كتب

إدوارد سعيد يعود في زمن ما بعد «الطوفان»

مروة جردي

بعد نحو أربعة عقود على صدوره الأول، يعود «بعد السماء الأخيرة» لإدوارد سعيد في طبعة «دار الساقي» الجديدة، كاختبار حيّ لسؤال التمثيل الفلسطيني بعد «طوفان الأقصى».

 

بعد نحو أربعة عقود على صدوره الأول، يعود «بعد السماء الأخيرة» لإدوارد سعيد في طبعة «دار الساقي» الجديدة، كاختبار حيّ لسؤال التمثيل الفلسطيني بعد «طوفان الأقصى». يزاوج الكتاب نصوصاً تأملية بصور جان مور، ويرسم بانوراما ليوميّات الفلسطيني: عائلات تربي أطفالها، وجوه تعمل وتتعلّم وتحلم، فرحٌ عابر وألمٌ مقيم، حنينٌ وتيه، وبقاءٌ يتكئ على الذاكرة. لا يقدّم الفلسطيني كضحية صامتة ولا كهوية مكتملة، بل كذات تواجه السرديات المهيمنة

بعد مرور نحو أربعة عقود على صدوره للمرة الأولى، يعود كتاب «بعد السماء الأخيرة» لإدوارد سعيد (1935 ــ 2003) ليقدّم الفلسطيني مرة أخرى في زمن مرتبك، إذ تأتي إعادة تداوله وقراءته اليوم بعد مرور أكثر من عامين على «طوفان الأقصى»، وفي لحظة تتجدد فيها أسئلة التمثيل، والصورة، ومعنى الوجود الفلسطيني في الخطاب الإعلامي والسياسي العالمي.

«الساقي» تصدر طبعةً جديدة

«كيف تُروى حكاية شعب سُرقت أرضه؟» جاءت هذه العبارة على غلاف الطبعة الجديدة التي أصدرتها «دار الساقي» أخيراً لكتاب «بعد السّماء الأخيرة – حيوات فلسطينية» للكاتب والمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، (ترجمة أحمد دياب).

في هذا العمل الاستثنائيّ، وعبر عدسة المصوّر السويسري جان مور، يمزج إدوارد سعيد في نصوصه بين الكلمة والصورة ليُعيد رسم ملامح الفلسطينيين كأفراد يعيشون تفاصيل الفرح والألم، الحنين والتيه، البقاء والغياب.

يقدّم الكتاب بانوراما زاخرة بتفاصيل الحياة اليومية بين أناس يربّون أطفالهم، يتعلّمون، يحلمون، ويتشبّثون بمعنى الذات والوجود. وهكذا يمكن اعتبار «بعد السّماء الأخيرة» أكثر من شهادة عن المعاناة. إنه احتفاء بتفاصيل الحياة الفلسطينية، وبالفلسطيني كإنسان يتزوّج ويوثّق حكايته بالتطريز والقدرة المتجددة على النجاة بالذاكرة في وجه العدم.

نشرت «دار الساقي» طبعة جديدة من الكتاب الذي صدر للمرة الأولى بالإنكليزية تحت شعار «حيوات فلسطينية» عام 1986، ضمن عمل فكري ــــ تصويري تجريبي، اعتمد على النص والصور الفوتوغرافية لمور. أما الطبعة الأخيرة التي نشرت في نهاية 2025، فتأتي ترجمة عربية معاصرة تراعي الذائقة القرائية العربية، مع تقديمات توضيحية للصور والنص، وإعادة ترتيب عناصر النص والصورة بما يسهّل التفاعل مع القارئ.

لم يطرأ تغيير جوهري على محتوى النص نفسه، إلا أنّ الإصدار اللبناني يُعيد قراءة الكتاب في سياق فلسطين المعاصر، خصوصاً بعد الطوفان الأخير، ويجعل تجربة سعيد النقدية أكثر قرباً للقراء العرب، من حيث اللغة والإخراج وطبيعة التعاطي مع الصور.

شر الكتاب بطبعات وترجمات عدة منذ 1986 وحتى الآن. ويمكن القول إن الطبعة الأخيرة تعكس جهداً إعادة السياق التاريخي والسياسي للنص، مع الحفاظ على أبعاده الإنسانية والتمثيلية، مقارنة بالطبعة الأولى التي بقيت أكثر تركيزاً على الصياغة النقدية الأكاديمية.

الأرشيف المضاد وسؤال التمثيل الفلسطيني

في سياق دراسات ما بعد الكولونيالية، يمكن قراءة كتاب «بعد السماء الأخيرة» بوصفه ممارسةً واعيةً لما يُعرف بـ«الأرشيف المضاد»، أي تفكيك السردية الاستعمارية المهيمنة من داخلها بدل استبدالها بسردية جاهزة. في هذا الإطار، رأى باحثون أمثال تيموثي برينان وأعجاز أحمد أن إدوارد سعيد يعمل على كسر الثنائية الغربية التي اختزلت الفلسطيني طويلاً بين صورتين نمطيتين، هما «اللاجئ الأبدي» أو «الإرهابي الغائب عن الحداثة».

في كتابه، لا يقدم سعيد الفلسطيني كضحية صامتة، بل كذات مفكرة تعيش تناقضاتها اليومية. بهذا المعنى، يشتغل الكتاب على تفكيك فكرة الفلسطيني كحالة استثنائية خارج التاريخ، وهي فكرة مركزية في الخطاب الكولونيالي، عبر إعادة إدخال الفلسطيني إلى الزمن الإنساني العادي بكل هشاشته وتعقيداته.

يتعزّز هذا التفكيك عبر العلاقة المركّبة بين النص والصورة في تعاون سعيد مع المصوّر جان مور. علاقة توقفت عندها دراسات بصرية عدة، من بينها أعمال أرييلا أزولاي، التي نبّهت إلى تاريخ الكاميرا بوصفها أداة سيطرة استعمارية. في هذا الكتاب، لا تعمل الصورة على شرح النص أو تزيينه، بل قد تناقضه أحياناً لتجبر القارئ على التخلي عن القراءة الشفقيّة الاستشراقية، في ما يمكن تسميته تعطيلاً للاستهلاك الأخلاقي للصورة.

مراجعات بعد القراءة الأخيرة

على موقعها الإلكتروني، نشرت «جامعة كولومبيا» اقتباسات ومراجعات للكتاب وردت في الصحف والمواقع الأميركية، وفي مقدمتها «لوس أنجليس تايمز» التي اعتبرت الكتاب أساسياً لفهم الحرب بين إسرائيل و«حماس». فيما أشارتThe Nation إلى أنّه عندما يعرض سعيد التجربة الفلسطينية «من الداخل»، فهو لا يقصد الداخل الجغرافي، بل الداخل الذهني. فلسطين تصبح حالة ذهنية، وهذا ما يجعل الكتاب استثنائياً. إنه رحلة ممتدة عبر ذهن المنفى.

بدورها، كتبت صحيفة «جوروزاليم بوست» إنّ «القوة والسحر في البيان الجماعي لسعيد ومور يكمنان في أنّه مهما كان المرء مشرداً أو محروماً، تظل هناك حدود فاصلة حاسمة بين المواطن الأصلي والسائح». وهو في عمقه ردّ على المقولات الاستعمارية التي تقول إنّ الغرب المتحضّر له حق في أراض وموارد لا يستحقها شعب أقل عرقياً وثقافياً.

في المقابل، يجد بعضهم النص أكاديمياً ومشتتاً حيث لا يبدو بشكل واضح أين يبدأ تعليق سعيد على الصورة وكيف يقرأ تفاصيلها وأين ينتقل إلى صورة أخرى أو تحليل غير مرتبط بأي جزء مرئي في الكتاب، إضافة إلى أنّ نصوص سعيد تحتوي على إشارات ثقافية وأدبية كثيرة لا تخدم القارئ العادي أو الشكل الذي اعتمده في هذا الكتاب، وهو قراءة تفترض أنّ العمل يقدم تأملاً في الحالة الفلسطينية، وليس قصة تقليدية أو سرداً تاريخياً متسلسلاً، ما يجعل القراءة عملية مجهدة ومربكة، خصوصاً لمن ينتظر إجابات مباشرة.

جزء من سردية أهل «الطوفان»

الكتاب جزء من مشروع سعيد لتجاوز الصور النمطية الغربية عن الشرق والشرق أوسط، بتركيز على الإنسان الفلسطيني كموضوع معرفي وثقافي، وليس كحالة صراع حصراً. في الكتاب، يبدو سعيد أحياناً مغرقاً في نقده للأعمال المقاومة وأكثر التزاماً بمصطلحات الغرب عن قضايا المنطقة، وغالباً ما يعود ذلك إلى رغبته في مخاطبة الغرب بلغته، ربما لأنه يأتي في لحظة انهيار السرديات الكبرى وتحوّل الفلسطيني في الخطاب الدولي إلى «مشكلة إدارية».

من هنا، يمكن قراءة «بعد السماء الأخيرة» أيضاً كنقد داخلي للهوية الفلسطينية ذاتها، إذ لا يقدّم نصاً تعبوياً أو بطولياً، بل نصاً قلقاً يرفض الهوية المغلقة، واضعاً العمل ضمن أفق ما بعد القومية، حيث الفلسطيني متعب، متناقض، وأحياناً ساخر من ذاته، بعيداً من صورة الهوية المكتملة والنهائية.

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى