نوافذ

الدم السوري وحفر القبور

محمد الحفري

لو أن الأرض مربعة لاختبأنا في زواياها، لكنها مستديرة ، لذا صار علينا أن نواجه الوجود. تلك عبارة قد تخطر على بال من يستشعرون الخطر والخوف، ومن يقعون في معمعة المواجهة الصعبة والفتن البغيضة التي تحدق بنا من دون أن نتنبه، وعندها لن نجد سوى القبور التي تفتح أشداقها منتظرة المزيد منا، ونكاد نجزم أن القبور هي المستقبل الذي ينتظرنا أو الخطة المرسومة لديارنا إذ لم نتوافق على عيشنا المشترك ونقتنع أن ما يجمعنا أكثر بكثير من الذي يفرقنا.

ليس ثمة من حاجة لتأكيد حرمة الدم الإنساني عموماً وقداسة الروح التي يجب أن تصان وتحفظ معها كرامة الإنسان ومتطلبات حياته وعيشه الحر الكريم، نقول ذلك على أعقاب ما جرى في بعض المناطق والمدن والبلدات السورية في إشارة إلى السوس الذي يريد أن ينخر ويخرب تلك الفسيفساء الجميلة التي تتصف بها بلادنا، والدم السوري ليس هيناً ولا رخيصاً ولا مباحاً كما يتصور من يريد إشعال الفتن في كل بقعة من هذه الأرض، وعلى كل من يفكر بحفر القبور لغيره أن يتوقع أن القبر التالي هو قبره وتلك نتيجة يجب التسليم بها من دون نقاش.

قبل سنوات الحرب لم يكن الكثير منا يعرف أو يفرق بين ” سني وعلوي واسماعيلي ومسيحي ودرزي ومرشدي وكردي” وغيرها من التصنيفات التي تسود اليوم، ولم نكن نركز كثيراً إذا كان الشخص الذي نكلمه من العشيرة الفلانية أو غيرها من العشائر، وإذا أردنا التوضيح أكثر كنا لا نهتم كثيراً لتلك التسميات أو لعلنا نخجل من ذكرها، ونكتفي بالقول أنه من تلك المدينة أو تلك المنطقة وحسب، وعني شخصيا أقول وعلى الرغم من القراءة التي أدمنها منذ وقت غير قليل، أو لعلني أدمنها منذ عمر، أقول أنني لم أسمع كلمة “الشيعة” إلا بعد الاجتياح الأمريكي للعراق وهذا ليس استخفافاً أو تقليلاً من قيمة أحد، فأنا أكن التقدير والاحترام لجميع المكونات، ومهمتي التي يفرضها علي القلب هي مد جسور المحبة صوب الاتجاهات كافة، وهو بالتأكيد ما يتحلى به غيري من أصحاب القلوب الوسيعة والكبيرة، كما أنه لا دخل لي في حساب الناس على معتقدهم، وما يؤمنون به، وأزيد على ذلك ما رويته غير مرة عن علاقتي بصديقي الروائي سهيل الذيب، والذي لم أكتشف أنه مسيحي إلا قبل سنوات قليلة من رحيله، والسبب في ذلك أننا لم نتناول موضوع الدين يوماً مع العلم أننا كنا نلتقي ونتبادل الزيارات بشكل مستمر.

“العرب من قضاياهم الكبرى مثل طفل شاهد عرساً عند الجيران، فطلب من والده عروسة، ولكن إذا ناوله الأب حبة ملبس، ألهاه عن العروسة” كما يقول الروائي اللبناني يوسف حبشي الأصفر والحرية كما يرى ليست إمكان فعل كل شيء، الحرية إمكان التخلي عن الملكية، نردد ذلك ونحن نلحظ نزعة الاستقلال والتخلي عن سوريا الأم يصدح صوتها في الكثير من المطارح، وبرأينا أن دولة المواطنة من حيث الحقوق والواجبات هي الحل الأمثل للجميع، ومن حقنا في سوريا بعد سنوات طويلة من الحرب والمحنة أن ننام بسلام وهدوء وأن نصابح قهوتنا ونحن نتأمل ما حولنا من جمال، ونتطلع نحو مستقبل يشرق علينا من جديد.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى