تحليلات سياسيةسلايد

الجنرالات في مواجهة نتنياهو… لمن الغلبة؟

حسن لافي

يقيس نتنياهو كل خطوة، بحسب معايير المصلحتين الشخصية والسياسية له، ناهيك بأنه رجل اللحظة والتفكير الآني، والخطوات التكتيكية، وليس رجل القرارات المصيرية والخطط الاستراتيجية، وليس من أصحاب الرؤى السياسية العميقة.

 

دشنت معركة طوفان الأقصى، وما تلاها من حرب على غزة، ودخول جبهات محور المقاومة الحرب كقوى مساندة لغزة، مرحلةً جديدة من التهديدات على “الأمن القومي الإسرائيلي”. ومع استمرار الحرب وصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته، وتحول الجبهات الخارجية إلى قوى مشاركة بفعالية في القتال لمصلحة غزة مرحلة، باتت التهديدات على “الأمن القومي الإسرائيلي” تأخذ منحىً أكثر خطورة، وصولاً إلى قمة الانكسار الصهيوني بعد الهجوم الإيراني المباشر على “إسرائيل” في الرابع من نيسان/أبريل الماضي، لتجد المؤسستان العسكرية والأمنية الإسرائيليتان أنهما أمام مخاطر استراتيجية، أهمها:

أولاً، تأكُّل قوة الردع الإسرائيلية بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي يهدد وجود “إسرائيل” ككيان احتلالي في الأرض الفلسطينية.

ثانياً، وجدت “إسرائيل” نفسها أمام حرب متعددة الجبهات، وهو السيناريو الأكثر تعقيداً على “أمنها القومي”.

ثالثاً، بات الاشتباك مباشراً بينها وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وعلى رغم كل التهديدات الإسرائيلية ومن خلفها الأميركية فإن إيران قصفت الداخل الإسرائيلي، من داخل الأراضي الإيرانية، كإشارة واضحة إلى الجرأة الإيرانية وتأكّل الردع الإسرائيلي ليس أمام قوى المقاومة فحسب، بل أيضاً أمام إيران، الدولة والجيش. وفي المقابل، فإن “إسرائيل” لا تملك الاستقلالية الذاتية في الهجوم وخوض الحرب ضد إيران، بل لا تستطيع الدفاع عن نفسها أيضاً، بصورة مستقلة، من دون أن تكون الولايات المتحدة الأميركية من جهة، وتحالفاً إقليمياً، من جهة أخرى، يحميان أمنها.

رابعاً، هبوب رياح عكسية في العلاقة الإسرائيلية الأميركية. وعلى رغم أن بدايتها خلافات في الرؤى بشأن مصلحة “إسرائيل” بين إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإنه سرعان ما حدث طوفان الجامعات الأميركية مع استمرار الحرب على غزة، لتصل الرياح العكسية في العلاقة بـ”إسرائيل”، كمؤسسة عسكرية وكيان احتلالي، إلى المستوى الشعبي وداخل الطبقة المثقفة المتعلمة في الولايات المتحدة الأميركية.

بناءً على ما سبق، تعالت أصوات المؤسسة العسكرية على لسان رئيس الأركان الإسرائيلي هرتسي هليفي، مطالبةً بعقد اجتماع كابينت الحكومة من أجل إجراء نقاش استراتيجي على مستوى المنظومة استعداداً للتطورات المقبلة في جميع القطاعات، ورسم خريطة طريق فعلياً لمواجهة التهديدات، واتخاذ سلسلة من القرارات المهمة، من أجل بناء استراتيجية طويلة المدى لـ “دولة إسرائيل” لمواجهة التهديدات المحيطة بـ”الأمن القومي الإسرائيلي”، والتي باتت الخطوات العسكرية التكتيكية الميدانية لا تفي بالغرض، بل الأخطر أن تلك الخطوات التكتيكية أدخلت “الجيش” والمؤسسة الأمنية في أزمة استنزاف مستدام بلا توقف من دون أن يكون هناك بوصلة اتجاه استراتيجية يتراكم بناءً عليها الجهد التكتيكي المبذول.

وكالعادة، يقيس نتنياهو كل خطوة، بحسب معايير المصلحتين الشخصية والسياسية له، ناهيك بأنه رجل اللحظة والتفكير الآني، والخطوات التكتيكية، وليس رجل القرارات المصيرية والخطط الاستراتيجية، وليس من أصحاب الرؤى السياسية العميقة، بل يعدّها قيداً سياسياً أمام مناوراته وألاعيبه الحزبية والسياسية، والتي مكّنته من تسيُّد المشهد السياسي الإسرائيلي أكثر من عقد ونصف عقد من الزمن.

لذلك، يتسم تاريخه السياسي بالتردد واللعب على الحبال وركوب الموجات الشعبية الديماغوجية، والرهان على الحصان السياسي الرابح، بعيداً عن نوعه أو توجه سيره، والأهم السعي لتحطيمه بعد ذلك، كي لا يصبح منافسا لنتنياهو نفسه.

اضطر مكتب نتنياهو إلى إعلان موعد جلسة، بعد أن سربت المؤسسة العسكرية الخبر إلى المراسل العسكري للقناة الـ”12″ الإسرائيلية، نير دفوري، من أجل قطع الطريق على حملة يقودها “الجيش” ضد نتنياهو واتهامه بالفشل الاستراتيجي، ويسانده فيها الإعلام الإسرائيلي ذو العلاقة السيئة أساساً بنتنياهو وحكومته. وفي إثر ذلك، تبارك قيادات الجيش السابقة مهاجمة نتنياهو وحكومته، فرئيس معهد الأمن القومي الإسرائيلي، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، “أمان”، السابق، تامير هايمان، يلمح إلى أن الأزمة الحقيقية لـ”الأمن القومي الإسرائيلي” تتمثل بتركيبة الحكومة بقيادة نتنياهو.

وهنا برزت مطالبة القيادة العليا في المؤسسة العسكرية و”الجيش” و”الشاباك” و”الموساد” لنتنياهو باتخاذ القرارات اللازمة لصياغة استراتيجية أمنية إسرائيلية طويلة الأمد، بل بات هناك تهديد من جانب المؤسستين العسكرية والأمنية بأنه في حال عدم اتخاذ قرارات من جانب الكابينت الحكومي، فإنه سيتم اتخاذ خطوات امتنع “الجيش” والأمن في إسرائيل من إجرائها ضد نتنياهو وحكومته حتى الآن، كما أوضح ذلك مصدر كبير لموقع “واي نت” الإسرائيلي.

تُعَدّ موجة الاستقالات داخل “الجيش”، على إثر فشل السابع من أكتوبر، عاملاً معززاً لقادة “الجيش” والأمن في مواجهة نتنياهو، عبر مواقف أكثر تصلباً وحديةً، كون مستقبلهم العسكري بات غير مرتبط به ولا بحكومته، بل بالعكس باتت لديهم مصلحة كبرى في تحمل نتنياهو المسؤولية السياسية عن فشل السابع من اكتوبر، وألا يصبحوا وحدهم كبش الفداء لذلك الفشل.

لذلك يمكن النظر إلى التعيينات الجديدة داخل” الجيش” لملء فراغات الجنرالات المستقيلين رسالةَ تحذير لنتنياهو من المؤسسة العسكرية، التي، بحسب بعض التسريبات الصحافية، لم يكن يعلم بها نتنياهو إلا قبل تنفيذها بوقت قصير جداً.

هذه العلاقة المتوترة بين جنرالات المؤسستين العسكرية والأمنية وبين نتنياهو وحكومته، دفعت المحلل العسكري لموقع “واي نت”، رون بن شاي، إلى تشبيه العلاقة بين الجيش ونتنياهو بتمرد الجنرالات، الذي حدث في الثاني من حزيران/يونيو عام 1967م، عشية الحرب، عندما تمرد رئيس الأركان آنذاك، إسحاق رابين، وجنرالاته على رئيس الوزراء آنذاك ليفي أشكول، وأجبروه على الذهاب إلى الحرب على الدول العربية المحيطة على رغم الضغوط الأميركية الرافضة لذلك.

لكن الجنرالات، هذه المرة، يطالبون نتنياهو بالموافقة على الخطة الأميركية لليوم التالي للحرب، كونها الخطة الاستراتيجية الوحيدة المطروحة على الطاولة لإخراج “إسرائيل” من أزمتها العميقة، أمنياً وعسكرياً.

الميادين نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى