
في ذلكَ المساءِ الضيق كخرمِ إبرةٍ
كنتُ ممتلئاَ بالخيباتِ
الأصدقاءِ نسوني
فعلوا ذلكَ منذ أول عثرةٍ
ومذ صرتُ بينهم غريباً
صافناً في وحدتي الأزليةِ
حيث قلعتُ وجهي
الذي لم يعد يلفتُ أياً منهم
شلعتُ قلبي
وشلحتُ قمصانَ روحي
كي أسترَ عريهم
ولم يفدني ذلكَ حينَ تركوني للغبار
يقال:” الحكم عقيم” وقد قتل الكثير من الأصدقاء أصدقاءهم طمعاً بالسلطة والمال، وحصل ذلك بين رفاق الثورة والسلاح، والأمثلة كثيرة ولا تحصى على ذلك، وحين كتبت الكلمات السابقة ضمن نص طويل، قصدت بعض الأصدقاء الذين كانت تربطني بهم علاقات طيبة ووطيدة، تحولت إلى جفوة، زادت اتساعاً، ثم صوبت نحو هوة سحيقة، والمهم أنني طوال عمري ولأسباب ربما تكون خاصة، أبتعد عن الأصدقاء الذين تسلموا مسؤوليات أو مناصب، وكنت أرد على عتاب بعضهم بابتسامتي المعتادة، واعداً بالزيارة في أقرب فرصة أو وقت متاح، ولم يحن ذلك الوقت الذي أتحدث عنه إلا مرات لا تذكر، وذلك يعود لقناعة تسكنني أن ذلك المسؤول الصديق لم يعد صديقي، أو لعل صداقتنا مؤجلة حالياً، أو هي في حالة وقف التنفيذ في تلك المرحلة، وكنت أقول لمن يبلغني دعوة ما :” سأزوره حين ينزل عن الدرج”
ذلك الكلام ليس تكبراً، وليس من باب”شوفة الحال” كما يرددون، بل من باب القناعة أن ذلك الصديق المسؤول سواء كان وزيراً، أو رئيساً لدائرة ما، ومهما تسلم من مناصب لن يفيدني في شيء، فأنا أمتهن الحزن والكتابة، وهو لن يجعلني كاتباً إن لم أكن كذلك.
الكراسي لها سحرها الخاص، وهي بالتأكيد تؤثر على أعتى الرجال، وتغيرهم وتقلبهم من حال إلى حال، ولا يستثنى من ذلك إلا القلة القليلة، ولذلك، فالارتباط بالمسؤول قد يعني تبني وجهة نظره أو الدفاع عنها، وتبرير تصرفاته، وهذا يعني دخولي في دوامة صراعه مع غيره، وأنا لا أريد ذلك، ورغبتي في الصفاء والهدوء لا تعادلها أي رغبة، وفرحتي ستبقى منقوصة إذا لم أنجز عملاً فنياً، أو أدبياً.
ما أكثر الأصحاب حين تعدهم
ولكنهم في النائبات قليل.
بيت شعر قيل في زمن سالف، ثم صار حكمة وقولاً مأثوراً، لأن الصديق الحقيقي لا يتم العثور عليه بسهولة، والإنسان قد يغادر هذه الدنيا، وليس لديه سوى عدداً محدداً من الأوفياء الذين يعرفون ويدركون أهمية الصداقة، لكنني على كل حال، أترك الباب موارباً لعودة صديقي بعد أن يترك منصبه أو المكانة التي كان يشغلها، وإن لم يكن الأمر كذلك فالمجال مفتوح على ذكرى جميلة جمعتنا ذات وقت، والقلب يرف ويحن إليها على الدوام، ولهذا السبب قلت ذات حنين:
الذكريات نبقت فجأة
وكنت أريد أن أعاتب الأصدقاء
أو من كنت أظنهم أشقاء روحي
والذين يبغتون في الليل
وفي الأوقات كلها كما هي عادتهم
أسامح الآن من مددت لهم قلبي فراشاً
وألتمس لهم العذر، لأن دمي ليس غالياً
لكنني أسألهم في هذا الوقت
هل يعقل أننا لم نشرب الشاي والقهوة معاً؟
ألم نأكل ولو لقمة في تلك الوديان ؟
ألم نتسامر طويلاً في تلك المضافات؟
وأين هو الملح يا أولاد ..؟
قبل أن ننهي علينا الاعتراف أن العثور على صديق من دون عيوب هو أمر يكاد يكون مستحيلاً، لأن طبيعتنا الإنسانية تحتم علينا وجود الأخطاء والعيوب، ولكن التقليل منها قدر الإمكان هو الهدف المنشود، وقد قيل:” الغنى ليس بالمال، بل بالأصدقاء” فهل ينفع الأصدقاء في زمن تغول فيه المال، وسطت فيه الشهوة للاستيلاء على كل شيء؟
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



