تحليلات سياسيةسلايد

“إسرائيل” والسوريون: شراكة أم ورقة استهلاك؟ تحليل للمشهد الإقليمي المتشابك

أحمد الدرزي

تواجه سوريا مفترق طرق حاسماً. الخيار فيها بين الاستمرار في الرهان على تحالفات تقليدية آفلة، أو التوجه نحو شراكات استراتيجية مع قوى صاعدة تقود عالم ما بعد الغرب.

 

أصبح واضحاً أن “الكيان الصهيوني” والولايات المتحدة يسابقان الزمن لتثبيت وقائع جديدة على الأرض، في أعقاب ما يعتبرانه انتصاراً مدوياً في المنطقة.

هذا “الانتصار” تجلّى بوقف الحرب في غزة ولبنان وانهيار نظام الأسد، وما رافقه من تغيير جذري في بنية النظام السياسي في دمشق، وهو نظام يفتقر الآن إلى أوراق القوة التي تتيح له مواجهة التمدد الصهيوني في جنوب سوريا.

وقد ترافق ذلك مع إعلان صريح عن هندسة جغرافية جديدة لا تشمل سوريا فحسب، بل منطقة واسعة تمتد من حدود ليبيا غرباً إلى حدود الهند شرقاً، ومن الصومال واليمن جنوباً حتى البحر الأسود وبحر قزوين شمالاً.

يعتبر الكيان نفسه الرابح الأكبر من الحرب التي دامت أكثر من عامين بعد “طوفان الأقصى”، رغم الضربات المؤلمة التي تلقاها في الحرب عن بُعد مع إيران، والتي دفعه ثمنها لطلب وقف إطلاق النار.

ومع ذلك، يرى أنه لا بد من استثمار أهم فرصة زمنية في تاريخه لتحقيق المرحلة النهائية من مشروعه المعلن. وقد زاد ذلك من رهان العديد من السوريين عليه لتحقيق مشاريع سياسية بعناوين مختلفة، فهل يمكن لهذه النجاحات الإسرائيلية أن تنجح في تحقيق ما تعمل عليه بعض الجماعات السورية؟

لا شك في أن السوريين يعيشون أصعب مرحلة في تاريخهم المديد اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، وهو ما يدفع إلى تفهم دوافع هذه الرهانات حتى عند عدم القبول بها، لكن الاندفاع نحو الكيان الصهيوني في هذه المرحلة لا يحمل أي إمكانية للنجاح، حتى على المدى القريب، لأسباب محلية وإقليمية ودولية، ولأسباب خاصة تتعلق ببنية الغرب المتآكلة.

محلياً:

على المستوى المحلي، ورغم تصاعد هذه الرهانات، فإن الأمر لم يُحسم بشكل نهائي، بل على العكس، يمكن لهذا الرهان أن يكون أقرب إلى الفشل، وخصوصاً في منطقة الساحل السوري بعد تجارب الرهانات المتعددة الفاشلة إقليمياً ومحلياً.

فالجميع يدرك الدور الإسرائيلي في الأحداث الدموية عبر المناطق السورية كافة، واستغلال ردود الفعل الدموية لبناء ملفات ضاغطة على دمشق، لإجبارها على التخلي عن مواقف الممانعة في علاقتها مع الغرب والكيان، والتسليم بالوقائع الجديدة على الأرض، وقبول حدود الدور المفتوح للكيان الذي لا تتوقف مطالبه في الداخل السوري.

الأمر الثاني محلياً يتعلق برفض شبه مطلق في “مثلث حلب – درعا – دير الزور” لفكرة إمكانية التعاطي مع الكيان الصهيوني بأي شكل من الأشكال على المستوى الشعبي.

هذا المثلث تتجذر فيه ثقافة إسلامية – صوفية وغيرها – رافضة تاريخياً لفكرة التعايش مع كيان مصطنع بقسوة، بل إن درعا في الجنوب السوري قد تشكل بيئة قابلة لتفجير مقاومة نشطة ضد المشروع الصهيوني، الذي لا يخفي أجنداته في المنطقة الجنوبية المستهدفة، التي تضم الأراضي الخصبة والموارد المائية، عدا عن عدم قابلية أهالي المنطقة لنزع السلاح.

إقليمياً:

كل المؤشرات تؤكد أن السياسات الصهيونية المندفعة لتحطيم منطقة غرب آسيا بشكل فَجّ، دفعت إلى بداية تكوين تحالف كبير متعدد الأطراف بشكل نشط، وإن كان غير معلن بوضوح.

هذا التحالف جمع في إطاره بشكل فعّال بين تركيا وإيران من جهة، إضافة إلى مصر والسعودية وباكستان. وقد تكون مبادرة المملكة العربية السعودية لحماية أمنها القومي في اليمن أكبر مؤشر على يقينها من المخطط الصهيوني الرامي إلى حصارها بحراً وبراً، ثم الانقضاض عليها في المرحلة الأخيرة باعتبارها “الجائزة الكبرى”.

هذا إضافة إلى المواجهة المرتقبة بين إيران والكيان الصهيوني، وهي مواجهة وجودية بالنسبة إلى الطرفين لا يمكن تأجيلها بالنسبة إلى إيران المستنزفة اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، في حال استمر “الستاتيكو” الحالي الذي يصب في المصلحة الإسرائيلية – الأمريكية على المدى القصير والمتوسط. هذه المواجهة ستحدد المسار النهائي لمنطقة غرب آسيا: بين التفكيك وإعادة التشكيل، وبين تسريع التآكل الغربي – الإسرائيلي في المنطقة والعالم.

دولياً:

من الواضح أن حِدَّة الصراع بين الشرق الصاعد، ممثلاً بالصين وروسيا ومعهما دول “بريكس”، وبين الغرب ممثلاً بالولايات المتحدة و”إسرائيل” ودول الاتحاد الأوروبي – الذي يتآكل داخلياً وخارجياً – قد وصلت إلى مرحلة تهدد بنشوب حرب عالمية ثالثة.

صراع قد يستخدم فيه السلاح النووي بين هذه الأطراف الأساسية، بما يهدد الكوكب بكامله. وقد لجأ الغرب إلى التكشير عن أنيابه والكشف عن سياساته الحقيقية عبر حرب الإبادة في غزة، واللجوء إلى البلطجة الكاملة في عملية فنزويلا بمحاولة اختطاف رئيسها مادورو، والعمل للاستيلاء على غرينلاند وسلبها من الدنمارك.

تعبّر السياسات الأميركية والإسرائيلية في منطقة غرب آسيا والعالم عن حجم المأزق الذي يعانيه كل منهما والغرب عموماً، وهذا ليس خافياً على دول العالم. فمركز ثقل العالم ينتقل تدريجياً نحو الشرق، وقد تتوضح معالمه كاملة بحلول عام 2030، في نهاية الخطة الخمسية الصينية (2026-2030). ويتجلى هذا التحول في توسع هامش حرية الخيارات للمملكة العربية السعودية، التي تنزاح تدريجياً نحو الشرق، من خلال إدخال عنصر الرهان عليه في سياستها الاقتصادية والخارجية.

سوريا.. مفترق طرق

تواجه سوريا مفترق طرق حاسماً. الخيار فيها بين الاستمرار في الرهان على تحالفات تقليدية آفلة أو التوجه نحو شراكات استراتيجية مع قوى صاعدة تقود عالم ما بعد الغرب.

هذه ليست مسألة أيديولوجية فحسب، بل معادلة وجودية لمستقبل البلاد واستقرارها، الأمر الذي يتطلب من السوريين المراهنين على “إسرائيل” مراجعة حساباتهم من جديد، واتباع رهانات تحفظ وجودهم، انطلاقاً من مبدأ الشراكة في وطن هم جزء أصيل منه، وبعقد اجتماعي جديد تلتزم به مع دمشق، التي لا خيار لها سوى اتباع هذا المسار لإنقاذ نفسها وإنقاذ سوريا كبوابة لإنقاذ منطقة غرب آسيا.

الميادين نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى