخ وتفاصيله طريقة سلسة في صناعة وبناء وجدان المتلقى على فكرة تاريخية تفسر وتبرر وتضيئ الهوية الوطنية كإنجاز إنساني في بلد محدد والقوميه معروفة. وكان المسلسل البريطاني (المملكة الأخيرة) نموذجاً لهذا النوع من الدراما التلفزيونية المبتكرة و الموظفة توظيفاً مفيداً عبر متعة روائية سمعية بصرية !
‏مسلسل المملكة الأخيرة الذي أنتجته قناة بي بي سي الثانية و يبث على منصات التدفق الرقمي العالمية مؤلف من خمسة مواسم كل موسم 10 حلقات، وأحداثه تروي كيفية تطور العلاقات بين الممالك وهي تتصارع أو تتحالف حتى وصلت إلى ما يعرف اليوم باسم (إنجلترا) أي أن هذه الدراما تقدم (الفكرة التاريخية) التي يطرحها ملك ( ويسكس ) حول ضرورة توحيد الممالك وصولاً إلى إنجلترا الواحدة والتي لم يستطع إنجازها بنفسه لكنه أسس لمن بعده ليقوم بالمهمة الملك ( أثلستان) حفيده. إذاً الفكرة التاريخية هي توحيد الممالك الصغيرة لتصبح إنجلترا الواحدة القوية في وجه غزوات الطامعين من الفايكنج الوثنيين الدنماركيين.
‏بنيت دراما المسلسل على روايات( برنارد‏ كرونويل) المعنونة بـ ( قصص السكسون)، و  تمحور الصراع الدرامي حول الشخصية الأساسية (أوتريد) الفارس الذي قتل والده ملك بيبانبورج على يد الملك الدنماركي (روغنوس ) فسرق عمه الملك منه و تركه ليقع بيد راغنوس الذي أحبه  ورباه ودربه ليكون فارساً شجاعاً مقدماً. وهكذا فإنه ( أوتريد) المسيحي المولد والمتعمد على يد الكاهن تربى عند الوثنيين الدنماركي من الفايكنغ الغزاة فصار خلطة من المسيحية والوثنية. والأهم انه صار الفارس المحارب الذي سيقود المعارك دفاعا عن ويسكس ومرسيا  و  و  و  ألخ   سعياً ‫ ‫لإستعادة ملكه  في بيبانبورغ .وفي هذا السياق يقسم للملك الفرد أن يقاتل معه  وهو صاحب فكرة واستراتيجية توحيد المماليك للوصول إلى المملكة الاخيرة إنجلترا. وهكذا فإن السياق الدرامي للمسلسل مبني حول محوريه شخصية

( أوتريد) وأساس الصراع فيه سياسي يدور حول استعادة ملك بيبانبورغ  وحول الدفاع عن ممالك وسكس ومرسيا . . . ألخ  ضد الغزاة الدنماركيين الوثنيين الفايكنج . وهكذا فإن السياسة من طرف تتبى المسيحية وتدافع عن الله ويسوع ومن طرف آخر الدنماركيين من الوثنيين الفايكنج يدافعون عن الالهة فتختلط السياسة بالدين. وفي سياق التطور هناك حب وزواج وقسوة وظلم وأقدار مؤلمة وأمراض قاهرة ومعارك شرسة، و  و   و    و. أي أن الصراع السياسي الديني على السلطة مبني على تجارب شخصية حياتية فيها حب وزواج وفراق وغدر وخيانة. الأمر الذي يخلق جاذبية تشويقية من الصراع الدرامي في إيصاله للفكرة التاريخية.
‏من أهم مميزات المسلسل، بعد بناء الشخصيات وهندسة السياق الدرامي، هو الحوار الذي جاء ملائماً لطبيعة وبنية كل شخصية وبما يتناسب مع الموقف والحالة الدرامية المعبر عنها. وبناء على ذلك. فقد قام العمل على حوارات بسيطة معبرة وغاية في العمق لو جمعت لكانت مجموعة مفاهيم سياسية عن العمل السياسي وفن الحكم وحكمة الحرب وبناء الممالك. الحوار كان في هذا العمل مميزاً لأنه حافظ على درامية دوره في الصراع وقدم فلسفة سياسية عميقة بأسلوب بسيط.
‏مسلسل ( المملكة الاخيرة) تجربة درامية في مدى قدرة هذا الجنس الثقافي الفني على تقديم متعة فنية مفعمه بمحتوى يكسب معانيه الثقافية بإتقان وجاذبية ، ويرسل رسالة سياسية كان يرددها بطل السلسلة (أوتريد) في تعليقه على الأحداث بأن ( القدر هو كل شيء) هل كان القدر هو ما وحد الممالك؟؟ أم أن القدر هو ما تمثله في الملك ( الفرد) وأفكاره؟؟ أم أن القدرهو شجاعة وإقدام وحنكة البطل ( اوتريد)؟؟ أم أن المطلوب هو الاقتناع أن وحدة إنجلترا قدر محتوم. ألم نقل انه مسلسل عن ( الفكرة تاريخية).

بوابة الشرق الاوسط الجديدة


developed by Nour Habib & Mahran Omairy