
لم يكتف المبعوث الأميركي توماس براك بوصف سلوك الصحفيين اللبنانيين بـ (السلوك الحيواني)، بل راح ليعم هذه “الحيونة” على شعوب الشرق الاوسط كله بقوله (إن هذا السلوك الحيواني للصحفيين هو ما يجري في الشرق الأوسط). أي هو “سلوك حيواني”. لم يحترم براك فضول وحماس الصحفيين اللبنانيين للحصول على معلومة. ولم يقدر اندفاع وفضول الصحفيين لمعرفة ما يجري خلف الأبواب المغلقة. ويبدو أنه نسي او تجاهل أو لا يعرف أن تسابق الصحفيين للحصول على المعلومة هو غريزة الصحفي المجتهد والمبادر. وكل هذه الصفات في الصحفي تنتمي للشغف والفضول والحرص والاندفاع للحصول على المعلومة، وليست أبداً “سلوكاً حيوانياً “. وما جرى في المؤتمر الصحفي في بيروت، حيث قال براك ما قاله حول “الحيونة”، يجري ويصدر عن صحفيين أمريكيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الأمريكي وبحضور الرئيس الأمريكي. وأبدا لم يخاطبهم أي رئيس بمثل ما خطابهم براك. ومؤخرا في قمة ألاسكا، اندفع الصحفيون الأمريكيون وهم يصرخون سائلين الرئيس ترامب وبوتين، وكان هرجهم وتسابقهم لتحصيل معلومة كبيراً وضاخاً وصاخباً لدرجة أن بوتين بكثير من الأريحية صرخ ردا على سؤال أحد الصحفيين (لا أسمعك). ولكن لا ترامب ولا بوتين اعتبرا ما بدرعن الصحفيين “سلوكا حيوانيا” كما فعل براك!
الرئاسة اللبنانية أصدرت سريعاً بياناً أكدت فيه احترامها للجسم الصحفي اللبناني بما يشبه الاستنكار لما صدر عن الضيف براك في مقر الرئاسة. كما كان وزير الإعلام اللبناني عاد وأعلن تقديره لعمل وجهود الصحفيين اللبنانيين بشكل ينتقد ما صدر عن براك، ولو بشكل غير مباشر. ولكن ما يتعلق بـ (حيونة الشرق الأوسط) التي صدرت عنه، لم يعلق عليها أحد. رغم أنها صدرت عن براك استطرادا لوصفه لسلوك الصحفيين. تم الدفاع عن الصحفيين أما شعوب المنطقة فلم يدافع عنها أحد لينطبق عليها الإهمال وتركها باعتبار ان (لها رب يدافع عنها).
المصيبة أن يكون ما قاله براك عن الشرق الأوسط هو قناعة لديه عن شعوب المنطقة. والكارثة أن يكون بالفعل مقتنعا بأن (ما يجري في منطقتنا ما هو إلا “سلوك الحيواني”). لانه بهذه الحالة نصبح أمام مبعوث أمريكي يسعى لمعالجة “حيونة” الشرق الأوسط. والتساؤل يصبح ملحاً: أي أساليب يتبعها حقيقة في معالجة “السلوك الحيواني” لشعوب المنطقة؟؟ وبأي أدوات وسياسات؟؟؟
يبدو أن توماس براك كما فاته طبيعة العمل الصحفي فاته أيضا أن هذه المنطقة أرض الحضارات، ومهبط الديانات، وبيئة نبوغ الأفكار العظيمة على مدار التاريخ. اما “السلوك الحيواني” فهو ما حاول أعداء هذه الأمة زرعه في بعض النفوس للاستثمار فيه عبر دفعنا نحو الهاوية. واي مدقق منصف في تاريخ منطقتنا لابد أن يكتشف كيف قام الغرب باستغلال الدين ودفع روح الإسلام الجامعة للأمة ليكون ايديولوجيا تفرق الشعوب، وتخلق تطرفا أخذته الدوائر الاستخبارية الغربية ليصبح أكثر تشددا وإرهابا ووظفته في خدمة مصالحها. هذا (السلوك الشيطاني الغربي) في تحريف وتشويه روحية المنطقة، هو المسؤول عن أي “سلوك حيواني” فيما يجري فيها. ومن يتلفت حوله لابد أن يحس ببصمات هذا الغرب في دعم دكتاتوريات كسرت شعوبنا. وتنصيب استبداديين قمعوا وقهروا إنساننا. وتخصيب العنف الأهلي الذي سمم روحنا. وتطبيع بعض الإرهاب ليتحكم بحياتنا خدمة للغرب ومصالحه. والسؤال: هل يسهو براك عن كل ذلك ليبرئ الغرب الذي يمثله بانهامنا وتحقيرنا كما فعل في المؤتمر الصحفي في بيروت.
عذرا مستر براك، الصحافة اللبنانية عميقة الإنسانية. واضحة التميز بإبداعها الإنساني. والشرق الأوسط بشعوبه ورغم ما أبتلي به من حكام يخدمون الغرب ما زال بيئة إنسانية تنتج الخير الإنساني وتشاركه مع العالم كله. وإذا كنا نمر ببعض الأزمات والمشاكل والنكسات، ونحتاج للمساعدة الأمريكية في حلها، فإننا ننطلق في طلب هذه المساعدة من افتراض تقدير أميركي لقدرات بلادنا. ومن إحساس كبير بأن الإدارة الأميركية تعرف أننا خبراء بقضايا ومشاكل البشر والمجتمعات الإنسانية. وأن شعوبنا مهما عظمت مشاكلها فإنها تملك مخزونا من الخبرة التاريخية والإنسانية يؤهلانها للخروج من النفق. ولا تحتاج أبدا لمن يعاملها على أساس أن “سلوكها حيواني”. ولا حول ولا قوة إلا باللهّ!!
بوابة الشرق الأوسط الجديدة