سلايد

العقيد الأمريكيّ والسياسيّ السابق ماكغريغور: تركيّا تحولّت للقوّة الإقليميّة المهيمنة …

زهير أندراوس

تتسّم العلاقات بين الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب بكيمياءٍ شخصيّةٍ قويّةٍ وتفاهمٍ براغماتيٍّ فريدٍ، وقد بلغت هذه العلاقة ذروتها التاريخيّة خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، والذي عُقِدَ الأسبوع الماضي. وتتمحور طبيعة العلاقة الحالية بين الزعيميْن حول الملفات الإستراتيجيّة والاقتصاديّة الآتية: الكيمياء الشخصيّة والتقارب السياسيّ.

 

الزيارة التاريخيّة الدبلوماسيّة، إذْ جاء ترامب إلى أنقرة لحضور قمّة الناتو، وصرح علناً بأنه ما كان ليحضر القمة لولا استضافة أردوغان لها ولولا العلاقة الخاصّة التي تجمعهما، ويأتي تفضيل أردوغان على حلفاء الناتو الآخرين بالتزامن مع إبداء ترامب إحباطه الشديد من قادة دولٍ أوروبيّةٍ (مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا) لعدم دعمهم لواشنطن في ملفاتٍ إقليميّةٍ، وأغدق ترامب بالمديح على أردوغان، ووصفه بـ “الصديق العظيم”، وأشاد بوفائه وقوة جيشه.

بالإضافة إلى ذلك هناك قنوات اتصالٍ مباشرةٍ، حيث يعتمد الزعيمان على التواصل الهاتفيّ المكثف، كما ساهم تعيين ترامب لصديقه المقرب توم باراك سفيرًا للولايات المتحدة في تركيّا في تسهيل هذه العلاقات المباشرة وتذليل العقبات الدبلوماسيّة.

بالإضافة إلى ما ذُكِر، تمّ رفع العقوبات الأمريكيّة وملف الطائرات (F-35) وإلغاء عقوبات (كاتسا)(، فقد أعلن ترامب رسميًا عن رفع العقوبات الأمريكيّة المفروضة سابقًا على تركيا وإزالتها من القائمة السوداء، وهي العقوبات التي فُرضت على أنقرة عقب شرائها منظومة الدفاع الروسيّ من طراز (إس 400).

أمّا مستقبل مقاتلات F-35 فقد أثار أردوغان ملف المقاتلات مجددًا، مشيرًا إلى “وعودٍ سابقةٍ” من ترامب بتسليم تركيا 5 طائراتٍ من طائرات الشبح المقاتلة، ورغم إعلان ترامب أنّ الإدارة الأمريكيّة تدرس بجديةٍ إعادة تركيا إلى البرنامج، فإنّه أوضح أنّ القرار النهائي لم يُتخذ بعد بشكلٍ قطعيٍّ نظرًا للقيود القانونيّة الأمريكيّة.

ويُشار في هذه العجالة إلى التباين حول غزة وإسرائيل، والدفاع عن أردوغان أمام نتنياهو، وقد برزت متانة العلاقة في موقف ترامب الذي دافع فيه عن أردوغان ضدّ الانتقادات اللاذعة التي وجهها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. حيث عارض نتنياهو بشدةٍ بيع طائرات F-35 لتركيا بدعوى أنّها “تخل بالتوازن العسكريّ”، إلّا أنّ ترامب طالب نتنياهو علنًا بأنْ يكون “عقلانيًا”.

كما حافظ ترامب واردوغان على البراغماتيّة رغم الخلاف الجذريّ، فعلى الرغم من الهجوم الحاد والمستمر من أردوغان على السياسات الإسرائيليّة في قطاع غزة، نجح الطرفان في عزل هذا الخلاف العقائديّ عن علاقاتهما الثنائية، بلْ وانضمّت تركيا إلى (مجلس السلام) الذي شكلّه ترامب للإشراف على وقف إطلاق النار في غزة.

أمّا فيما يتعلّق بالتنسيق في ملفات الشرق الأوسط وإيران وملف الحرب في إيران، فقد كشف ترامب النقاب عن أنّه طلب شخصيًا من أردوغان عدم التدخل أو الانخراط في الصراع العسكريّ الأمريكيّ-الإسرائيليّ ضد إيران، مثنيًا على التزام أردوغان بالبقاء خارج هذا الصدام الإقليميّ لتفادي توسع الحرب الشاملة.

من ناحيته، ركزّ العقيد الأمريكيّ المتقاعد والمستشار السابق لوزارة الدفاع (البنتاغون)، دوغلاس ماكغريغور، في تحليلاته على تحول تركيّا إلى القوة الإقليميّة المهيمنة في الشرق الأوسط، ويرى أنّ واشنطن بدأت تدرك هذه الحقيقة مدفوعةً بمخاوف استراتيجيّةٍ وتغيراتٍ جيوسياسيّةٍ متسارعةٍ.

ويمكن تلخيص رؤية ماكغريغور لطبيعة العلاقات الأمريكيّة التركيّة ومستقبل المنطقة في النقاط الآتية: الاعتراف بالقوّة التركيّة المتنامية، جيش ضمن الأفضل عالمًيًا، ويشدّد ماكغريغور على أنّ الجيش التركيّ يُعد بلا شكٍ ضمن أفضل خمسة جيوشٍ في العالم، ويعود ذلك لصلابة الجنديّ التركيّ وثقافة المحارب المتجذرة هناك، وليس فقط للتكنولوجيا العسكريّة.

كما يؤكِّد أنّ السياسة الأمريكيّة الأخيرة، مثل مناقشة صفقات طائرات F-35 ومحركات الطائرات، تعكس اعتراف واشنطن بأن أنقرة أصبحت أقوى من أن يتم تجاهلها، وأن تركيا لن تقبل بأن تكون مجرد “وكيل” أو تابع لأمريكا، بل ستتحرك وفق مصالحها القومية البحتة.

الانسحاب الأمريكي والتهديد البديل، ضرورة الانسحاب من سوريّة والعراق، إذْ دافع ماكغريغور بقوةٍ عن سحب القوات الأمريكية من شمال سوريّة والعراق، ورأى أنّ البقاء هناك لا يخدم أي مصلحة استراتيجية حيوية للولايات المتحدة.

فشل رهان الوكلاء، كما شدّدّ ماكغريغور على أنّ اعتماد واشنطن السابق على الميليشيات الكرديّة في سوريّة كوكيلٍ لها قد أثبت فشله أمام الضغط التركيّ وموازين القوى الاستخباراتيّة الإقليميّة.

تركيا كتهديدٍ مستقبليٍّ لإسرائيل، يشير ماكغريغور إلى أنّ إسرائيل بدأت تدرك أنّ التهديد الوجوديّ الحقيقيّ المستقبليّ لها قد لا يأتي من إيران، بل من تركيا، وحذر في أطروحاته من إمكانية تحرك الجيش التركيّ إقليميًا مدفوعًا بالغضب الشعبيّ العارم في تركيا تجاه الممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة.

سيناريو التصعيد الإقليمي (تركيا وإيران) والدور على تركيا، أثار ماكغريغور جدلاً واسعًا في الأوساط التركية بتحذيره من أنّ الخطط الاستراتيجيّة لبعض الأطراف في المنطقة (خاصة القيادة الإسرائيليّة الحاليّة) قد تضع تركيا كهدفٍ تالٍ بعد إضعاف إيران.

صحيفة رأي اليوم الألكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى