الجاليات الأجنبية في مصر المملوكية

صدر حديثاً في القاهرة عن «دار الآفاق العربية» كتاب للدكتورة سماح عبدالمنعم السلاوي بعنوان «الجاليات الأجنبية في مصر في العصر المملوكي»، يستمد أهميته من عناصر عدة: أولها أنه في الأصل أطروحة ماجستير في التاريخ (جامعة الزقازيق) وثانيها أن من اختار هذا الموضوع وأشرف عليه هو الدكتور قاسم عبده قاسم وهو غني عن التعريف بحكم تخصصه في تاريخ العصور الوسطى بعامة وتاريخ مصر بخاصة وبالتالي نضج القِدر على نار هادئة حتى خرجت هذه الدراسة على أكمل وجه وثالثها الخطة المحكمة التي جعلت الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة في ما يخص الأجانب – سياسياً واقتصادياً واجتماعياً – إلا ووضعتها قيد البحث والدرس في حدود ما جادت به المصادر المتاحة.

يتكون الكتاب من أربعة فصول، خصص أولها لدراسة العوامل والظروف التي دفعت الأجانب للقدوم إلى مصر والإقامة فيها مرتباً هذه العوامل وفق أهميتها وكذلك إلقاء الضوء على الوجود الأجنبي قبيل العصر المملوكي، ثم وضحت أهمية العوامل الداخلية كعنصر جذب للأجانب حيث كانت قوة الدولة وبسط سيطرتها ونفوذها داخلياً، واستقرار الحكم الداخلي، وكذلك توافر عنصر الأمان الذي أعطى الفرصة للأجانب للقدوم إلى مصر، وتلى ذلك استقرار في أحوال الطرق التجارية البرية والبحرية في أوروبا وأفريقيا وآسيا بسبب غلق الطرق التجارية القديمة، فازدهر الطريق البحري من الهند والصين إلى البحر الأحمر ومصر والشام. إضافة إلى ظهور قوى جديدة فضلت المشاركة مع مصر في نواح متعددة، مع ضعف السيطرة البابوية على أوروبا، فأصبح الأوروبيون غير قادرين على السفر براً أو بحراً من دون وساطة المماليك. كما أشارت إلى العوامل العسكرية التي كانت سبباً في قدوم الأسرى الأجانب إلى مصر، ثم اتباع سلاطين المماليك سياسة التسامح الديني والاجتماعي التي ساهمت في هجرة الكثير من المغول إليها بحثاً عن الأمان والاستقرار.

وتناول الفصل الثاني موقف السلطات المملوكية من الجاليات الأجنبية، موضحاً حقوق الأجانب وواجباتهم والقواعد التي وضعتها الدولة لحمايتهم ولحماية نفسها، ثم انتقلت المؤلفة إلى موقف الدولة من الأجانب المقيمين في حال شن الغارات الأوروبية على السواحل المصرية، ولا ننسى كذلك الحديث عن مصادر الأسرى والرقيق والجواسيس وكيفية تعامل السلطات الحاكمة مع هذه الفئات. وخصصت المؤلفة الفصل الثالث لدراسة الحياة الاجتماعية للأجانب في مصر، موضحة أماكن إقامة الجاليات الأجنبية من مختلف الجنسيات والطوائف، ثم تناولت مسألة العلاقة بين الأجانب والسلطات الحاكمة من ناحية وبين الأجانب والمصريين من ناحية أخرى وأثر الوجود الأجنبي على المجتمع المصري. أما الفصل الرابع والأخير فقد جعلته للحديث عن أوضاع الجاليات الأجنبية وأحوالها في ظل التدهور الذي حدث في نهاية العصر المملوكي سواء كان هذا التدهور داخلياً متمثلاً في اهتزاز السلطة الحاكمة، وسوء الأحوال الاقتصادية، وتدهور المدن المصرية، والثورات المتعددة، وفرض الدولة سيطرتها على التجارة، واتباعها سياسة تعسفية مع المصريين والأجانب، أو كان خارجياً متمثلاً في الخطر البرتغالي الذي قضى على الاقتصاد المصري وساهم في التدهور السريع للدولة وذلك بسيطرة البرتغال على طريق رأس الرجاء الصالح وعلى التجارة الشرقية التي كانت سبباً في القوة السياسية والاقتصادية للدولة المملوكية، ما أدى إلى حدوث خسارة فادحة للتجارة المصرية وإلى قلة الأجانب في مصر، إضافة إلى سوء معاملة السلطات الحاكمة لهم.

واختتمت السلاوي الدراسة بخاتمة جملت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها ومن بينها أن كل جالية من الجاليات الأجنبية أقامت في مصر لأسباب ولظروف معينة خاصة بها. فطائفة التجار دفعتها المصالح الاقتصادية والربح المادي إلى القدوم إلى مصر، أما الأسرى فدخلوا البلاد من طريق الحرب، وأما الرقيق فقد تعددت مصادرهم التي تمثلت في أسرى الحروب، أو من طريق الشراء، أو طريق الهدايا والهبات، ثم الجواسيس الذين كانوا عيوناً على مصر لمصلحة دولهم، ومنهم التجار والقناصل، أو الجواسيس المدربون، أما السفراء الأجانب فقد جاؤوا في مهمة محددة، ولذا كانت إقامتهم في الديار المصرية محدودة للغاية.

كما كشفت الدراسة طبيعة الحياة الاجتماعية للجاليات الأجنبية، حيث أقامت كل طائفة أو جالية أجنبية في أماكن معينة خاصة بها، فأقام الأجانب والأوروبيون في فنادق في الموانئ المصرية، كما كان لكل جالية فندق، ولا يسمح لجالية أخرى بالإقامة فيه، وتمتع ذلك الفندق بخدمات عدة، منها وجود حديقة متسعة، ومخبز وكنيسة وحمام.

ومن ناحية أخرى، فإن السلطات الحاكمة لم تسمح لهم بالتجول في الديار المصرية أو الخروج ليلاً من الفندق، وهذا الأمر يبدو طبيعياً في ظل أعمال القرصنة الأوروبية، اذ كانت الدولة في شك دائم من الأوروبيين، خصوصاً.

أما الجالية المغولية فقد أقامت في حي الحسينية، وعاش الأسرى في سجون ومعتقلات، لكنهم تمتعوا بمقدار من الحرية، فمثلاً كانت الجالية الأرمينية تعيش في سجن خزانة البنود، ولكنه في الحقيقة لم يكن سجناً بالمعنى المعروف، حيث سمح بالتزاوج والبيع والشراء، وصنع الخمور وبيعها. أما الجالية الرومية فقد أقامت في حارة الروم، واندمجت في المجتمع، وعاش الجواري والعبيد في قصور السلاطين والأمراء والأعيان، وفي منازل عامة الشعب، على السواء.

وترى السلاوي أن مصر استفادت كثيراً من الجاليات الأجنبية، ومن ثم قدمت لها كثيراً من التسهيلات، إلا أنه عندما كان يشن القراصنة الأوروبيون الغارات على السفن والسواحل المصرية، كانت الدولة تصادر أموال وممتلكات الأجانب أو يتعرضون للحبس والضرب والإهانة، وأحياناً تصدر القرارات بتحديد مدة إقامة الأجنبي في البلاد، لتتراوح بين أربعة وستة أشهر. وربما يعود ذلك التذبذب في المعاملات إلى حرص كلا الطرفين على الحفاظ على المصالح الاقتصادية وتحقيق أعلى ربح مادي من هذه العلاقة.

كما أوضحت الدراسة أن هؤلاء الأجانب كان لهم دور في الدولة، اذ كان لبعض الشخصيات الأجنبية الأوروبية من ذوي النفوذ والسلطة دور سياسي في حل المشاكل بين دولهم والدولة المملوكية، مثل: التاجر بيلوتي الكريتي، وسكران الجنوي، وجاك كير الفرنسي. أما عن العلاقة بالمصريين، فقد حدثت بين الطرفين مشاحنات ومناوشات، كلما كانت هناك فرصة للاحتكاك. ولوحظ أن المغول انعزلوا عن المجتمع، وتوّلوا مناصب عليا في الدولة، وكوّنوا طبقة الحكام والأمراء والأعيان. في حين لعب الأسرى والعبيد أدواراً سياسية مهمة، واستغلتهم الدولة في الأعمال الإنشائية والعمرانية، ووصل بعضهم إلى مستوى سياسي وعسكري قوي، إضافة إلى اهتمام الحكام والناس بالرقيق ذكوراً وإناثاً من الناحية الإنسانية، حيث خصصوا لهم موارد رزق ثابتة. وعلى الجانب الآخر نجد أن بعض الجنسيات الأجنبية ساهمت في تدهور الأخلاقيات العامة، فانتشرت الخمور، والحانات، ودور البغاء، وعادات وتقاليد جديدة على المجتمع.

صحيفة الحياة اللندنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى