
حين تصبح المعايير… مسألة زاوية نظر… حين يُذكر مصطلح نظرية النسبية، يتجه الذهن مباشرة إلى الفيزياء وألبرت أينشتاين، غير أن النسبية، خارج المختبرات والمعادلات، تكاد تكون القانون غير المعلن الذي يحكم تفاصيل الحياة البشرية بكل تناقضاتها. فالحياة، شأنها شأن الزمن، لا تُقاس بوحدة واحدة، ولا تُدار بمعيار ثابت، بل تخضع لاختلاف الزوايا، وتبدّل المواقع، وتغيّر السياقات.
في عالم البشر، لا وجود لمفهوم مطلق للعدل أو الظلم، ولا للنجاح أو الفشل، ولا حتى للكفاءة أو الاستحقاق. فكما يختلف الإحساس بالوقت بين من ينتظر ومن ينجز، يختلف الإحساس بالقيمة بين من يُقيَّم ومن يُقيِّم. ما يُعد إنجازًا لجهة ما، قد يبدو عبئًا أو خطأ فادحًا في نظر جهة أخرى. وهنا تبدأ النسبية في لعب دورها الأعمق.
توزيع الثروة، والمكانة، والفرص، ليس عملية حسابية باردة، بل عملية نسبية بامتياز. فالمال لا يُمنح دائمًا للأكفأ، كما أن المواقع المؤثرة لا تُسند بالضرورة للأجدر. هناك من يمتلك المؤهلات والخبرة، ويبقى خارج المشهد، بينما يتقدم آخرون بخطى واثقة، مدعومين بشبكات علاقات، أو تقاطعات مصالح، أو انسجامات فكرية وعقائدية، تجعل وجودهم “أكثر ملاءمة” من غيرهم.
في الظاهر، تُرفع شعارات الكفاءة والجدارة، لكن في العمق تعمل قوانين أخرى بصمت: الولاء، القرب، الانتماء، والقدرة على التماهي مع الخط السائد.
لا يُطلب من الشخص دائمًا أن يكون الأفضل، بل أن يكون “الأنسب” ضمن المعادلة القائمة. وهنا تصبح الكفاءة مفهومًا نسبيًا، يُعاد تعريفه بحسب الحاجة، لا بحسب المعيار الموضوعي.
الحظ، في هذا السياق، لا يبدو عشوائيًا تمامًا. فهو ليس مجرد صدفة، بل نتيجة تلاقي الشخص مع اللحظة، والمكان، والجهة الصحيحة. شخصان قد يمتلكان المؤهلات نفسها، لكن أحدهما يجد نفسه في التوقيت المناسب، ضمن الدائرة المناسبة، بينما يبقى الآخر خارج الإطار، ليس لنقص فيه، بل لاختلاف موقعه من شبكة النفوذ. وهكذا، يُصنَّف الأول “ناجحًا”، ويُوصَف الثاني بأنه “لم يُحسن استثمار الفرص”.
أما الصحة النفسية والاجتماعية، فهي من أكثر ضحايا هذا النظام النسبي. فحين يُدفع أشخاص إلى مواقع لا تناسب قدراتهم الحقيقية، أو حين يُقصى آخرون رغم أهليتهم، تتولد حالة عامة من الإحباط، وفقدان الثقة، والشعور بعدم العدالة. ليس لأن الجميع يطمح إلى السلطة، بل لأن الإحساس بانكسار الميزان يطال حتى من هم خارج المنافسة.
وفي المقابل، ليس كل من يتبوأ موقعًا مؤثرًا يعيش حالة اطمئنان. فالمكانة التي لا تقوم على الاستحقاق الكامل غالبًا ما تُرافقها هشاشة داخلية، وخوف دائم من التبدل، وقلق من انكشاف الفجوة بين الموقع والقدرة. وهنا تتجلى نسبية القوة ذاتها: فقد يبدو الشخص قويًا في موقعه، لكنه أضعف مما يظهر، محكوم بتوازنات لا يملك التحكم بها.
حتى الذكاء، في هذا المشهد، لم يعد مفهومًا واحدًا. فليس الذكاء الأكاديمي وحده ما يفتح الأبواب، بل ذكاء التكيف، وذكاء التموضع، وذكاء قراءة المزاج العام. وقد يتقدم من يُجيد الصمت في اللحظة المناسبة، أو من يُحسن ترديد الخطاب المطلوب، على من يملك رؤية نقدية أو قدرة تحليلية أعمق، لكنها لا تنسجم مع الاتجاه السائد.
في المحصلة، لا يوجد إنسان يعيش حياة مكتملة من دون أثمان. من يصل إلى القمة، يدفع ثمنًا ما، ومن يُقصى عن المشهد، يدفع ثمنًا آخر. الهموم لا تختفي، بل تتبدل أشكالها. والقلق لا يزول، بل يغيّر موقعه. كل إنسان يحمل نصيبه من التناقض، وإن اختلفت ملامحه الخارجية.
وهنا تتجلى حقيقة لا مفر منها: الكمال في الحياة البشرية وهم، والعدالة المطلقة فكرة نظرية أكثر منها ممارسة واقعية. فالعالم لا يُدار دائمًا بمنطق ما يجب أن يكون، بل بمنطق ما هو ممكن ومتاح. وبين هذا وذاك، يعيش الإنسان محاولًا التوازن بين ما يستحقه وما يحصل عليه.
إن فهم نظرية النسبية في الحياة البشرية لا يعني الاستسلام، بل الفهم. الفهم الذي يخفف من حدة المقارنة، ويكسر وهم النموذج الواحد، ويفتح المجال لنقد هادئ، ذكي، لا يصرخ، بل يُلمّح. ففي عالم تحكمه الاصطفافات والولاءات، تبقى القدرة على الرؤية من خارج الزاوية الضيقة شكلًا من أشكال الوعي، وربما… شكلًا من أشكال الحرية.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



