تحليلات سياسيةسلايد

أزمات متراكمة صنعها النظام تضع ايران على حافة الانفجار

محمد الهادي الحيدري

إيران عند مفترق حاسم: اما إصلاح جذري يُعيد الاعتبار للإنسان الايراني، أو إنكار وقمع يقودان لانفجار اجتماعي خارج السيطرة.

 

عادت إيران إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي مع اندلاع موجة احتجاجات جديدة، انطلقت شرارتها من الانهيار المتسارع لقيمة الريال الإيراني وما رافقه من ارتفاع جنوني في الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، قبل أن تتمدد سريعًا إلى الجامعات وقطاعات اجتماعية أخرى، في مشهد يوحي بأن كرة الغضب الشعبي بدأت تتدحرج بلا كوابح، ومرشحة للاتساع كالنار في الهشيم.

هذه الاحتجاجات، وإن كان سببها اجتماعي اقتصادي، إلا أنها في جوهرها تعبير تراكمي عن أزمة بنيوية عميقة، صنعتها عقود من السياسات الخاطئة وإهدار المال العام، خصوصًا عبر التدخلات الخارجية وتمويل وتسليح الأذرع والوكلاء، إما لزعزعة استقرار دول المنطقة أو لتصدير الثورة الإسلامية، فيما تُرك الداخل الإيراني فريسة للفقر والبطالة وسوء الخدمات وانهاك مالي واجتماعي جعل الغليان الشعبي يتراكم تحت رماد أزمات مكتومة.

وتكشف الاحتجاجات الأخيرة في إيران عن تحوّل نوعي في المزاج الشعبي، عنوانه الأبرز كسر حاجز الخوف الذي شكّل لعقود السلاح الأهم بيد السلطة في مواجهة الشارع، فجرأة المحتجين اليوم لا تنبع فقط من الغضب الآني على تدهور الأوضاع المعيشية، بل من شعور عميق ومتراكم بأنهم وصلوا إلى نقطة اللاعودة، وأن آلة القمع التي طالما رهبت الإيرانيين فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الردع.

الإيرانيون الذين خرجوا إلى الشوارع، وخصوصًا في الجامعات ومراكز المدن، يدركون جيدًا كلفة المواجهة مع النظام، لكنهم في المقابل باتوا مقتنعين بأن الصمت لم يعد خيارًا، وأن الخسارة تحققت سلفًا عبر عقود من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لا تهدأ.

وهذا الوعي الجديد يقوم على قناعة راسخة مفادها أن ما يُنتزع بالخوف لا يُستعاد إلا بكسره، فمن جيل إلى آخر، راكم الإيرانيون تجارب مريرة مع القمع والاعتقالات وسقوط القتلى، من احتجاجات 2009 إلى انتفاضات الخبز والوقود، وصولًا إلى احتجاجات ما بعد مقتل الفتاة من أصل كردي مهسا أميني في مركز شرطة الأخلاق.

ومع كل جولة احتجاجات كان النظام ينجح في إخمادها بالقوة، لكنه كان يفشل في معالجة جذور الأزمة. اليوم، يبدو أن الشارع استخلص الدرس الأخير: لا شيء يُخشى فقدانه بعد أن فُقدت الكرامة، واستُنزفت القدرة على الاحتمال، وتحوّل المستقبل إلى وعد مؤجل بلا أفق.

لذلك، تحمل الاحتجاجات الراهنة بعدًا وجوديًا يتجاوز المطالب الاقتصادية المباشرة. إنها صرخة مجتمع قرر الخروج من صمته المكتوم منذ عقود، واضعًا السلطة أمام معادلة صفرية: إما عيش بكرامة يفرض على النظام تغييرًا حقيقيًا في السياسات والبنية، أو انفجار شامل لا يستثني أحدًا.

جرأة المحتجين أصبحت اليوم مؤشرًا على تحوّل خطير وعميق، لا يمكن احتواؤه بالأساليب القديمة، ويعكس انتقال الخوف من الشارع إلى أروقة الحكم.

وتعيش إيران حاليا إحدى أسوأ لحظاتها منذ قيام الجمهورية الإسلامية، فإلى جانب الاختناق الاقتصادي، تواجه طهران حالة ضعف غير مسبوقة على مستوى نفوذها الإقليمي، فالضربات الإسرائيلية المتكررة التي طالت العمق الإيراني، وعمليات تصفية استهدفت علماء وقادة عسكريين بارزين، إضافة إلى الضربة القاسية التي تلقاها حزب الله، أحد أهم أذرعها، كلها عوامل أسهمت في تقويض صورة “القوة” التي طالما راهنت عليها القيادة الإيرانية لتكريس نفوذها داخليًا وخارجيًا.

في العراق، الذي شكّل لعقود ساحة نفوذ مركزية لطهران، لم يعد الحضور الإيراني بالقوة التي تسمح باستخدامه كورقة ضغط فعالة على الخصوم أو على الوجود العسكري الأميركي، فالضغوط الأميركية المتزايدة على الحكومة العراقية، إلى جانب التغيرات الداخلية في المزاج السياسي والشعبي العراقي، حدّت من هامش الحركة الإيرانية. أما سوريا، فقد خسرتها طهران فعليًا كساحة تمدد ونفوذ استراتيجي، في وقت تتراكم فيه العقوبات الغربية لتضع الاقتصاد الإيراني في مأزق حقيقي وعلى حافة الانهيار.

في مثل هذا السياق، يصبح الغضب الشعبي أمرًا طبيعيًا، إن لم يكن حتمية اجتماعية، فحين يجوع الشعب الإيراني، وتتآكل مدخراته، ويشعر بأن ثروات بلاده أُنفقت خارج حدوده بدل تحسين واقعه المعيشي، تتحول الاحتجاجات من حدث عابر إلى تعبير وجودي عن كرامة مهدورة ومستقبل مسدود.

وتكمن علة إيران في نخبها الحاكمة وفي بنية النظام نفسه، الذي منح الأولوية لتغول المؤسسة العسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني. هذا الأخير لم يكتفِ بدور أمني وعسكري، بل استغل العقوبات ليبني إمبراطورية اقتصادية ضخمة، استحوذ من خلالها على الصفقات العمومية والقطاعات الحيوية، ما عمّق الفساد وكرّس اقتصادًا ريعيًا مغلقًا، يدفع ثمنه المواطن العادي.

وفي مواجهة هذا الواقع، تبدو القيادة الإيرانية بعيدة عن الحكمة المطلوبة لإدارة الأزمة، فبدل الاعتراف الكامل بالفشل، تلجأ إلى التصعيد الكلامي وإعادة إنتاج سردية المؤامرة الخارجية، وهي أسطوانة مشروخة لم تعد تقنع الشارع، ولا تحجب حجم الاحتقان الشعبي الذي يتخذ شكل كرة لهب متدحرجة.

ومع ذلك، برزت في الأيام الأخيرة إشارات لافتة من داخل السلطة نفسها، إذ أقر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان بوجود حالة استياء واضحة لدى الشعب، مؤكدًا أن الحكومة تتحمل مسؤولية المشاكل الاقتصادية الراهنة، وداعيًا المسؤولين إلى عدم تحميل أطراف خارجية، مثل الولايات المتحدة، مسؤولية الأزمة، في موقف يعكس إدراكًا رسميًا لخطورة اللحظة.

وحديث واشنطن في هذه اللحظات الدقيقة عن “ربيع فارسي” محتمل وتهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل اذا أطلق الأمن الإيراني النار على المحتجين، لم يأتِ من فراغ، فالمؤشرات الميدانية والاقتصادية والسياسية تتقاطع عند خلاصة واحدة: إذا فشلت الحكومة الإيرانية في احتواء الأزمة الراهنة، فإن البلاد قد تكون على أعتاب انتفاضة شعبية عارمة تهز أركان النظام.

 

صحيح أن طهران جربت سابقًا خيار القمع وسياسة الضرب بيد من حديد، كما حدث بعد مقتل مهسا أميني، لكنها تدرك اليوم أن تكرار السيناريو ذاته سيكون مكلفًا إلى حد بعيد، فسقوط قتلى جدد لن يؤدي إلا إلى تأجيج الاحتجاجات وتوسيع رقعتها، بدل احتوائها.

وبين اقتصاد ينهار، ونفوذ إقليمي يتراجع ونظام مأزوم يفتقد الثقة الشعبية، تبدو إيران أمام مفترق طرق حاسم. إما مراجعة جذرية للسياسات الداخلية والخارجية، تعيد الاعتبار للإنسان الإيراني واحتياجاته، أو الاستمرار في إدارة الأزمات بالإنكار والقمع، وما يحمله ذلك من مخاطر انفجار اجتماعي قد يكون هذه المرة خارج السيطرة.

ميدل إيست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى