أجزاء من تاريخ أناس خاضوا معارك التقدم والعلمنة واليسار «أرق الروح» ليمنى العيد.. عمق مفتوح (نديم جرجورة)

نديم جرجوره

 

حدث هذا في عامي الدراسيّ الجامعيّ الأول (1984 ـ 1985) في «قسم اللغة العربية وآدابها (الفرع الثاني)» في «الجامعة اللبنانية». هناك مادة خاصّة بالنقد الأدبي، طلب أستاذها (موريس أبو ناضر) من الطلاّب قراءة «في معرفة النصّ» ليمنى العيد، من بين كتب أخرى مخصّصة للمادة نفسها. كان العامان الدراسيّان الأولاّن في القسم نفسه، اللذان تابعتهما بشغف قبل توقّفي النهائي عن الدراسة، أفضل ما حصل معي في تلك الفترة. القاضي غالب غانم، أستاذ مادة «الفقة الإسلاميّ»، جعلني أقرأ «أين الخطأ؟» لعبدالله العلايلي بمتعة، كما عرّفني على كتابات صبحي الصالح. هذا أفضل ما يُمكن أن يحدث في زمن الحرب الأهلية، والانغلاق الطائفي، والتقوقع الجغرافي. هذا أجمل مدخل إلى دراسة الأدب العربي، وإن شاب الدراسة خلل كبير، تمثّل في غالبية المواد الأخرى، وفي طريقة تدريس معظم الأساتذة اللامبالين.
منذ تلك اللحظة، جذبني نصّها النقدي. في الدراسة الجامعية، اكتفيتُ بعناوين قليلة وأسماء أقلّ. بأساتذة مفيدين، كانوا قلّة. بالمكتبة، وببعض كتبها. تلك فترة جميلة. اللقاء الأول بنص نقدي ليمنى العيد فتح باباً واسعاً أمامي. فتح باباً لمعرفة سجالية، ولنقد قابل للنقاش. لم أدرك، يومها، أن لقائي بها قريبٌ. الرغبة في الذهاب إلى «ما وراء الحدود» المنصوبة بين البيروتين، دافعٌ قوي لكسر شيء من جلافة العزلة. كانت «السفير» قبلاً، بدءاً من العام 1983. بفضلها، حدث لقائي الأول بيمنى العيد، بعد حين. أخبرتُها أن «في معرفة النصّ» معينٌ لي. إنه مفتاح لقراءة كتب أخرى، ومقالات عدّة. استهواني نقدها للرواية. منذ تلك الفترة، ألمّ بي هوس قراءة الروايات، وإيجاد «معادلات» نقدية للقراءات المتنوّعة، أعثر على شيء منها في كتابات يمنى العيد.
دفعني «أرق الروح» (دار الآداب)، كتابها الجديد، إلى استعادة جزء من تكويني الثقافي. مقتطفات من سيرتها الذاتية دعوة إلى ماض يكاد يندثر كلّياً، فوَجَب إعادة صوغه لحمايته من الموت. كأني، بقراءتي تلك المقتطفات، أذهب إلى مُلهمة لي لأكتشف شيئاً من حكايتها الخاصّة. أغوص مجدّداً في لحظة من بدايات تفتّح وعيي المعرفيّ، بغوصي في حكاية فتاة واجهت زمناً، وامرأة تحدّت مصاعب عصر وتقاليد، وعاشقة فُتنَت بالمختلف، وزوجة كسرت طوق الذكورية المتحكّمة ببيئة ومجتمع وأفراد، ومناضلة يسارية ساهمت في تأسيس جامعة وطنية (عشتُ انهيارها الطائفيّ أثناء الحرب الأهلية)، وناقدة بدت متمتّعة بتفكيك النصوص، وببلورة مفاهيم تحليل خطاباتها الفنية والدرامية، وباكتشاف فضاءاتها الإنسانية والمعرفية. في «أرق الروح»، أجزاء من تاريخ بلد لم يفكّ قيده الطائفيّ، ولم يذهب إلى المواطنة الحقّة. أجزاء من تاريخ أناس خاضوا معارك التقدّم والانفتاح والعصرنة والعلمانية واليسارية، في أزمنة القمع والتخلّف والعزلات الخانقة. نصّ ذاتيّ مكتوب بقلق باحثة لا تملّ عن معاينة كل جديد ومختلف، من دون أن تقطع مع كل قديم، وبعضه متجدّد. نصّ ذاتيّ كشف حميميات قليلة من العالم «الجوانيّ» لكاتبته.
سلاسة الكتابة وبساطتها الشكلية تحملان حكايات عميقة المعنى. عُمقٌ مفتوح على حكاية بلد مُشبع بانهياراته وجراحاته وأهوال عيشه في التناقضات. لكن النصّ الذاتيّ بدا كأنه مكتوبٌ من وحي الراهن اللبناني أيضاً. التشابه فظيع بين أحداث الأمس واليوم: في الفعل الطائفي. في الفساد. في السلطة الذكورية. في واقع المرأة داخل عائلتها، وفي مجتمعها وبيئتها. في إلغاء مؤسّسات الدولة. في تحطيم الجامعة اللبنانية والمدرسة الرسمية كـ«حيّز وطني جامع». في إلغاء الوجود الإنساني للفقراء والمهمَّشين. في معاني الحروب المتكرّرة. الكتاب مرآة زمن وصورة امرأة. حكاية أدب ونضال سياسي وعواصف سلم آيل إلى حرب أهلية، وجنون حرب أهلية آيلة إلى سلم منقوص وهشّ. قصّة أنثى جعلت الكلمة طريقاً إلى المعرفة، والمعرفة أداة مواجهة، والمواجهة فعل تغيير.
«أرق الروح» مقتطفات من سيرة ذاتية. البوح الحميميّ متواضع. التفاصيل مفتوحة على بعض الخاص، وعلى وفرة العام أيضاً.

صحيفة السفير اللبنانية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى