الحكم العسكري السوداني يفك ارتباط بلاده العربي ويجاهر علنا بدعم اثيوبيا ضد مصر وفي قلب الجامعة العربية

 

لم يفاجئنا موقف السلطات السودانية الجديدة ممثلة برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان “المتحفظ” على قرار لوزراء الخارجية العرب يدعم موقفي مصر والسودان تجاه سد النهضة الاثيوبي، لان هذه السلطات تريد فك ارتباط السودان تدريجيا بالهوية العربية ولمصلحة نظيرتها الافريقية متذرعة بتقديم المصالح السودانية، مائية كانت او اقتصادية، عن أي قيم وروابط عربية او إسلامية.

كان هذا التحول واضحا، ومنذ الإطاحة بالرئيس الفاسد عمر البشير، وحكم ثورة الإنقاذ التي كان يتزعمها من حلال اتخاذ المجلس العسكري السوداني بقيادة الفريق البرهان قررا بالوقوف على “الحياد” فيما يتعلق بالأخطار التي يشكلها سد النهضة الاثيوبي على مصر والسودان دولتي المصب والممر، ورفض التوقيع مثل مصر، بالأحرف الأولى على الاتفاق النهائي الذي تمخضت عنه مفاوضات واشنطن الثلاثية وانعقدت بدعوة ادارة الرئيس دونالد ترامب ورعايتها، وهو الموقف الذي صب في خدمة الرفض الاثيوبي لهذا الاتفاق، والانسحاب من المفاوضات بالتالي.

يجادل الكثير من الناطقين السودانيين الداعمين لموقف حكومتهم بأن السد الاثيوبي سيقدم عدة خدمات لبلدهم، ابرزها الحصول على كميات من الكهرباء التي سيولدها السد تغطي احتياجاتهم من الطاقة كاملة، وبأسعار رخيصة، مضافا الى ذلك ان السد سيمنع حدوث الفيضانات التي تدمر كميات كبيرة من الأراضي المزروعة والتقليص من كميات الطمي، والسودان يجب ان يعطي الأولوية القصوى لمصالحه وشعبه بعيدا عن الشعارات “القديمة المستهلكة” حول الوحدة الإسلامية، او القومية العربية، ويوجه هؤلاء انتقادات عديدة لمصر تتمحور حول سيطرة القوات المصرية على مثلث حلايب وشلاتين المتنازع عليه بين البلدين لتبير السياسات الجديدة.

مشاكل السودان الاقتصادية لم تكن بسبب انتمائه العربي او الإسلامي، او الخلاف على مثلث حلايب مع مصر، وانما بسبب فساد حكوماته، واستبداد الديكتاتوريات، وغياب الحكم الرشيد، والأمة العربية وقفت مع السودان في جميع ازماته، ودعمت مجهوده العسكري لمنع انفصال الجنوب وإقليم دارفور، واستوعبت أسواق العمل الخليجية ملايين السودانيين، ومن منطلق الاخوة العربية والإسلامية، وما زالت، ومهما قدمت اثيوبيا من خدمات فإنها لن تقدم اعشار ما قدمه العرب للسودان.

صحيح ان الروابط العربية والإسلامية تضعضعت في العقود الأخيرة بسبب الحروب الناجمة عن التدخلات العسكرية الامريكية على وجه الخصوص، ولكنها مرحلة مؤقتة، وسيتم تجاوزها مثلما تجاوزت الامة العربية أزمات عديدة اكثر خطورة.

هروب الحكم الجديد في السودان الى اثيوبيا ودولة الاحتلال الإسرائيلي لن يؤدي الى حل مشاكل السودان الاقتصادية، ونتمنى ان يطلّع أصحاب هذه المدرسة الانهزامية على أحوال الدول التي سارت على النهج نفسه ووقعت اتفاقات مع الإسرائيليين، حيث تراكمت الديون بالمليارات، وتراجعت اقتصادياتها بشكل مرعب، وعلى رأس هؤلاء مصر والأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية.

لا نعتقد ان الشعب السوداني الوطني الطيب سيقبل بهذه المواقف الذي يتفرد فيها المجلس العسكري، وتريد فصل السودان عن امته وطمس هويته العربية والإسلامية، وتوتير العلاقة مع مصر، الدولة الأقرب الى السودان، بحكم الروابط التاريخية والاجتماعية، والصمت على المؤامرة الاثيوبية المدعومة أمريكيا واسرائيليا لضرب امنها المائي وتجويع الملايين من أبنائها.

مصر الدولة والشعب تحتاج الى كل دعم عربي واسلامي في مواجهة هذه المؤامرة، والاخطار “الوجوديةالتي يمكن ان تترتب عليها، ومن السودان خصوصا الشريك في مياه النيل، والموقع على كل الاتفاقات التي تحفظ الحقوق والمصالح المائية المشتركة للبلدين، ومن العار ان يتم التخلي عن الشقيق والجار المصري في هذا المفترق الصعب، حتى لو كانت هناك خلافات حدودية معه في مثلث حلايب.

مصر لا تطالب الا بحصتها المشروعة من المياه التي كفلتها الاتفاقات الدولية، واذا تم اقتطاع جزء منها، وبتواطؤ من الحكومة السودانية، فان هذا يعتبر خيانة عظمى لا يمكن غفرانها، او هكذا نعتقد في هذه الصحيفة “راي اليوم” التي تقدر للسودان وشعبه مواقف وطنية إسلامية لا يمكن نكرانها.

لن نتوانى لحظة بلوم السلطات المصرية السابقة والحالية، التي انكفأت على نفسها، وتخلت عن دورها القيادي للامة، وهادنت العدو الإسرائيلي، فمثل هذه المواقف والسياسات، لعبت دورا كبيرا في تشجيع الحكم السوداني الحالي، وحكومات عربية أخرى على التطبيع مع العدو الإسرائيلي وفك الارتباط مع قيم العروبة والإسلام، وتغول هذا العدو سواء بدعم سد النهضة وتحريض اثيوبيا على تهديد الامن المائي، او تصفية القضية الفلسطينية من خلال “صفقة القرن” وتمهيد الطريق لقيام إسرائيل الكبرى.

مصر تقف على حافة الحرب مع اثيوبيا للحفاظ على حصتها المشروعة من مياه النيل، الامر الذي يحتم على جميع العرب والمسلمين الوقوف في خندقها وعلى رأسهم السودان الشقيق، فالشقيق في وقت الضيق، ونتمنى ان نعرف موقف الشعب السوداني الذي فجر ثورة، وقدم شهداء من اجل الإصلاح الديمقراطي في البلاد من هذا التفرد بالقرار للمجلس العسكري تحت اعذار مخادعة ومضللة.

 

 

 

صحيفة رأي اليوم الالكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى