أحوال الدنيا

السلام بين “كولت 45 “و “دونالد 47”!!

د. فؤاد شربجي

بات مبدأ (السلام بالقوة) يتحكم بمصير العالم، أو على الأقل يشغل دول العالم حول مصيرها. هذا المبدأ الذي كرسه الرئيس الأمريكي الـ47 دونالد ترامب، ساعيا لتحقيق مكانته كـ (صانع السلام) في العالم. وكلنا تابعنا ونتابع سعي دونالد 47 للحصول على جائزة نوبل للسلام. والسؤال ما هو أصل حكاية (صانع السلام) في الثقافة الأمريكية؟؟!!

‏للمفارقة أطلقت صفة (صانع السلام) في أمريكا أولا على مسدس كولت 45. وبدءا من نهاية القرن التاسع عشر صار هذا المسدس (صانع السلام). وشاعت هذه الفكرة وانتشرت وترسخت في الثقافة الأمريكية. مسدس (صانع سلام). صحيح أنها فكرة مجهولة المصدر لكن شركة تصنيع الأسلحة كولت التقطتها واعتمدتها كدعاية إعلانية، وروجتها حتى ترسخت كحقيقة ثقافية في الأوساط الأمريكية.

‏فكرة أن المسدس يصنع السلام مستمدة من أنه بقتله للمتحدي ينهي الصراع، كما أنه كقوة نارية يمنع الآخر من استخدام النار في النزاع قبل أن يبدأ او يحمه بسرعة إذا بدأ. كما أنه يمنع الفوضى لأن إطلاق طلقة منه في الهواء تنهي شغبا، وتوقف فوضى. وحتى إذا تواجه الكولت مع كولت آخر، فإن (السلام هنا هو التوازن بالقوة). وبذلك ولدت أسطورة هذا السلاح ليصبح رمزا لقوة الأمة الأمريكية. وإذا كانت البندقية سلاح الحرب، فإن المسدس صار الملاذ الأخير للإنسان في الحرب والسلم.

‏ومن أوجه الشبه بين صانع السلام “كولت 45” وصانع السلام “دونالد 47” أن كلاهما يعتمد مبدأ أن (السلام يتحقق بالقوة لا بالقانون). وأن (السلام لا يفترض بل يفرض). وفي الثقافة الأمريكية شاعت فكرة خطيرة تقول أن (الله خلق الناس،وكولت جعلهم متساويين). وربما تتوازى هذه الفكرة مع ما كرره دونالد مرارا من أن (الله ما أنقذه من محاولة الاغتيال الا ليحقق السلام في العالم).

‏إذا كان دونالد 47 يؤمن أن سياسات الرؤساء الذين سبقوه كانت فاشلة. فإن كولت 45 كان أيضا معالجة لفشل سابقه وسلفه المسدس كولد 38 في حرب الفلبين. وبسبب هذا الفشل طلب الجيش الأمريكي من شركة كولت تصنيع مسدس أكثر فعالية. فأخترع جون براونينغ مسدس أكثر حسما وقوة وموثوقية وأطلق عليه اسم كولت 45. واهم ميزاته انه نصف آلي يعمل بنظام الارتداد. وربما أكثر صفات دونالد47 هي الارتداد عن قراراته إن وجد في هذا الارتداد دفعا له في تحقيق مصلحة تالية.

‏كولت 47 أصبح السلاح المعتمد لدى الجيش الأميركي. وأستعمل في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وفي حروب فيتنام وكوريا وافغانستان والعراق وفي الحرب السورية. وأصبح ايقونة في السينما والأدب وألعاب الفيديو. وصار منطلق التسليح والقوه العسكرية لجمعه بين القوة والبساط والموثوقية. وهذه كلها أهداف يسعى دونالد 47 لاكتسابها أيضا. خاصة تلك التي تقول عن هذا المسدس بأنه (لا يخطئ. لا يتعطل. ويحسم المعارك). وكما قدم في السينما كـ (اختصار بصري وأدبي للقوة والانضباط والحسم) كذلك رسخ في الثقافة الأمريكية على أنه (صانع سلام) وبالمثل يقدم دونالد 47 كل مواقفه وسياساته وقراراته على أنها (حكمة استراتيجية. وقوة تصميم. وطاقة حسم) تجعل منه أيضا (صانع سلام) و أيقونة الرئاسة القائمة على مبدأ (السلام بالقوة).

‏إن الثقافة في قاع الشعب الأمريكي تحتضن جذور تعبير (صانع السلام) لمسدس كولت 45. ودونالد 47 يسعى ليزهر على هذا الجذر كرئيس يتفتح السلام على يديه وينصبه (صانع سلام) حاسما للنزاعات ومنهيا للحروب بالقوة الدقيقة والجازمة الحارقة والقاتلة إذا لزم الأمر.

‏انه السلام الأمريكي بين دونالد 47 وكولت 45. وعلى العالم أن يفهم قدرات (صانع السلام) هذا وقوته وتصميمه وحزمه. وعلى العالم أيضا احترام كل ذلك. أو بالأحرى الإذعان له.

ونصيحة لمن يقرأ هذه المادة ألا يتأثر بمحتواها كما تأثرت أنا. وصرت كلما ذكر السلام أو صانع السلام قفز إلى مخيلتي المسدس أو دونالد 47 وهو يحمل كولت 45 .ولم لا؟! فقد تكون هذه الصورة الملصق المناسب للتعبير عن السلام وصانع السلام في هذا الزمان. لم لا؟!!

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى