
حين فتحوا كرش ” قشقو” في مسرحية مدينة من قش لمؤلفها عبد الفتاح قلعه جي وجدوه قد ابتلع الوطن بشكل كامل، وحين تسلم ” أبو عزة” السلطة في مسرحية ” الملك هو الملك” لمؤلفها سعد الله ونوس، عاد إلى فعل أهلها وتعاون مع التجار ورجال الدين، مع أنه كان ينتقد سياسة السلطة قبل ذلك.
تجنبنا عن قصد الأمثلة السياسية، وذهبنا إلى الفني منها، ولكنها بعيدة إلى حد ما عن الدكتاتور، ذلك لأن ” قشقو” قد تم القبض عليه وأخرجت الأموال من بطنه، وهذا نادراً ما يحدث للدكتاتور، لأنه على الأغلب يهرب حاملاً الجمل بما حمل، أما ” أبو عزة” فهو مغفل مشى داخل اللعبة والإيهام من دون أن يدري أنه وقع في الشراك الذي نصب له، ولم يتح له أن يكون ذلك المستبد الذي لا يعرف قلبه الرحمة.
الدكتاتور تلك الشخصية المعقدة التي ليس من السهل فهمها ومعرفة ماهيتها ولماذا وصلت إلى تلك الحال من التغول والتوحش العجيب وهو من يصادر الحريات ومن لا أمان له ولا عهد ، ولن يحب سوى نفسه ومصالحه، والحرية التي يريدها منسوجة على قياسه وحده.
هو من يحب العزلة والانفراد بالحكم وغير مستعد للتخلي عنه والمطرقة ستبقى في يده حتى يأتي من يأخذها أو ينتزعها منه عنوة، ومن أجل ذلك قد يقتل أو يعتقل من يتزعمون الثورات أصدقاءهم وربما أقرب المقربين إليهم ومن كانوا سنداً لهم في مسيرة الكفاح وقد يفعلون أكثر من ذلك أمام شهوة السلطة ولذة الجلوس على الكرسي والتحكم بمصير البلاد والعباد، والقبض بيد من حديد على مفاصل الدولة.
في بال الدكتاتور أو في خلده أكثر من مقولة منها مثلاً : ” لا يوجد سوى سيد واحد في هذا البلد، هو أنا” أو ” أنا والرجال من بعدي” ويصل الأمر به إلى حد يقول فيه:” إذا لم أكن فلتحترق البلد من بعدي” أو قد يردد وهو يمضي :” إلى الجحيم”
أحياناً يظهر في بدايته وقبل أن يتسلم السلطة أو يستولي عليها ناعم الملمس وهو يشبه تلك الأفعى “اللاطية” في زاوية ما كي تنقض على فريستها، وأقواله تبدو غاية في اللطف والأناقة ولكن ما ينطق به اللسان قد يكون غير ذلك الذي يضمره القلب، وأفعاله عكس ما يقول، لأن فيه تلك النرجسية العالية التي يريد من خلالها الوصول إلى مبتغاه، ولكن من المؤكد أنه انتهازي من الدرجة الأولى، ولابد أن ينقلب على الأفكار والخطب والشعارات التي طرحها، وكأن ذلك الأمر لا يهمه ولا يعنيه بتاتاً، وما هو مهم بالنسبة إليه هو الكرسي الذي يجلس عليه.
يردد دائماً أن الدكتاتور لا يملك سوى مشروع الخراب وحسب، وقد يعود ذلك إلى نفسية ذلك الوحش الذي يتلبس ثياب الثورة ويتزعم حركة الإصلاح والتغيير من دون أن يملك البدائل لأنه مشغول بالأنا التي تتعاظم كل يوم، ولو انتهى به الأمر مثل الذي يغني على ليلاه، لقضي الأمر كما يقال، لكنه لا يملك أي ليلي لأن أنانيته مفرطة ولا يمكن أن يحب سوى نفسه، وبما أن النرجسية صفة ملاصقة لمثل تلك الشخصية، فهي أيضاً تتقن الكذب وتشويه السمعة من أجل تغطية عيوبها، والحب كسلاح لا كحاجة إنسانية.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



