فن و ثقافة

الحكواتي يعتلي منبر الذاكرة الدمشقية في النوفرة

في قلب دمشق القديمة يحتضن المقهى طقسا تقليداً متجذّراً منذ أكثر من قرن، حيث تتلاقى الأجيال والسياح في مساحة تجمع الترفيه بالثقافة.

 

في قلب دمشق العتيقة، ينهض مقهى النوفرة كل مساء من أمسيات رمضان كمنارةٍ للذاكرة، تستدعي عبق الأزمنة الغابرة وتعيد إلى الحارات الدمشقية أصداء الحكايات الأولى. هناك، يتكئ الحكواتي على منبره الخشبي، ويستحضر من دفاتر التاريخ وسِفر الخيال الشعبي عوالم طالما سكنت وجدان أجيالٍ تعاقبت على مقاهي المدينة لمئات السنين.

ومع حلول الليل، يتحوّل المقهى إلى مسرح حيّ تتشابك فيه الأصوات والوجوه؛ أطفال يحدّقون بدهشة، شبّان يتابعون بشغف، وشيوخ يسترجعون ذكرياتهم على إيقاع السرد. يتفاعلون مع الحكواتي، يشاركونه الدهشة والاعتراض والتصفيق، وكأنهم شركاء في نسج الحكاية لا مجرد مستمعين. بالنسبة لكثيرين، يمثّل هذا الطقس أكثر من تسلية رمضانية؛ إنه فعل إحياءٍ لقيمٍ تراثية راسخة، وتجديدٌ لعهد الانتماء إلى هوية سورية أصيلة.

محمد يامن الرباط، ابن صاحب المقهى، يؤكد لوكالة “سانا” أن الحكواتي ليس مجرد فقرة تقليدية، بل إرثٌ متجدّد حافظ عليه المكان بعناية، ولاسيما في ليالي الشهر الفضيل. فقد غدا المقهى مقصداً للباحثين عن رائحة الماضي، وعن صور الآباء والأجداد وهي تتشكّل في ذاكرة المكان، كما يستقطب السيّاح والزوّار الأجانب الذين يجدون فيه تجربة ثقافية حيّة. ويشير الرباط إلى أن الحكواتي كان، في زمن مضى، بمثابة “التلفزيون القديم” للمجتمع؛ منه تُستقى الأخبار، وتُستعاد البطولات، وتُروى العِبر.

ويشدّد على حرص القائمين على المقهى في صون هذا التقليد بكل تفاصيله: المنبر الخشبي المفروش، النبرة الجهورية، الإيماءة المسرحية، وحتى طقوس الصمت التي تسبق اشتعال الحكاية. فالمكان، كما يقول، ليس مجرد مقهى، بل وثيقة حيّة للذاكرة الجمعية، وجسرٌ يصل الأجيال الجديدة بجذورها الحضارية.

العم عادل وتار، أحد روّاد المقهى منذ طفولته، يرى في الحكواتي طقساً دمشقياً أصيلاً ورثه عن أجداده. ويستعيد بحنين أمسيات كانت الحكايات فيها تمتدّ لتشمل بطولات عنترة بن شداد ومغامرات الظاهر بيبرس، حيث كانت المقاهي حاضنة اجتماعية نابضة، لا تقتصر على السرد، بل تحتضن تبادل الأحاديث ونقاش شؤون الناس اليومية. ويلفت إلى أن تحسّن الواقع الخدمي والأمني في أحياء دمشق القديمة أسهم في تنامي إقبال السيّاح من مختلف أنحاء العالم، سعياً لاستعادة ذاكرة المكان وروحه.

ويحتضن مقهى النوفرة جلسات الحكواتي منذ أكثر من قرن، وفق القائمين عليه. وقد درجت مقاهي دمشق القديمة على تخصيص منبر خشبي في فضائها الداخلي، يُفرش بالسجاد أو القماش، ليجلس عليه الحكواتي وتلتفّ حوله الوجوه المترقبة. أما العم باسل العلبي، فيستذكر تلك الأيام التي كان فيها الحكواتي المصدر الأبرز للثقافة والترفيه، معتمداً على ذاكرة متقدة وقدرة فريدة على الإلقاء دون نص مكتوب، حتى إن تفاعل الجمهور كان يبلغ حدّ الاحتفاء بأحداث القصة في أزقة الحارة.

ازدهرت مهنة الحكواتي في المقاهي الدمشقية منذ أواخر القرن التاسع عشر، بوصفها منصّة لسرد السير الشعبية والوقائع التاريخية بأسلوبٍ آسر. كان الحكواتي يستخدم صوته الجهوري وحركاته التعبيرية ليشدّ الأسماع والقلوب، فيغدو جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي. ورغم ما شهدته هذه المهنة من تراجع في السنوات الأخيرة تحت وطأة التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الحديثة، فإن ليالي رمضان في مقهى النوفرة تثبت أن الحكاية، حين تُروى بشغف، قادرة دائماً على أن تجد من يُصغي إليها، ويعيد إليها الحياة.

ميدل إيست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى