من حق الأسد أن يموت في سوريا ولكن (فاروق يوسف)

فاروق يوسف

 

ورث الأسد الابن الحكم والأعداء والأصدقاء عن الأسد الأب. المراوحة في المكان صارت سياسة، طالما ظل ذلك المكان آمنا. لكنه اليوم يواجه الحرب المؤجلة التي كان هدفها إسقاط أبيه. ومعها صار المكان الآمن جحيما.

عام 2000 يوم تسلم بشار الأسد مقاليد الحكم في سوريا كان عمره 35 سنة. اي أن الرجل لم يبلغ الآن الخمسين من عمره بعد. لذلك يدعو حديثه عن الموت إلى الكآبة. غير أن رجلا تحيق به العواصف من كل جانب مثلما هو حال الأسد لابد أن يفكر بالموت. لقد تحدث في أوقات سابقة عن المؤامرة المحلية والعربية والعالمية. شيء مما قاله كان صحيحا. لم يرث بشار عن أبيه سوريا وحدها، بل وأيضا مشكلاتها مع العالم الخارجي. كان للأسد الأب مزاجه السياسي الصامت. كان يحب ويكره واقعا تحت تأثير تربيته العسكرية الصارمة. دهاؤه السياسي لم يعكر صفو اخلاصه لانضباطه العسكري. لذلك لم يتنكر لإصدقائه مثلما لم يتودد لأعدائه. حرص دائما على أن يراوح في مكانه. في ذلك المكان الذي كان يظنه آمنا. بطيئة كانت ردود أفعاله إلى درجة مزعجة. روى هنري كيسنجر (أحد وزراء خارجية الولايات المتحدة السابقين) عن لقائه بالأسد أنه ظل يتكلم فيما كان الأسد صامتا. وحين انتهى اللقاء لم يقل الأسد سوى كلمة "مع السلامة".
كان للأسد الأب أصدقاؤه الثابتون وأعداؤه الذين لم يتغيروا.
ولأن حافظ الأسد قد صنع مؤسسة راسخة للحكم طبعها بمزاجه الشخصي، فان تلك المؤسسة ظلت وفية للميزان الذي اخترعه بنفسه. ذهب الاسد الأب، جاء الأسد الأبن. المعادلة لم تتغير. لم يكن في إمكان بشار أن يستميل هوى أعداء أبيه ولا أن يستعطف رضاهم. كانت الولايات المتحدة قد رحبت به رئيسا، بالرغم من أن الوراثة تخالف الاعراف الديمقراطية التي صارت الولايات المتحدة تذهب من أجلها إلى الحرب. غير أن ذلك الاستهلال الترحيبي لم يكن له أي تأثير لافت داخل مؤسسة الحكم السورية. هناك في سوريا عقيدة صامتة، لا يمكنها أن تقبل بأميركا صديقا. طالما أن أميركا لم تغير مواقفها من قضايا الشرق الأوسط وفي مقدمتها قضية فلسطين. ومن الناحية الشخصية فان بشار الأسد لم يعر مسألة الرضا الأميركي عنه أي أعتبار يُذكر. كانت عيناه مصوبتين في اتجاه روسيا والصين بشكل أساس.
هل كان الرهان على الأسد الابن خاسرا بالنسبة للغرب؟
أشك في ذلك.
ما من حرب مع اسرائيل من أجل استعادة الجولان. موقف الأسد الأب تبناه الأسد الإبن ببرودة أعصاب. الا يكفي ذلك لطمئنة الغرب؟ الدولة العبرية من جهتها لم يفاجئها الموقف السوري. هي تعرف أكثر من سواها أن سوريا في ظل حكم عائلة الأسد لا يمكن أن تهدر فرصتها في الحكم من خلال موقف استعراضي، هو أقرب إلى الانتحار منه إلى ابتكار صيغة جديدة للعيش. من وجهة نظر القيادة السورية فان كل شيء سيكون هادئا على الجبهات في انتظار معطيات سياسية جديدة، يكون التطبيع العادل أساسا لها. لذلك ظل الخطاب السياسي السوري حريصا على ثوابته. الأرض مقابل السلام. هناك أرض محتلة وهناك محتلون وهناك من يدعمون ذلك الاحتلال. لم يكن بشار مولعا في أختراع أعداء جدد له ولسوريا. كان لديه من الأعداء التاريخيين ما يكفيه. لقد تحول العداء من الأب إلى الأبن. ظلت سوريا في مكانها. ما كان مطلوبا من الأب ولم ينفذه صار بالنسبة للإبن بمثابة مزحة ثقيلة. كانت خطابات الأسد الإبن لا ترد على أسئلة أعداء أبيه. كانت ثقته وهو يسخر منهم لافتة. ومن المؤسف أن تلك الخطابات قد أعمت أعين كارهي نظامه من العرب، الذين كانوا يقفون على أحر من الجمر في انتظار رنين الجرس الذي سيلحقه بمن سبقوه من الحكام العرب الذين حلت نهايتهم مع بشائر الربيع العربي. بالرغم من أن بشار الأسد لم يكن جزءا من المشهد، إلا باعتباره وريثا لأبيه. فكانت الحرب التي أعلنت عليه بمثابة حرب مؤجلة، كان هدفها اسقاط أبيه الذي ذهب إلى الموت مكرها.
الآن يبدو الأسد الأبن لا يفكر في شيء بقدر ما يفكر في حقه في أن يموت في سوريا، بلده التاريخي. وهو حقه باعتباره مواطنا سوريا. ولكن ذلك الحق الذي تضمنته جملة قالها الأسد في آخر لقاء تلفزيوني أجري معه تعني أنه سيقاتل حتى الموت. هذا يعني أن أبواب جهنم ستظل مفتوحة أمام السوريين، في ظل توازن القوى بين الحكومة ومعارضيها وهو توازن تمليه على الواقع معادلة خارجية يفرضها أعداء الأسد من جهة ومن جهة أخرى أصدقاؤه.

ميدل ايست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى