معضلة الديموقراطية في مجتمعات أهليّة (وليد نويهض)

 

وليد نويهض

 

يشهد العالم العربي حالات صعود للحركات الاسلامية، بدأت تتشكل وتتمظهر في أحزاب وهيئات ومنظّمات تجمع ما بين الاعتدال والتطرّف. هذا النهوض ليس جديداً كذلك ليس غريباً. فالتديّن ظاهرة طبيعيّة إذا وضعت في سياق تاريخي يقرأ الوقائع بوصفها تمثّل تلك الصور التي تعكس ما هو موجود في المجتمع. ومظاهر التديّن في السلوك الاجتماعي اليومي أو في الملابس أو حتى في الخطاب السياسي والتعامل الفردي مع العصر وأدواته الحديثة تشكّل في مجموعها تلك المادّة الخام التي تحتاج إلى تفكيك وتحليل وإعادة تركيب لتكون الصورة متقاربة مع الواقع.
العالم العربي الآن يعيش لحظات تحوّل فوضوية، هي في النهاية نتاج مرحلة انتقاليّة تجمع ما بين انهيار فترة الاستبداد ونمو طور المشاركة الذي تتمظهر في خريطته السياسيّة حالات من الصور المشوّشة التي تعكس ما هو موجود في ميادين أرض الواقع من تشكيلات أيديولوجية متنافرة تترابط في شبكة من العلاقات المعاصرة، يلتقي في وسطها المجتمع المدني ويتناحر مع الاجتماع الأهلي. وهذا الترابط اللاتاريخي هو تاريخي في معنى التعبير عن مستوى التطوّر الذي وصلت إليه المجتمعات العربية المتخالفة في نموّها من المحيط إلى الخليج. فالأمّة أحياناً، كما يرى أليكس دوتوكفيل، تمرّ في عهود «تتغيّر فيها عادات الشعب المألوفة، وتنهار الأخلاق العامّة، وتتزلزل العقائد الدينيّة». (الديموقراطية في أميركا، ص 292).
المسألة ليست «مؤامرة كونيّة» مدبّرة ومقرّرة من الخارج وليست أيضاً خطوة نهائيّة غير قابلة للتعديل والتطوير والتجاوز. المشكلة في سياقها العام مشتركة، وإيجاد الحلول لتعقيداتها لا يقتصر على الحداثي ولا الإسلامي، لأن الأزمة تتخطى الأحزاب السياسيّة وحلّها أيضاً لا ينحصر بوجود برامج ومخططات للتنمية والتحديث. المشكلة اجتماعية ـ تاريخيّة وهي تحتاج إلى رؤية لا تختزل المسألة في عنوان واحد. فالكلام عن أنّ «الديموقراطية هي الحل» لا يختلف كثيراً في المعنى التاريخي ودلالته الاجتماعيّة عن شعار «الإسلام هو الحل»، لأن السؤال سيبقى يتحرّك في مجال أين الحل في الإسلام، وأين الحل في الديموقراطيّة.
في دراسته عن «الظواهر القبلية والجهوية في المجتمع العربي المعاصر»، يرى محمد نجيب بو طالب «أن النزعة القبلية عوّضت القبيلة كبنية فاعلة ومؤثرة، بفعل عوامل التغيّر الاجتماعي والسياسي. لذلك فإن هذه النزعة آخذة في الاشتغال جزئياً، وبخاصة خلال فترات التأزم الاجتماعي». فالقبيلة تظهر «وتتخفّى في التنظيمات المدنية والاجتماعية، وتأخذ أحياناً ألواناً «حداثية»، فتظهر في المدينة والريف، كما تظهر في الحقل وفي الجامعة». وما يزيد من تأجيج الوضع «عدم قدرة المجتمع المدني على تحقيق عملية إدماج المواطنين جميعاً في نسيجه وهياكله». لذلك يلحظ بو طالب في تحليله للثورتين التونسية والليبية أن النزعة القبلية «تنقلنا من القبيلة، بوصفها تنظيماً اجتماعياً ماضوياً، إلى سلوك وعقلية يخصبان الذاكرة الجماعية والجهوية في آن واحد».(المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، الطبعة الأولى 2012، ص 164-165).
هذا أمر القبيلة ـ المنطقة في تونس وليبيا. وعن «أزمة اليمن» يقرأ عادل مجاهد الشرجي التحولات في سياق ضعف الدولة «وعجزها عن القيام بوظيفتها في تنظيم الأسواق ومحاربة الفساد» ما أدى إلى جعل الأسواق «محصورة في إطار القوى الاجتماعية التقليدية التي تتمتع بقوة اجتماعية كبيرة، فتحول عدد من شيوخ القبائل إلى أصحاب مشروعات وتجار ومقاولين».وعن مفهوم الدولة الفاشلة يرى عبد الوهاب الأفندي في تحليله للحال السودانية وجود مشكلة بنيوية «بسبب وجود كتل اجتماعية وجهوية تتمتّع باستقلال ذاتي ولا تخضع لسلطان الدولة، وتمتلك قدرة على إضعافها إما بالتمرّد المسلّح أو رفض الانصياع أو بالاختراق، أو بهذه الأساليب مجتمعة».ويقرأ فالح عبد الجبار أزمة الاندماج والهويّة في الدولة العراقية الحديثة (العام1921) انطلاقاً من وراثة نظام الملل والنحل عن المرحلة السلطانية العثمانية، وبهذا المعنى التاريخي الانتقالي المضطرب، كانت القيم الدينية، والقيم الاجتماعية «ميّالة إلى الانغلاق والمفاضلة والتفريق، لا إلى الانفتاح والمساواة والتوحيد».كذلك يربط يوسف مكي ضعف الدولة العربية بالبنية الاجتماعية للجماعات الأهلية والاقتصاد الريعي الذي تنعدم فيه المؤسسات المدنية، وتصبح القبيلة وسيطاً بين المجتمع والدولة، ما يؤدي إلى أن «يرث الناس انتماءاتهم القبلية والطبقية من العائلة، وفيها يتعلمون القيم والأصول التي ترتبط بها. وبسبب هذه العلاقة يصبح الحراك الاجتماعي العمودي أمراً غاية في الصعوبة». (إسم الكتاب مجموعة مؤلفين، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، الطبعة الأولى 2011).
تفتح هذه المشاهد باب الاجتهاد وإعادة القراءة حتى لا تسقط الاستنتاجات في فرضيات تتوهم خيالات قد لا تكون متطابقة مع حركة الواقع وما يتفرّع عنه من معطيات تستحقّ التوقّف عندها ودراستها بهدف استخلاص مفاهيم يمكن أن تساعد على تجاوز الحاضر واحتواء مطباته السياسية. فالمفاهيم لا تختلق من الأوهام المجبولة بالتوتر العصبوي وإنّما تنتج من قراءة خريطة الواقع وتلك الشبكة الأهلية التي تتقاطع في وسطها وأطرافها الأفقيّة والعموديّة مجموعة خيوط يتداخل فيها الجديد والقديم، الحديث والتقليدي، المدني والأهلي.
هذا التشابك بين التعارضات المدنية والأهلية هو نتاج تعانق لا تاريخي فرضته شروط التطوّر الموضوعي في عالم يعاصر مرحلة انتقاليّة تجتمع في وسطها عوامل مركّبة من عناصر ليس بالضرورة أن تكون منسجمة، لكّنها على الأقل تمتلك الحدّ الأدنى من التوافق على تمثيل فترة مؤقّتة تطغى عليها الفوضى (الهدّامة/ البنّاءة) لتعيد تشكيل صورة أخرى لن تكون أيضاً مخالفة لشروط الواقع. فالواقع الراهن تعرّض لهزّات سياسيّة لأنّه أساساً قام على تطوّر اجتماعي مشوّه. وهذا التشوّه أنتج نتوءات سياسية لا بدّ من الاعتراف بوجودها حتى يمكن لاحقاً فهم خصوصيّتها وصولاً إلى التحكّم بآلياتها والسيطرة عليها نظريّاً.
عدم الاعتراف بالواقع وإنكار حيثيّاته وتجاهل أسبابه ومبرراته والعوامل التي صنعته، كلّها خطوات لا تلّبي الحاجة إلى رؤية تمتلك القدرة على التمييز بين ما هو قائم وما يجب أن يكون. وحين تتراجع آليات إدراك القوانين التي تتحكّم بالمتغيرات، تبدأ الوظيفة السياسيّة لفهم الواقع بالانحطاط لتقع أيضًا في مصيدة الأوهام وتنمو قراءة مضادّة غير سليمة وغير متوازنة تكون على نسق ذلك التطوّر الاجتماعي المشوّه.
هناك معضلة بنيويّة تفرض شروطها على السياسة،وتتمثّل في قدرة العلاقات التقليدية (القديمة والمتوارثة) على التكيّف مع المتغيرات والتأقلم مع الهياكل الإدارية المعاصرة لتستمد قوّتها من ضعف الاقتصاد الإنتاجي وقوة الاقتصاد الريعي الذي يسهّل للقبيلة أو المجموعات الأهلية (الأقوامية أو الطائفية) التسلل إلى الدولة وإعادة دمج وظائفها في إطار خراجي بعيد عن مفهوم المواطنة والمؤسسات.

الأهلي، المدني، السياسي… والدولة

هذا الضعف البنيوي ليس بالضرورة ظاهرة عربيّة تقتصر سلبيّاتها على أمّة واحدة. فالتاريخ يشهد على تنوّع هذه الظاهرة في الكثير من البلدان والشعوب، وهي في النهاية تحتاج إلى وقت لتجاوزها. والوقت لا يعني الانتظار وترك الأمور تتداعى لتأخذ الظاهرة موقعها الثابت في معادلة النمو والتقدّم.
الضعف البنيوي المذكور تمّ مراجعته وإعادة قراءة ملفّاته على مستويات مختلفة من السياسة والقانون، الطبيعة والجغرافيا، الاجتماع والاقتصاد وغيرها من عوامل مرئيّة أو قابلة للظهور.لنأخذ ثلاث قراءات للمسألة: الأولى خرجت في القرن الرابع عشر حين تحدّث ابن خلدون عن الانسان المدني وحاجته إلى الاجتماع (العمران)، الثانية في القرن التاسع عشر حين عقد اليكس دوتوكفيل تلك المقارنة القانونيّة ـ السياسيّة بين الديموقراطيات الثلاث في عصره (أميركا، بريطانيا، وفرنسا) واستخلص معادلات تؤشّر إلى فروق بينها، والثالثة خرجت في القرن العشرين حين بدأ أنطونيو غرامشي يسجّل ملاحظاته في دفاتر السجن ويحفر في طبيعة أبنية الدولة وصلتها بالجماعة والنخبة في فضاءات السياسة والاقتصاد والكنيسة.
ابن خلدون تحدّث عن العصبيّة والدين والدولة، لكنّه لم يهمل الاجتماع في إطاريه المكاني والزماني، المناخي والمعيشي وصلته بالتحوّل في لحظة الصعود وثمّ لحظة الهبوط. وفي كلّ الحالات اكتشف في مقدّمته أن الزمن لا يتوقّف عن التغيير، والإنسان بحاجة دائماً إلى اجتماع مدني حتّى تتحقّق الدولة لأنها في الأخير هي غاية العمران. ابن خلدون يرى أنّ «الإنسان مدني بالطبع، أي لا بدّ له من الاجتماع الذي هو المدنيّة في اصطلاحهم وهو معنى العمران». والاجتماع العضوي يتأسّس على «اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريباً منها»، لأن «المغالبة والممانعة إنّما تكون بالعصبية لما فيها من النعرة والتذامر واستماتة كلّ واحد منهم دون صاحبه»، لكنّها (العصبيّة) عرضة للتلاشي والاضمحلال في تعاقب الأجيال. وهنا يأتي دور الدين. فالدعوة تحتاج إلى عصبيّة (شوكة) لحمايتها في المرحلة الأولى لكنّها تلعب لاحقاً دور القوّة التوحيديّة ودمج العصبيات في اعتبار «أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبيّة وتفرد الوجهة إلى الحق». لكن الدولة المركّبة من عصبيات يوحدها الدين لها أعمار طبيعيّة وهي تتطوّر وتنمو نحو الشيخوخة و «الدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال». أي تبدأ من «التزايد إلى سن الوقوف ثمّ إلى سن الرجوع». والشيخوخة ليست السبب الوحيد الذي يكفي للانهيار والتفكك وإنّما «خراب العمران» يحتاج إلى الظلم و «العدوان على الناس» حتى تختل الدولة وتفسد الديار. والدولة التي تنحلّ عراها في كل طور تحتاج إلى مدخل للعبور نحو الفساد والخراب. والمدخل إلى الخراب يعبِر من قناتين: العصبيّة (شوكة العصبيّة الكبرى التي تجمع العصائب) والمال (قوام الأحوال والمُلك). فالهرم طبيعي في الدولة لأنّه من «الأمراض المزمنة» التي لا دواء لها. والهرم إذا ضرب الدولة يصعب بعدها الارتفاع ما يفتح الطريق للتعديل والتغيير. فالدولة في «أوّل أمرها لا بدّ لها من الرفق» وبعد «انقضاء الجيلين» تبدأ «أواخر الدولة ويكون فيها الإجحاف بالرعايا»، ما يتطلّب تشكّل قوة مضادة تقود عمليّة التحوّل التاريخي. (المقدّمة، ص 27، 68، 81، 83، 89، 144، 148، 152، 153).
قرأ دو توكفيل المسألة من منظار مختلف. أعطى الجغرافيا والمناخ والقوانين وتكوين الجماعات والدين أدوارها المتفاوتة نسبياً في تشكيل الدولة وانقسامها الأهلي. دوتوكفيل تعامل عنصريّاً مع سكان أميركا الأصليين حين دعا إلى استخدام القوة في تفكيك ظاهرة الهنود الحمر، وهو في ذلك لا يرى في الأمر تناقضاً مع الديموقراطيّة لأنها دعوة «لإجبارهم أن يعيشوا» وبرأيه أن «الاستبداد نعمة عليهم». (الديموقراطية في أميركا، ص278).
لم يلحظ دو توكفيل التعارض في قراءة مسألة واحدة، لأن أميركا برأيه «أمة حديثة»، خاضت «تجربة انشاء المجتمع على أساس جديد» وأخذت بإعادة تشكيل الدولة الجديدة في فضاءات مختلفة عن أوروبا القديمة في العادات والقوانين والجغرافيا والدين (المنظمات والتيارات المتديّنة). وعلى هذه القواعد يشرح دوتوكفيل البناء الهيكلي للولايات المتحدة ليؤكّد أهمّية حصول متغيّرات في «القوانين والعادات والأخلاق» حتى تكون الديموقراطية مفيدة. فالديموقراطيّة مسألة تاريخيّة تراكميّة ولا تسقط على المجتمع دفعة واحدة، وهي تحتاج إلى ملحقات حتى يكون نصيبها النجاح.
يشير دوتوكفيل أيضاً إلى أهميّة الدين في أميركا، بوصفه «الطريق إلى المعرفة والعلم»، لأن الدين يخضع الأنسان إلى تمرين «لملكات الإنسان وقدراته»، لكنّ روح الدين وروح الحرّية في فرنسا «تسيران في اتّجاهين متضادين» في حين أنهما في أميركا «متّحدين». أن القوانين تلعب دورها في تأسيس الأحوال الاجتماعيّة، كذلك يخضع مبدأ سيادة الشعب للتغيير والتطوّر، وهذا ما ينصّ عليه الدستور الأميركي الذي يصفه بالمعقد، لأنه «يتكوّن من نظامين اجتماعيين متمايزين ومتّصلين معاً» يجمع بين السلطة المحليّة، وبين سلطة تدير مصالح الدولة العليا. فالدستور يعتمد على نزعة مزدوجة تجمع ما بين تركيز السلطة التشريعيّة وتوزيع السلطة التنفيذيّة، فالولاية في أميركا تحكم «لكنّها لا تنفذ القوانين».(الديموقراطية في أميركا، ص 8، 49، 52، 55، 69، 70، 83، و95).
يرى دوتوكفيل بعض التعارض في الثورة الفرنسيّة تجلى في حافزين، الأوّل ملائم للحرّية والآخر للاستبداد، مشيراً إلى الفارق في التعامل مع الدساتير في انكلترا وفرنسا وأميركا. ففي انكلترا يتغيّر الدستور باستمرار (لأن البرلمان يجمع بين السلطتين التشريعيّة والتأسيسيّة) بينما في فرنسا وأميركا لا يتعدّل الدستور، لأنّه «كلٌّ منفصل قائم بذاته»، فهو يمثّل إرادة الشعب ويتعدّل بإرادته بوصفه «الوسيلة الوحيدة التي تملكها السلطة الغالبة». كذلك «الدستور الفدرالي لا يهدف إلى هدم استقلال الولايات، بل يهدف إلى ضبطه»، كذلك الرئيس لا يعدو «أن يكون موظّفاً كبيراً منتخباً»، فهو «لا يمارس سلطته إلا في دائرة سيادة جزئيّة»، كذلك هو حائز على امتيازات «لكن لا فرصة عنده لممارستها». (الديمقراطية في أميركا، ص 112، 117، 139، 141، 146، 147).
لا يستبعد دوتوكفيل وجود مثالب في النظام الانتخابي، لأنّه مثلاً يخلق «نوعاً من عدم الاستقرار في سياسة الدولة الداخليّة والخارجيّة»، ويرى أنّ مساحة الدولة وحجمها وكثافتها السكّانيّة تلعب دورها كعوامل مضافة تؤثر في التكوين السياسي للجماعة الأهلية. فالنظام الاستبدادي أشدّ فتكاً لو قام في دولة صغيرة، و«لكن الجمهوريّة الكبيرة تتعرّض لأخطار أكثر من الجمهوريّة الصغيرة»، كذلك يتحدّث عن عيوب النظام الفيدرالي (سيادتان تقومان جنباً إلى جنب، الضعف النسبي للحكومة الاتّحاديّة، واحتمال تصادم السيادتين). وفي السياق نفسه لا يختلف موقفه في موضوع الأحزاب فهي «شرّ لا بد منه في الحكومات الحرّة»، كذلك الصحافة الحرّة، وأيضاً طغيان الغالبيّة.الأحزاب برأيه لا تمثّل الأغلبيّة بالضرورة، إلا أن الديموقراطية على رغم سلبيّاتها وثغراتها تبقى ضرورة للتعايش ووسيلة للتطوّر، فهي توقظ الشهوة «إلى المساواة» لكن الواقع (مؤسّسات الديموقراطية) لا ترضي دائماً تلك الشهوة. كذلك الانتخابات في ظروف معيّنة قد تؤدّي إلى «سوء اختيار الديمقراطيّة لرجالها»، مع ذلك تبقى هي الخيار المفضّل قياساً بغيرها من أنظمة الحكم «فهي تنتج أكثر جداً مما تتلف»، لأنها «تعاون على زيادة موارد الدولة الداخليّة، وتوزّع الثروة، ووسائل الراحة، وتشجّع الروح العامة، وتعمل على زيادة احترام الناس للقوانين». هناك مخاطر ناجمة أساساً من ضعف الخبرة وقلّة التدريب على مسألة التعامل العقلاني مع الحرّية والحقوق، فهي تشبه موقف الطفل، حين يبدأ بالتعرّف على الحياة ومبدأ الطبيعة، وعندما يكبر يبدأ بالتعلّم والتمييز ويأخذ بإدارة حياته وترتيبها لتكون منسجمة مع تعقيدات الواقع وتشابكاته.
حذّر دوتوكفيل مراراً من «تزايد استبداد الأغلبيّة وطغيانها المستمر»، لكنّه آنذاك كان يتحدّث عن الولايات المتحدة في النصف الأول من القرن التاسع عشر ويقارنها بالديموقراطيّة في فرنسا وانكلترا. فحذر من أكثريّة الأفراد (المواطن والمواطنة) وليس من غالبيّة طائفة أو عرق أو منطقة أو عصبية، كما هو حاصل في المنطقة العربيّة. الموضوع إذاً يختلف عن مادّة الموضوع الذي تطرّق إليه ابن خلدون في مقدّمته. والاختلاف سواء على مستويات التجربة أو المكان أو الزمان أو على مستويات الاجتماع الأهلي والتطوّر التاريخي والتكوين الديني السكاني، لا يعني بالضرورة تجاهل التحذير الذي أطلقه دو توكفيل بشأن الافراط في التفاؤل عن مزايا الديموقراطية. فالتحذير يشجّع على استقراء الواقع العربي واكتشاف آلياته الخاصة (تكاثر العصبيات الأهلية) في التعامل مع صورة مخالفة في ذاكرتها وماضيها وموروثاتها.
في زمن آخر، وسياق مغاير، يقرأ أنطونيو غرامشي (1891ـ 1937) نشوء «المجتمع المدني» في فضاء تاريخي وضمن شروط اجتماعية ـ اقتصادية متوالية، وبرأيه «انّ تقسيم السلطات وكل النقاش الذي جرى في سبيل تحقيقه، والمبادئ القانونيّة التي وجدت ببروزه، كل هذا كان نتيجة الصراع الذي دار بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي في فترة تاريخية معيّنة كان التوازن الطبقي فيها يشكو من بعض عدم الاستقرار الناشئ عن الارتباط الشديد لبعض قطاعات المثقّفين (…) بالطبقات الحاكمة القديمة». (الأمير الحديث، ص 128).
غرامشي (الماركسي ـ اللينيني) يضع «المجتمع المدني» في إطار تقليدي يقع خارج «المجتمع السياسي». فالدولة بوصفها دوائر ومؤسسات وأجهزة هي القوة القائدة للتحوّل، بينما الدين يمثّل في أجزاء منه بعض أطياف المجتمع المدني المتجسّد في هيكل الكنيسة. ولهذا حين تتحالف الكنيسة والدولة تتشكّل حالات من المصالحة بين المجتمعين المدني (الهيئات الأهلية) والسياسي (الأحزاب والمنظمات المعاصرة)، أي تتحقق «وحدة الدولة» كما يراها غرامشي، وهي عموماً لا تحصل إلا في إطار «تمايز السلطات». والسبب برأيه يعود إلى إن «البرلمان أكثر ارتباطاً بالمجتمع المدني» بينما «السلطة القضائيّة تقع بين الحكومة وبين البرلمان، وتمثل استمراريّة القانون المدوّن». والسلطات الثلاث (البرلمان، القضاء، الحكومة) تلعب بدرجات مختلفة دور أدوات للهيمنة السياسية. (الأمير الحديث، ص 129).
لهذه الأسباب أعطى غرامشي أهمية خاصّة للسياسة ووضعها أحياناً في مقدّمة القوّة القائدة للتحوّل، مغلباً إياها في محطّات كثيرة على نمط الاقتصاد. فالحزب السياسي برأيه هو «الأمير الحديث» الذي يطمح لتأسيس دولة جديدة من خلال تشكيل صلة مفارقة تربط بنى تحتيّة متوارثة (الأمير) وبنى فوقية متوالدة (الحديث).
على أساس هذا التزاوج (التوازن) الذي يطلق غرامشي عليه «تزاوجات منطقيّة» تجمع ما بين القومي والأممي، السياسة الداخليّة والسياسة الخارجية، أو الحاكم والمحكوم، تتركب الشروط التاريخية ـ الاجتماعية لقيام الدولة بوصفها قوّة مهيمنة (مدرعة بالعنف) تلعب مجموعة أدوار وتنفّذ وظائف مختلفة. وهذه المهمّات لا تستطيع الدولة تحقيقها إلا بعد أن تطلب الطاعة (الخضوع لها) وتحصل عليها، ثم تقوم بعد ذلك بتهذيب شروط الطاعة بواسطة «المنظّمات السياسية والنقابيّة التي هي هيئات خاصة». فالطبيعة المزدوجة للتطوّر تفرض شروطها على السياسة والاقتصاد وتساهم في إعادة انتاج مزدوجات تجمع التعارضات في إطار توافقي يتعامل مع الواقع الراهن بصفته مرحلة موقّتة وعرضة للتغيّر في حال توافر ظروف مختلفة. فالخاص (هيئات المجتمع المدني) بتحالفه مع العام (مؤسّسات الدولة) يتشكّل منهما ذلك الوعاء الذي يربط بين المدني (الأهلي بحسب مفهوم هيغل) والسياسي (الأجهزة القانونية، والبوليسيّة والاجتماعية وغيرها) الذي يطلق عليه تسمية دولة. والدولة هذه تنهض وتتحرّك ضمن فضاء مستقل (وظيفة مستقلّة للبنى الفوقيّة)، لا بوصفها سلطة دستورية ولا بوصفها قوة خالصة مهيمنة بل لكونها صيغة تسوية تاريخيّة (مصالحة) تلعب دور رافعة الرقي والتقدّم من خلال «دمج المجتمع المدني بالمجتمع السياسي». وهذه الصيغة تعطي قوّة دفع إلى الأمام لأنّها تتجاوب مع طبيعة التطوّر المزدوج الذي يجمع في آن بين القديم (الأهلي) والجديد (السياسي). (الأمير الحديث، ص 132، 133، 137).
ثلاث قراءات تعاملت مع الواقع بمنظار مختلف، لكنّه يتقاطع على أرضيّة استقراء منظومة علاقات متغايرة في أزمنة وأمكنة متخالفة. حتى الديموقراطيّة عند دوتوكفيل ليست واحدة في التطبيق في اعتبار أن الدستور يشكّل تلك القنوات القانونيّة التي تستخدم للتشريع وإعادة إنتاج عادات وسلوكيّات فردية تترك تأثيرها لاحقاً على الاجتماع الأهلي ومنظومة العلاقات التي تتحكّم أو تدير «المجتمع المدني». كذلك مفهوم المجتمع المدني لم يستقر على تعريف نهائي لأصوله ومعطياته ودوره. فالمفهوم يتبدّل دائماً ويخضع للتحديث والتعديل وذلك بحسب القياس الذي يتمّ التعامل معه. وهذا ما يفسّر اختلاف وجهات النظر عند تناول موضوعات الدولة وهياكلها وشروط نموّها وتقدّمها.

 

صحيفة السفير اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى