
دمشق – سورية ليست الفرحة بهطول المطر وقفاً على الفلاحين وحدهم، فالغيث ليس مجرد ماءٍ يروي التربة، بل هو نبض يخفق في شرايين الحياة والاقتصاد معاً. في هذا العام، اكتست الأرض بحلّة من الخير، وعمّت البلاد موجة من التفاؤل الحالم؛ فقد هطلت الغيوم مدرارة، عمت قمم الجبال وتسربلت بها السهول، سالت الأودية وطفحت البحيرات، وتفجرت الينابيع من أحشاء الأرض لترتشفه المزروعات، ولتعود الأشجار تبتسم بعد طول ظمأ وجفاف.
إلا أن هذه النعمة الغامرة تستحضر في الذاكرة سنواتٍ عجافاً عصفت بسوريا عموماً، وسهل حوران على وجه الخصوص. هناك، لم يكن الجفاف مجرد غياب للمطر، بل كان كارثةً طالت الجميع؛ أمراض نخرت عظام المواشي، وأرض بدأت تئن تحت وطأة الشمس، فتشققت تبحث عن أي قطرة ماء تداوي جراحها. أدى ذلك إلى موجات نزوح حزينة، اضطر فيها الفلاحون لمغادرة قراهم والقصد نحو المدن الكبرى باحثين عن لقمة العيش، تاركين وراءهم أرضاً مقفرة تتمدد فيها الرمال.
في خضم تلك الأزمة، لجأ الناس إلى ما ألفوه؛ أقاموا الصلوات، وضربوا الطبول، واستنجدوا بالكهنة والشيوخ من القرى المجاورة لأداء طقوس الاستسقاء، كانت الأنظار مشدودة نحو الأعالي، نحو السماء والرموز، تطلب الفرج من الخالق وحده.
في تلك الأثناء، برز في القرية مشهدٌ لرجل دينٍ يُوصف بالتمرد والخروج عن المألوف. رأى القوم يهرعون صوب “الخارج” نحو الغيوم، فوقف وحيداً وتوجّه صوب “الداخل”؛ نحو الأرض. لم يصعد المنبر للتلاوة، نزل إلى الحفر ليلامس الجذور. مسح التراب بيدٍ مجروحة، وهمس بكلماتٍ بدا فيها صوته كأنه يداوي الجرح:
- “أيتها الأرض.. أنتِ جسدنا، فلا نطلب من الغيوم ما يمكن أن نخرجه من أحشائكِ بأيدينا”.
بدأ الناس ينظرون إليه بدهشةٍ واستغراب؛ لم يكن يصنع معجزةً سحرية، بل كان يمارس “وعياً” عميقاً يفحص الأرض لينتزع منها خيرها. ركب الفلاحون موجة هذا الوعي، فامتلأت أيديهم بالمعاول لاستصلاح قنوات الري القديمة، موجّهين مجهودهم البدني نحو ينبوع جوفي نسيه الزمن. وبعد ساعاتٍ من العرق الشاق والعمل الدؤوب، تدفقت المياه لتسير في قنوات الري.
كان ذلك درساً بليغاً؛ فبالعقل والعمل تمكّن الإنسان من أن يروّض الطبيعة ويحارب الجفاف. لقد أدركوا أن السماء لا تمطر إلا إذا عرفت الأرض كيف تمسك بالمطر، وأن الدعاء هو الروح، ولكن العمل هو الجسد الذي يحمل هذه الروح إلى التحقق، فمن يحفر بئر الماء بيده أولى به ممن ينتظر الغيث وينكفئ.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



