غير مصنف

نتنحى جانباً كي تمر أنت أيها الشاعر

محمد الحمامصي

 

يواصل المترجمان العراقيان الشاعر عبدالكريم كاصد والناقد د.جمال حيدر ترجمة الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر اليوناني الشهير يـانيــس ريـتــسـوس، حيث صدر أخيرا المجلد الرابع الذي يحمل ثلاث مجموعات شعرية “المنزل الميت” التي صدرت عام 1959 وتعتبر واحدة من أكثر مجموعات ريتسوس حزنا وألما، حيث يستعرض فيها القدر الذي دفع بعائلته إلى الخراب، ومجموعة “أحادية الوتر” التي اكتملت في صيف 1979 ورأت النور عام 1980 وهي عبارة عن ومضات تكشف عن شغف الشاعر بفلسفة الحياة وتشعباتها العميقة، وأخيرا مجموعة “ظلال الطيور” وكتبت عام 1980 وصدرت عام 2007 ضمن مجموعة قصائد المجلد الرابع عشر، والظلال في المجموعة تعود حينا إلى الشاعر، وإلى الطيور حينا آخر.

ترك ريتسوس أكثر من 100 مجموعة شعرية، إضافة إلى إصدارات عدة في الترجمة والمسرح والرواية والدراسات وأدب الرحلات، كما أصدر كتابًا خاصًا ضمّ رسومه وتخطيطاته وأعمال الحفر على الحجر والخشب. وقد أوضح المترجمان أنهما في هذا المجلد الرابع يقدمان تجربته الشعرية للوصول إلى مستوى الجهد الكبير الذي قدّمه، والأمل الكبير الذي ظل يرافقه في كل مفارق حياته. وقالا “اعتمدنا في الترجمة اللغة اليونانية أساسًا ومررنا على التراجم المتوافرة لتلك المجموعات باللغتين الإنكليزية والفرنسية في محاولة للوصول إلى نصّ يكشف عوالم قصائد ريتسوس المفعمة بالدلالات والرموز الظاهرة والخافية المتخمة بالألم الانسانيّ. تلك القصائد التي غدت أغانيَ ترددها حناجر العمال في المصانع والطلبة في المعاهد والجامعات، وأسهمت في إيقاع خطى جموع المسيرات الشعبية والتظاهرات، بعد أن لحنها الموسيقار الذائع الصيت ميكيس ثيوذراكيس، باعتبارها رافدًا معنويًا ضد القمع والإرهاب والسجون والجور والفاقة”.

في مقدمتهما للمجلد الرابع الصادر عن مؤسسة أروقة للترجمة والدراسات والنشر كشف المترجمان عن الجانب الأكثر تأثيرا على تجربة ريتسوس “إثر إكماله الثانوية في غيثيون سنة 1925. قدم ريتسوس إلی العاصمة أثينا لمواصلة دراسته، انطلق علی غرار الكثير من الذين هاجروا إلی مناف ذاتية. صبيّ في السادسة عشرة من عمره، مثقلٌ بحاضر قاسٍ ومستقبل مرهون بقبول عمل في مدينة تموج بالتغيرات. إنها الأزمنة العصيبة: دمار آسيا الصغری وتدفق مليون ونصف المليون من اللاجئين منها ليشكلوا حزامًا عريضًا من البؤس والفقر يطوق أطراف العاصمة، عاش ريتسوس ألوان القهر والمذلة في مدينة كاسرة لا تعرف الرحمة، لامس القسوة والاستغلال خلال الأعمال البسيطة التي مارسها: كاتب علی الاَلة الطابعة في أحد المكاتب القضائية، موظف في المصرف الوطنيّ، مساعد أمين مكتبة نقابة المحامين، وفي المساء ينسخ شهادات الأعضاء الجدد.

في شتاء 1929 يتلقی الضربة الأولى بعد أن يدركه مرض السلّ الذي اختطف شقيقه ووالدته، ويظل فترة زمنية طويلة من رواد المصحات والمستشفيات ودور العزل. ضياع فادح وعتمة حالكة تلف أعوام الصبا، وقائمة طويلة من الانكسارات الذاتية، غير أن الشعر يأتي كفعل للخلاص، وتوازن دقيق يقيم جداره أمام زحف اليأس والقلق والاضطراب.

وأضافا “بعد أيام من صدور مجموعة “أغنية أختي” سنة 1937 كتب كوستيس بالاماس “1859 ـ 1943” أحد أهم أعمدة الشعر اليوناني الحديث، تحية للشاعر، كانت بمثابة اعتراف بالارتجافة الجديدة التي مسّت الشعر اليوناني؛ مؤكدًا أن الشعر وللمرة الأولى يكتسب هذه الطاقة الإيقاعية بعنفوانه: “نتنحى جانبًا، كي تمر أنت، أيها الشاعر” أعوام الرعب تزحف إلى مفاصل الحياة اليونانية، الاحتلال الألماني، مجاعة شتاء 41 ـ 1942. أمضی ريتسوس تلك الأعوام محطمًا تحت وطأة المرض الذي اشتد عليه، مقيمًا في غرفة تحت الأرض في حي شعبيّ بأثينا. المرض العضال جاءه ثانية ليدخل عالم المصحات من جديد.

يتعرض للاعتقال سنة 1945 ويساق إلى معسكر “كوندوبولي” في جزيرة “ليمنوس” تتواصل الرحلة لتصل إلى معسكرات “إيكارياس” و”إيوس ستراتوس” في جزيرتي “يورا” و”ليمنوس” بغرض تحويله عبر رحلات عذاب نفسية وجسدية إلی مواطن صالح! ولم يكن ذلك سوی مرحلة أولی في مسلسل طويل من الرعب والتعذيب، وينتهي به الأمر إلی جزيرة “ماكرونيسوس” حيث مؤسسة “إعادة التثقيف الوطني”. تتواءم “ماكرونيسوس” في الذاكرة مع الجحيم؛ حيث القتل والمجازر البشعة وأعمال السخرة والاغتيالات والمحاضرات الإجبارية والتجويع المتواصل. تمتدّ الجزيرة كمعسكر صحراويّ معزول. آلاف الخيم المهترئة محاطة بالإسلاك الشائكة، يتكدس فيها المعتقلون باعتبارهم رهائن مجانية لدی قوات الأمن الخاصة التي تعتمد إجراءات قاسية تعجّل من استسلام المعتقل وإجباره علی توقيع وثيقة “البراءة” وإعلان التوبة واستنكار المواقف والأفكار التي تبناها كثمن للخلاص.

يصف ريتسوس في أحد حواراته الأحداث المأساوية التي لامست حياته بأنها منحت كتاباته الشعرية مذاقًا خاصًا، وكمًا غريبًا من الإدراك والصبر والمناعة، إذ يقول: “أنا مدين لتلك المغامرات التي صلبت عودي، كلّ القمع والتعذيب والضغوط دفعتني إلی محاربة الطغيان والوقوف في مواجهته، ورسَّخت إحساسًا كامنًا في داخلي بالتصدي وعدم الرضوخ والانهيار. أحرقوا كتبي وكان ذكر اسمي يُعدّ جريمة يطالها القانون. غير أن تضامن الناس الصامت كان يأتيني عبر كلّ المسافات والحرس ونقاط التفتيش وجدران المعتقلات. كنت أحس باللهاث الدافیء لصداقتهم، وأتيقن أنّ قصائدي تأتي من هؤلاء الذين أدين لهم بكل شيء وهم غير مدينين لي بشيء (..) أنا مدين بالجميل أحيانًا حتی لخصومي، لأعدائي. فهم من خلال نفيي واعتقالي، جعلوني أعيش الكثير من القضايا التي لم أكن أفهمها ولم تستطع مخيلتي أن تلتقطها. في هذا المجال أنا مدين لهم بالكثير، فتحت تأثير بعض الضغوط والقهر تنمو في أنفسنا قوی رهيبة، هي موجودة فينا أصلًا، لكننا لم نكن نشعر بها من قبل. أحسست بقوى في داخلي تنمو، وكنت أعتقد أنها غير موجودة (…) لقد خرجت من أحلك الظلمات، خرجت حيًا من الأمراض، ومن جلسات التعذيب، يمكنني القول بأنني خرجت من أغوار الموت”.

لم يتمكن ريتسوس خلال الفترة الممتدة من سنة 1952 ولغاية أعوام أخری مقبلة، من نشر أعماله؛ نتيجة قرار السلطات العسكرية الحاكمة آنذاك من حظر أعماله، غير أنه حاول تنمية مواهبه الإبداعية، مسخرًا فترة الحظر للمضيّ صوب دواخله وطرق مواضيع ذاتية؛ كخطوة جريئة أولی للرجوع إلی معاناة الآخرين ابتداءً منه.

مثلت الفترة الزمنية الممتدة بين الأعوام 1953 ـ 1967 مرحلة إنتاج ضخمة نشر خلالها ريتسوس ثماني وعشرين مجموعة شعرية، بالإضافة إلی ثلاثة مجلدات لقصائد تعود إلی الفترة 1930 ـ 1960 وتسعة مجلدات لبعض ترجماته. في عام 1956 ينال ريتسوس الاعتراف به وتنال مجموعته “سوناتا ضوء القمر” الجائزة الهيلينية الوطنية الكبری، تطلق السلطات العسكرية مجبرة سراحه إثر حملة تضامن واسعة بتحريض من أراغون، وضمّت أشهر المثقفين: مورياك، موروا، جينو، سولير، ساروت، وسوير، بالإضافة إلی دعوات مماثلة من مجلس الفنون في بريطانيا، ومهرجان سبولتيو، ومهرجانات تضامنية أخری في إيطاليا وألمانيا ودول إسكندنافية.

تضع أعوام العذاب خاتمتها الأولی.. أربعة عقود متواصلة من الحرمان والويلات والتنقل بين المعتقلات ومعسكرات النفي في ظل أنظمة تقف بالضد من كلّ أشكال الإبداع والفكر. لم يحتمِ ريتسوس خلف حجج الظروف القاسية التي تعرَّض لها؛ فقد واصل الكتابة مكتشفًا عمق الرحلة التي قطعتها بلاده في الفترات الزمنية العصيبة التي مست تاريخها؛ مما دفع ملتقی “كنوكلازوت” في بلجيكا إلى منحه الجائزة العالمية للشعر سنة 1972، التي سبق منحها إلی أونغاريتي وسان جون بيرس وأوكتافيو باث.

في سنة 1974 منح جائزة جورجي ديمتروف العالمية للشعر من بلغاريا، كما منح من جديد سنة 1975 جائزة الفريد دي فيني الفرنسية. وفي العام ذاته منحته جامعة سالونيكي شهادة الدكتوراه الفخرية. وجاء في تقرير منحه هذه الشهادة الإشادة بنضاله وكفاحه وصموده علی مدی أربعين عامًا متواصلة من أجل حرية بلاده واستقلالها وإشاعة العدالة الاجتماعية. ونحت إيطاليا أيضًا المنحی ذاته، بعد أن منحت الشاعر سنة 1976 جائزة الشعر العالمية. وحاز جائزة لينين سنة 1977، ورافقه إلی موسكو الشاعر أراغون، وحين أهداه ريتسوس قطعًا من الأحجار التي رسم عليها خلال فترات اعتقاله، قال أراغون: “لقد أعطاني ريتسوس خمسة أحجار، وفي نيتي أن أهدي هذه الأحجار، بعد موتي، إلی متحف اللوفر. فمن الحجارة التي تدوسها أقدامنا يصنع ريتسوس روائع مذهلة”.

رشح ريتسوس مراتٍ عدة لجائزة نوبل للآداب بشكل رسمي ابتداءً من عام 1980، لكنه لم ينلها، بسبب انتمائه اليساري في أزمنة الاستقطاب السياسيّ والفكريّ الحاد بين القطبين، وحين نالها الشاعر التشيلي بابلو نيرودا عام 1971 قال: “أعلم تمامًا أن ذلك الإغريقي ريتسوس يستحقها أكثر مني”.

قصائد من مجموعة ظلال الطيور

 

1

عصفورٌ مرّ

اجتاز سقفَ شقةٍ

إحدى قدميه نظيفةٌ

الأخرى ملطخةٌ بالوحل

ها ها.. ردّد: يا له من عالمٍ جميل

مليءٌ بالمفارقات.

 

2

الصبيّةُ

ناثرةُ الزهور

تلتقطُ وريقاتِ الياسمين

من إبر الصنوبر الخضراء

واحدةً تلو الأخرى

أتعرف كم أنّ نثْر الزهور

سيبقى إلى الأبد

من أجلنا نحن الاثنين.

 

3

حقيبةُ ظهر

معلقة على شجرةٍ

بحثتُ في داخلها

ما من خبزٍ أو ريش

علقتها على ظهري

لم يأتِ الصياد

طائرٌ

حطّ على كتفي

كلّمني:

إن رفرفتَ بجناحيك

سآخذك إليه.

 

4

أسمعُ أرنبًا

يقضم أوراقًا

عيناه تلتمعان

ليلًا –

حين عثرتُ عليه

صار صديقًا.

 

5

مساء

في غرفةٍ خاويةٍ

جزمة العمل

تقف إحدى فرديتها باستقامةٍ

والأخرى مائلة

عن أيِّ رغبةٍ تعبران؟

وأيِّ غدٍ؟

حين تكون فردةٌ منتصبةً

والأخرى مائلةً.

 

6

حمل

ورقةَ شجرةٍ بين أسنانه

النهر غنّى

السحليةُ تطلعتْ

أنصتُّ مليًّا

إلى تنفسّ الأفق

لم أستطع الكشفَ عنه.

 

7

عاملُ الإسمنت، النجار، البنّاء

يعملون تحت لهيب الشمس

المنزلُ يرتفع

من الصلصال –

صمموا

تمثالَ الطائر

لم يكنْ ينقرُ العشب

أو يطير بعيدًا

ومع ذلك أنشد الأغاني ذاتها.

 

8

رأيت ظلَّ الطائر

ولم أرَ الطائر

فهو في كياني

رفيـ…، ردّدَ

رفيق، أكملت

قال لي:

نحن شبيهان.

 

9

سألتَ المياه

سألتَ السلحفاة

وكنتَ تعرف

أنهما لن يجيبا عن سؤالك

لأنهما كانا الجواب.

 

10

سطلُ الماء القذر

المرآة في المصعد

مظلةٌ

قطراتُ دمٍ على الرخام

أسماكٌ كثيرةٌ منزوعةُ الأحشاء

الكلماتُ لم ينطقوها

ميدل إيست أونلاين


developed by Nour Habib & Mahran Omairy