الجيش الإسرائيلي يصعد من توغله جنوب سوريا

التصعيد الإسرائيلي الجديد يأتي رغم الحديث عن ضغوط أميركية لدفع نتنياهو لوقف عملياته العسكرية.
تتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب السوري، وسط صمت دولي نسبي وضغوط أميركية تبدو غير قادرة حتى الآن على كبح جماح العمليات العسكرية التي تنفذها تل أبيب، رغم تغير القيادة السياسية في دمشق وسعي النظام الجديد إلى إعادة فرض الاستقرار بعد سنوات من الحرب.
ففي أحدث تطور، نفذ الطيران الحربي الإسرائيلي، الجمعة، طلعات استطلاعية ومكثفة فوق محافظتي درعا والقنيطرة، رافقها توغل محدود لآليات عسكرية داخل إحدى قرى ريف القنيطرة، وفق ما أكدته وسائل إعلام سورية رسمية.
وقالت قناة الإخبارية السورية إن طائرات الاحتلال الإسرائيلي حلّقت على علو منخفض في أجواء درعا والقنيطرة، تزامناً مع دخول آليات عسكرية إلى قرية الصمدانية الشرقية، حيث قامت وحدات إسرائيلية بمداهمة منازل مدنيين وتفتيشها. ويُنظر إلى هذا التحرك على أنه جزء من سياسة إسرائيلية مستمرة لتكريس ما تعتبره “واقعاً أمنياً جديداً” في الجنوب السوري، بالقرب من الجولان المحتل.
وتأتي هذه التحركات بعد يومين فقط من تنفيذ الجيش الإسرائيلي سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع عسكرية قرب مدينة الكسوة جنوب العاصمة دمشق، في ثالث قصف من نوعه على نفس المنطقة خلال أقل من 24 ساعة، بحسب ما أوردته وكالة “سانا” الرسمية.
الهجمات المتتالية أدت إلى مقتل 6 جنود سوريين وإصابة آخرين، في تصعيد هو الأوسع منذ أشهر، ما يعكس – وفق مراقبين – رغبة إسرائيل في توجيه رسائل ضغط مباشرة للنظام السوري الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
وفي هذا السياق، صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من لهجته تجاه سوريا، وخصّ الرئيس أحمد الشرع بانتقادات مباشرة في أكثر من مناسبة، متّهماً إياه بـ”التواطؤ مع قوى تهدد أمن إسرائيل”،.
وفي خطاب ألقاه مؤخراً أمام الكنيست، قال نتنياهو إن إسرائيل “لن تتسامح مع أي تهديد يأتي من الأراضي السورية”، وأضاف أن الجيش الإسرائيلي يحتفظ بحق التحرك “في أي وقت وفي أي مكان” مشيرا لغياب ثقته في الرئيس السوري.
وتحت غطاء الحديث عن “حماية الأقليات”، شدد نتنياهو على أن إسرائيل “تراقب عن كثب مصير الطائفة الدرزية في الجنوب السوري”، مشيراً إلى أن تل أبيب “لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما تعرض الدروز لأي تهديد”، في تصريحات اعتبرتها دمشق تدخلاً مباشراً في الشأن الداخلي، ومحاولة لتبرير الاعتداءات المتكررة.
وبالرغم من تسريبات إعلامية تحدثت عن ضغوط تمارسها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الحكومة الإسرائيلية لضبط النفس تجاه سوريا، خصوصاً بعد وصول الشرع إلى الحكم وتقديمه إشارات انفتاح سياسي، إلا أن تل أبيب لم تُظهر أي استجابة تُذكر لهذه الضغوط.
ويرى مراقبون أن الولايات المتحدة، رغم تحفظها العلني على التصعيد العسكري في الجنوب السوري، ليست في موقع يمكّنها من كبح سياسة نتنياهو، خاصة في ظل تعقيدات الحرب في غزة والعلاقات المتوترة أصلاً بين الطرفين حول ملفات حقوق الإنسان والمساعدات العسكرية.
من جانبها، شددت الحكومة السورية على أن ما تقوم به إسرائيل يمثل خرقاً صريحاً لاتفاق فصل القوات الموقع بين الجانبين عام 1974، والذي أنهى حالة الحرب بعد معارك أكتوبر/تشرين الاول 1973. وكررت وزارة الخارجية السورية في بيان رسمي، دعوة المجتمع الدولي إلى الضغط على إسرائيل للانسحاب الفوري من المناطق التي أعادت احتلالها داخل المنطقة العازلة، والتي كانت تحت رقابة قوات الأمم المتحدة.
وكانت إسرائيل قد أعلنت، تزامناً مع سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي، “انهيار” اتفاق 1974 من جانب واحد، لتُعيد قواتها احتلال المنطقة منزوعة السلاح في الجولان، في خطوة أثارت انتقادات حتى داخل الأوساط الغربية.
وبينما تراقب دوائر القرار في دمشق وتل أبيب تطورات المشهد عن كثب، تزداد المخاوف من تحول الاعتداءات الإسرائيلية إلى مسار ثابت طويل الأمد، خاصة في ظل عجز المجتمع الدولي عن إلزام إسرائيل بوقف انتهاكاتها المتكررة.
ويرى محللون أن استمرار الغارات والتوغلات على الأراضي السورية لا ينفصل عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تسعى تل أبيب إلى تقويض أي محاولات لإعادة تموضع سياسي سوري قد يُعيد لدمشق دورًا في المعادلة الإقليمية، لاسيما بعد تزايد الإشارات الإيجابية بين سوريا ودول عربية وغربية في الآونة الأخيرة.
ومع غياب أي مؤشرات على تفاهمات تهدئة حقيقية، تبدو المنطقة الجنوبية من سوريا مرشحة لمزيد من التوتر، في انتظار ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة من تغيرات على مستوى التحركات السياسية أو الميدانية.
ميدل إيست أونلاين