تحليلات سياسيةسلايد

الاحتفاظ بالقواعد وحرية العمل: تركيا تتمسّك بتعديل «اتفاقية أضنة»

عامر علي

في ظلّ تحرّكات أمنية متسارعة شمال سوريا، تعود أنقرة إلى واجهة المشهد عبر طرح تعديل «اتفاقية أضنة»، ساعيةً إلى توسيع هامش تحرّكها العسكري ومنح وجودها في الداخل السوري غطاءً قانونياً دائماً.

 

مرّة أخرى، عادت تركيا إلى طرحها القديم الذي كانت تسعى إلى تحقيقه خلال عهد النظام السابق، والذي يتمثّل بتوقيع اتفاقية أمنية مع سوريا، تستند إلى اتفاقية «أضنة» الموقّعة بين البلدين عام 1998، وذلك بعد إدخال تعديلات على هذه الأخيرة، تمنح أنقرة هامشَ حريةٍ وتحرّكٍ أوسع داخل الأراضي السورية. وتأتي المساعي التركية الجديدة، والتي كشفت عنها صحيفة «توركيه غزتسي» المُقرّبة من حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، بالتزامن مع محاولة تقديم دفعة للاتفاقية الموقّعة بين السلطات السورية الانتقالية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد). ويمكن تفسير هذه المساعي بأنها «رسائل سياسية موجّهة إلى بعض الأطراف»، ولا سيما في ظلّ إصرار القوى الكردية على انسحاب تركيا من مناطق في ريف حلب الشمالي، في مقدّمتها عفرين، تمهيداً لعودة النازحين إلى تلك المناطق.

وإلى جانب هذا البعد السياسي، ثمّة رغبة تركية جامحة في توقيع اتفاقية تمنح أنقرة مستنداً قانونياً لتحرّكات عسكرية وأمنية أوسع في الداخل السوري، وهو ما لا تمنحها إيّاه «أضنة» التي وُقّعت عقب تهديد تركي بشنّ عملية عسكرية ضدّ دمشق، على خلفية إيواء الأخيرة زعيم «حزب العمال الكردستاني» المُصنّف منظمة إرهابية. والجدير ذكره، هنا، أن أنقرة تمكّنت لاحقاً من القبض على عبدالله أوجلان في اليونان في عام 1999، وذلك أثناء محاولته السفر إلى هولندا، بعد رحلة طويلة بين بلدان عدة رفضت استقباله.

وبحسب تقرير الصحيفة التركية، تخضع اتفاقية أضنة حالياً لـ«مراجعة شاملة» بهدف تعزيز فعّاليتها العملياتية؛ إذ هي صُمّمت أساساً لـ«منع التهديدات» المُحتملة على امتداد الشريط الحدودي بين البلدين، البالغ طوله 911 كيلومتراً من البحر المتوسط حتى الحدود العراقية. وأشارت الصحيفة إلى أن الاتفاقية منحت تركيا حق تنفيذ عمليات عسكرية بعمق يصل إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي السورية، غير أن نصوصها الأصلية تحدّثت عن «نطاق 5 كيلومترات فقط»، من دون وجود دائم في هذه المنطقة، وذلك تبعاً لمناقشات مستمرّة ضمن «غرفة عمليات مشتركة» تمّ إنشاؤها بموجب الاتفاقية.

أيضاً، ذكرت «توركيه غزتسي» أن المرحلة الجديدة قد تشهد «توسيع» نطاق «أضنة» ليشمل إنشاء «مراكز مشتركة للوجستيات العسكرية، والتدريب، والعمليات»، في مناطق توصف بأنها «حرجة» داخل سوريا، وذلك في إطار تعاون مباشر مع إدارة دمشق. وأضافت أن قسماً من القوات التركية انسحب بالفعل من سوريا، حيث نشرت تركيا خمسة ألوية عسكرية في الأراضي السورية، قبل أن تسحب منها لواءين.

ورغم أن أنقرة لا تعلن رسمياً العديد الحقيقي لقواتها الموجودة في سوريا ولا نطاق انتشارها، تشير تحركاتها العسكرية المستمرة إلى سعيها لترسيخ وجود دائم في الشمال السوري، مع محاولات للتمدّد نحو وسط البلاد. وكانت إحدى هذه المحاولات قد قوبلت برفض إسرائيلي مُعلن، أعقبه قصف تل أبيب لقاعدة جوية في ريف حمص، أرادت أنقرة تحويلها إلى قاعدة عسكرية. وفي سياق متصل، نفت وزارة الدفاع التركية، قبل أسبوع، أنباء تحدّثت عن انسحاب قواتها من مناطق «نبع السلام» في سوريا.

أمّا بشأن «اتفاقية أضنة المُعدّلة» التي تسعى أنقرة إلى إبرامها – والتي كان النظام السوري السابق قد رفض توقيعها خلال محادثات بين الطرفين جرت بوساطة روسية، مشترطاً انسحاب تركيا من شمال سوريا -، فتشير بعض التسريبات إلى أنها تتضمّن بنوداً واضحة تتيح لأنقرة العمل داخل العمق السوري «ضدّ أي تهديد»، وهو معيار فضفاض يمكن تركيا استثماره بشكل دائم لضمان حضورها في العمق السوري. وإلى جانب ما تقدّم، ترغب تركيا في الاحتفاظ بعدد من قواعدها العسكرية الرئيسيّة بذريعة «تدريب» قوات الجيش السوري الجديد، وذلك وفق اتفاقيات عسكرية بين البلدين، الأمر الذي يعني فعلياً حصول أنقرة على وثيقتين لتبرير حضورها العسكري والأمني في عمق جارتها الجنوبية.

أيّاً يكن، لا يمكن الأخذ بالتسريبات الصحافية التركية، حتّى تلك المُقرّبة من الحزب الحاكم؛ إذ تلعب هذه الصحف دوراً كبيراً في تسويق «البروباغندا» التركية. غير أن الأكيد، نظراً إلى السياسة التركية المتّبعة في سوريا، وتصريحات مسؤولي أنقرة وتحرّكات قواتها، أن تركيا تريد موطئ قدم دائماً في سوريا، وإضفاء مرجعية قانونية على هذا الوجود عبر «اتفاقية أضنة المعدّلة»، ولا سيما في ظلّ اقتراب حسم ملف «قسد».

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى