أطماع تركيا التوسعية تزعزع الاستقرار في المتوسط

 

تكمن جذور خطوات تركيا التوسعية في المتوسط والتي تشمل عمليات تنقيب عن الغاز وخطابات متشددة وسفن حربية، في نظرية “الوطن الأزرق” التي تشمل السيطرة على مساحات مائية تعد محل توتر محتدم بين أنقرة والاتحاد الأوروبي.

وفي وقت تخشى حرمانها من حصة منصفة من ثروات المنطقة الوافرة من الغاز الطبيعي، أرسلت تركيا سفينة أبحاث وأسطولا بحريا إلى مناطق تعتبرها اليونان تابعة لها، ما تسبب بتصعيد التوتر بشكل هائل الأسبوع الماضي.

وفي مؤشر على تنامي الأهمية التي يوليها للاستقلال في مجال الطاقة، أعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الجمعة أن بلاده قامت بأكبر اكتشاف للغاز الطبيعي في البحر الأسود.

وقال وسط مجموعة من المسؤولين المؤيدين له، “فتح الله لنا باباً على موارد لم نرَ مثلها من قبل”، فيما تثير خطوات الرئيس التركي توجسا أوروبيا من تنامي خطر الانتهاكات التركية في المياه المتوسطية.

لكن الاكتشاف الجديد لم يساهم كثيرا في تخفيف رغبة تركيا بالتوسّع في البحر الأبيض المتوسط وهو أمر أكسب اردوغان نقاطا سياسية في الداخل، لكنه أثار حفيظة اليونان واستدعى تحذيرات متكررة من الاتحاد الأوروبي.

وأرسلت فرنسا المنخرطة في خلاف مع تركيا أساسا بشأن ليبيا وملفات أخرى في الشرق الأوسط، سفنها إلى المنطقة دعما لليونان، ما دفع اردوغان للتحذير من أنه سيرد على أي هجوم.

وقال اردوغان إن المسألة لا تقتصر على “القتال من أجل الحقوق (في المنطقة) فحسب بل من أجل مستقبل تركيا”.

إن مبدأ ‘الوطن الأزرق’ ليس إلا مثالا آخر على لجوء تركيا لإحداث اضطرابات سعيا لإجبار دول أخرى على تحقيق رغباتها

مبدأ ‘الوطن الأزرق

ويشير منتقدون إلى أن مبدأ “الوطن الأزرق” ليس إلا مثالا آخر على لجوء تركيا لإحداث اضطرابات سعيا لإجبار دول أخرى على تحقيق رغباتها.

لكن مسؤولين وأدميرالات سابقين في تركيا يشيرون إلى أن مطالب اليونان مبنية على مجموعة متناثرة من الجزر الصغيرة وهي غير منصفة نظرا إلى أنه لدى تركيا أراض أكبر في الجزء الشرقي من البحر.

وكان الأدميرال المتقاعد جيم غوردنيز أول من وضع النظرية واستخدم مصطلح “الوطن الأزرق” عام 2006 عندما كان رئيس الوحدة المسؤولة عن خطط وسياسات تركيا البحرية.

وتشمل نظريته أكثر من 460 ألف كلم مربع من حدود تركيا البحرية، بما في ذلك المسطحات المائية المحيطة ببعض الجزر اليونانية. واكتسبت رؤيته أهمية متزايدة بالتوازي مع ازدياد النزعة القومية في تركيا.

وقال غوردنيز إن “الوطن الأزرق رمز لـبحرنة تركيا”، أي زيادة الدور الذي يلعبه إطلالها على البحر في اقتصادها، مشيرا إلى أن مبدأه “يحاول تحديد مناطق الاختصاص البحري المحيطة بتركيا”. وأكد أن تركيا بحاجة إلى تأمين هذه المناطق من أجل رفاهيتها ودفاعها وأمنها و “حتى سعادتها”.

ورقة مساومة

وتحوّل غياب حدود بحرية متفق عليها بين تركيا واليونان أو تركيا وقبرص، إلى مشكلة أكبر بكثير مع اكتشاف احتياطات المواد الهيدروكربونية في شرق المتوسط خلال العقد الماضي.

وأشار مظفر سينيل أستاذ السياسة بجامعة ‘شهير’ في اسطنبول إلى أن “ترسيم حدود المناطق الاقتصادية الخالصة في بحر ايجه والمتوسط كان مسألة أهملتها معظم حكومات المنطقة عمدا”. ويعود ذلك برأيه إلى أنها “مسألة يصعب حلها وكلفتها السياسية باهظة”.

وأضاف أن أنقرة تستخدم “الوطن الأزرق” “كورقة مساومة”، مشيرا إلى أنها “تعلن موقفها في المفاوضات عبر عرض هذه الخريطة”. ويمكن للدول الساحلية والجزر على حد سواء المطالبة بمناطق اقتصادية خالصة.

بدورها رأت المتخصصة في القانون البحري الدولي فليسيتي أتارد، أن ذلك “يعقّد الموقف التركي اليوناني بشكل كبير خصوصا بسبب موقع الجزر والمنافسة التاريخية بين البلدين”.

وأضافت أن النزاع تفاقم جرّاء الخلاف بشأن قبرص المقسمة منذ العام 1974 بين شطر جنوبي يوناني قبرصي و”جمهورية شمال قبرص التركية” الانفصالية.

وهناك غضب على وجه الخصوص حيال إصرار اليونان على وجوب منح جزيرة كاستيلوريزو الواقعة على بعد كيلومترين عن أنطاليا ذات الحقوق التي يتمتع بها الساحل التركي بأكمله.

وضع متقلب

وتركيا معزولة في المنطقة وهو ما يعتبره الخبراء أحد الأسباب خلف الإدانات الصادرة عن اردوغان وإصراره على حقوق تركيا في وجه الدول التي توحد صفوفها ضد أنقرة.

والعام الماضي اتفقت قبرص واليونان ومصر وإسرائيل والأردن وإيطاليا والسلطة الفلسطينية على تأسيس “منتدى غاز شرق المتوسط” الذي استثنيت تركيا منه.

وأفاد مصدر دبلوماسي تركي أن تركيا واليونان عقدتا “محادثات استكشافية” بين العامين 2002 و2016 على صلة ببحر أيجه لكنها انتهت بطلب من أثينا.

وتشير تركيا إلى أن اردوغان بذل جهودا لإعادة إطلاق المحادثات مع رئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميتسوتاكيس على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة وقمة حلف شمال الأطلسي في لندن العام الماضي.

وقال مسؤول تركي، إن “اليونان لم تقبل بهذه العروض وبدلا من ذلك، استخدمت الاتحاد الأوروبي ضد تركيا. هذا خطأ”.

وفاقم اتفاق بحري وقعته تركيا مع ليبيا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي التوتر بعدما أسس لحدود بحرية قالت اليونان إنها تجاوزت جزيرتها كريت.

ووصف دبلوماسي غربي الوضع بأنه “متقلّب”، محذرا من أن “أي خطوة غير محسوبة ستحمل عواقب وخيمة”.

وأضاف في أن الرئيس التركي “براغماتي ويدرك أن طول أمد التوتر لن يكون جيدا”، مشيرا إلى خطر تسبب أي عقوبات غربية بانهيار الليرة الضعيفة أساسا.

لكن غوردنيز بدا متشبثا بمواقفه قائلا إنه حتى وإن تم فرض عقوبات و”حتى وإن كانت تركيا وحدها في هذه المعركة، فإن تركيا لن تستسلم”.

ميدل إيست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى