الأطراف الخارجية ومستقبل سوريا (فايز سارة)

فايز سارة

 

لعل من بين اهم نتائج اطالة عمر الازمة في سوريا، انها اتاحت للعديد من الدول والقوى، ان يصير لها نفوذ في سوريا طالما رغبت تلك الدول والقوى في هذا، ذلك أن الانقسام الحاد وما رافقه وأعقبه من صراع عنيف ودموي، فرض على القوى المتصارعة، فتح الابواب امام قوى دولية واقليمية للدخول على الخط السوري، وكان الأمر ملحاً بل ومطلوباً من جانب قوى لها موقف من النظام وسياساته سواء كانت دول لها علاقات قوية ووثيقة بالنظام كما هو حال روسيا والصين وايران، او اخرى طالما كانت علاقاتها مع دمشق في حركة نوسان وعدم استقرار على ما هو عليه الموقف الاميركي ـ الاوربي، وفي بعض الاحيان، ادت الازمة السورية وتطوراتها الى تبدلات دراماتيكية في مواقف بعض القوى كما حصل في موقفي كل من تركيا وقطر، فانتقلتا من موقع الحليف والصديق للنظام في دمشق الى موقف المناهض، ان لم نقل العدو على نحو ما تظهر بعض السياسات والمواقف التي اتخذها البلدان في فترة الازمة، وما كان للنظام في دمشق من مواقف وسياسات في مواجهة تركيا وقطر في الفترة ذاتها.
لقد انقسمت الدول والقوى من الناحية السياسية ازاء الوضع في سوريا. ورغم ان مؤيدي النظام كانوا قلة بين الدول، مقابل كثرة من وقفوا ضده مؤيدين للثورة، فان فاعلية مناصري النظام، كانت أقوى وأشد حضوراً في المجالات كافة. وعلى سبيل المثال فان روسيا والصين منعت مرات اية ادانة او قرار دولي بإكراه النظام وإجباره بوقف الحل الامني العسكري والذهاب مؤكداً الى حل سياسي، وزاد مؤيدو النظام على ما سبق تقديم امكانات عززت استمراره في مقاومة ثورة مواطنيه لأكثر من واحد وعشرين شهراً متواصلة، بما في ذلك دعمه بالاسلحة والذخائر والخبرات اللوجستية العالية، وهو ما ترافق بأوسع حملة دعاوية ضد معارضي النظام والتشهير بهم وبأهدافهم المعلنة.
اما القوى الدولية والاقليمية التي بدت مؤيدة للثورة ورغم كثرتها وأهميتها، فقد غلبت الضبابية على مواقفها، وأغلبها تأخر في إعلان موقفه ربما حذراً، أو ان الصورة لم تكن واضحة لديه. وهكذا جاءت المواقف في مواجهة النظام لفظية وضعيفة ومترددة ومحسوبة، يقابلها ضعف وتردد في تأييد المعارضة، وشح في المساعدات، وتحديد لمجالات صرف المقدم منها للمعارضة وتنظيماتها، وغالباً، فان سياسات ومواقف القوى المؤيدة للثورة على ضعفها وهشاشتها، أحيطت بإثارة ثلاث نقاط، اولها وحدة المعارضة بالقول، لأن المعارضة مقسمة، والثاني موضوع الاقليات والتخوف من طغيان الاكثرية، والثالث موضوع التطرف الديني وتسلل «القاعدة» واخواتها الى سوريا.
لقد تسلل نفوذ القوى الاقليمية والدولية الى بنى الدولة والمجتمع في سوريا، وان كان ذلك تم برضا النظام في علاقاته مع داعميه، ولاسيما ايران وروسيا، فإنه تم أيضاً بغياب او سكوت معارضي النظام وقبول بعضهم بما يتعلق بتسلل الداعمين والاقليميين وعلى سبيل المثال، لم يكن بإمكان قوى المعارضة وقف أو الحدّ من التدخل التركي في الشأن السوري، والأمر ينطبق على دول أخرى، بدا وان ثورة السوريين بحاجة الى دعمها ومساندتها السياسية والمادية.
خلاصة القول، إن ما تمّ من تدخلات دولية وإقليمية في الشأن السوري في فترة الصراع بين النظام والمعارضة، سيكون له حضوره وتأثيره في الفترة التالية سواء كانت فترة انتقالية قريباً من النموذج اليمني او فترة تغيير عاصف وفق النموذج الليبي، وفي كل واحدة من الحالتين سوف يكون الحضور مختلف للقوى الدولية والاقليمية في مستقبل سوريا مع ارجحية خاصة للقوى المناصرة للثورة، لأن النظام على ما هو عليه الآن، لن يكون موجوداً، اذ سيتغير كلياً او بنسبة كبيرة على الاقل.
ان ولوج سوريا في مرحلة انتقالية ناتجة عن حل سياسي رغم ما يحيط بهذا السيناريو من صعوبات، سوف يسمح لكل من روسيا وايران اللتين سوف تشاركان في صنع حل سياسي، بالحضور في السياسة السورية في المرحلة الانتقالية، وقد يتطور ذلك، اذا احسن البلدان تجديد سياستهما السورية وتقديم المساعدة الجدية في إعادة إعمار البلاد وتطبيع حياة السوريين، ليس انطلاقاً من واجبهما الانساني والاخلاقي، بل من جانب كونهما مسؤولين بدرجة ما، عما حلّ بسوريا والسوريين من دمار وقتل في الفترة الماضية، وهذا سيعطيهما دوراً نسبياً الى جانب القوى التي وقفت الى جانب الثورة وخاصة في الفترة الاخيرة للمشاركة في إعادة بناء المستقبل السوري.
اما في حالة ذهاب سوريا للتغيير وفق النموذج الليبي، فإن القوى الخارجية المؤيدة للنظام، لن يكون لها دور في مستقبل سوريا المنظور، وهي ستحتاج الى فترة وجهود مكثفة، لإعادة تطبيع علاقاتها مع السوريين، وسيكون الباب مفتوحاً للمساعدة في مستقبل السوريين امام كتلة الدول التي ناصرت ودعمت أهداف السوريين من اجل التغيير وإعادة بناء دولتهم الديموقراطية التعددية، دولة العدالة والمساواة وحقوق الانسان.
غير انه وفي الحالتين، فان دور الاطراف الخارجية في رسم المستقبل مرهون بوضع المعارضة السورية ووحدة قواها السياسية والعسكرية والشعبية، وقدرتها على التحول الى قوة جامعة وموحدة لكل السوريين ومسؤولة عن مصيرهم المشترك ومصير بلدهم، ليس في المفاوضات الصعبة، التي ستجري مع الأطراف الخارجية لرسم ملامح التعاون المشترك فقط، بل في الحد من تدخلاتها التي قد لا تتوافق مع محتوى السياسة السورية المطلوبة في المرحلة المقبلة.

صحيفة السفير اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى