اقتصاد

العراق أنفق أكثر من ملياري دولار دون أن يغادر مربع الأزمات

يعيش العراق اليوم حالة اقتصادية يصفها الخبراء بـ”المفارقة الكبرى”، فرغم كونه واحداً من أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية، إلا أنه يسجل إخفاقاً هيكلياً في إدارة الريع النفطي مقارنة بنماذج دولية وإقليمية ناجحة. هذا الإخفاق لم يعد مجرد أرقام في موازنات الدولة، بل تحول إلى أزمات مالية واجتماعية تهدد استدامة الدولة وقدرتها على تلبية التزاماتها الأساسية.

وكشف مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، في تقرير له، أن العراق ضخ منذ عام 2003 في موازناته العامة مبالغ “فلكية” غير مسبوقة، وصلت قيمتها الإجمالية إلى 2028 مليار دولار. إلا أن هذه الكتلة النقدية الضخمة لم تتحول إلى بنية تحتية صلبة أو قطاعات إنتاجية، بل استُنزفت في التضخم الوظيفي، حيث تحولت الدولة إلى “ربّ العمل الأكبر”، إذ تم ربط الاستقرار الاجتماعي بالتوظيف الحكومي العشوائي.

وتركز الإنفاق على الرواتب والدعم والنفقات التشغيلية، مما خلق اقتصاداً استهلاكياً يعتمد بنسبة شبه كاملة على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلية. كما أدى غياب آليات الادخار السيادي إلى جعل المالية العامة رهينة تقلبات أسعار النفط العالمية، مما يضع البلاد عند حافة الانهيار مع أي هبوط في الأسواق.

وأجرى المركز مقارنة للتجربة العراقية مع عدد من الدول، من بينها النرويج، لافتاً إلى أن هذا البلد يتمتع بقدرة هائلة على امتصاص الصدمات بفضل فصل الإنفاق عن تقلبات النفط وتحويل الفوائض لصندوق سيادي عالمي. كما أشار إلى نجاح الإمارات والسعودية في التنويع المبكر لمصادر الدخل والاستثمار في القطاعات غير النفطية.

وأدى فشل العراق في تنويع اقتصاده إلى تداعيات اجتماعية خطيرة، من بينها ارتهان الأمان المعيشي؛ حيث أصبح مصدر رزق ملايين العائلات مرتبطاً بقدرة الدولة على بيع النفط، مما يخلق حالة من القلق الشعبي الدائم. ونتيجة لهيمنة القطاع العام والإنفاق الاستهلاكي، تراجعت فرص العمل خارج القطاع العام، مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين الذين لم تعد الدولة قادرة على استيعابهم. كما أدى غياب التحول المؤسسي إلى تسرب أجزاء كبيرة من الريع النفطي بعيداً عن المشاريع التنموية التي تخدم الطبقات الهشة.

وأكد التقرير أن أزمة العراق ليست في نقص الموارد، بل في “فلسفة الإدارة”، لافتاً إلى أن استمرار استخدام الأدوات المالية ذاتها سيؤدي حتماً إلى تعميق الأزمة. وأشار إلى أن المسار البديل يتطلب ثورة إدارية تشمل: الانتقال من دور الممول المباشر و”الوظيفة الأبوية” إلى دور المنظم والمحفز للقطاع الخاص، وتأسيس صناديق سيادية فعلية تحمي الأجيال القادمة وتؤمن الموازنة ضد الصدمات، بالإضافة إلى توجيه الأموال نحو الصناعة والزراعة والتكنولوجيا لتقليل الاعتماد على الاستيراد وخلق فرص عمل حقيقية.

وبحسب المصدر نفسه، فإن النموذج المالي الحالي في العراق وصل إلى حدوده القصوى، وبات العجز عن تغطية الالتزامات الأساسية مؤشراً على قرب نفاد الوقت، مؤكداً أن الإصلاح ليس مستحيلاً، كما تثبت تجارب دول الجوار، لكنه يتطلب إرادة سياسية للانتقال من “منطق الإنفاق” الذي بدد تريليوني دولار، إلى “منطق بناء الاقتصاد” الذي يصون كرامة المواطن ومستقبل البلاد.

 

ميدل إيست اون لاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى