المصالح الإيرانية في ميزان التغيّـر السوري (محمد علي سبحاني)

 

محمد علي سبحاني *
إعداد محمد صالح صدقيان

 

شهدت الأحداث السورية عدداً من المتغيرات، وهي اليوم تدخل شهرها العشرين. واندلعت على الجبهة السورية-الإسرائيلية مناوشات مسلحة كانت الأولی من نوعها منذ أكثر من 40 سنة. واجتمعت المعارضة السورية في الدوحة لتنتخب هيئة جديدة وتشكل جبهة. وتزامنت هذه التطورات التي تؤثر في الوضع السوري، مع فوز الرئيس الأميركي باراك أوباما بولاية جديدة.
فالطلقات التحذيرية التي أطلقتها إسرائيل رداً علی تغلغل دبابات سورية داخل الأراضي السورية المحتلة هي الأولى منذ الاحتلال الإسرائيلي لهذه الاراضي في 1973. والحادثة هذه أسدت خدمة كبيرة إلى الحكومة السورية المنشغلة بجبه حراك الداخل وتخفف الضغوط الداخلية علی الحكومة ومشروعها مع المعارضة. ولا يستهان بأهمية عقد اجتماع الدوحة وتشكيل الائتلاف الوطني السوري، علی رغم أن مهمة هذا الائتلاف لم تتضح بعد.
وإذا قيست أحداث سورية بمثيلتيها في كل من مصر وتونس، يظهر أن هناك سببين أديا إلی عدم إحراز المعارضة في سورية نجاحاً سريعاً، أولهما تماسك القوات المسلحة السورية، والثاني الخلافات بين عناصر المعارضة. وعلی رغم كل الأحداث، لا تزال القوات الموالية للأسد متماسكة، في وقت تسعى الدول الغربية والعربية إلى رص صفوف المعارضة، ويندرج تشكيل الائتلاف الوطني وانتخاب معاذ الخطيب في إطار هذه المساعي. وثمة إجماع على أن قيادة الائتلاف انتُخبت انتخاباً يراعي تمثيل أوسع شرائح المعارضة، ويقدم صوت المعارضة المعتدلة في الخارج.
ودعم الدول الإقليمية والولايات المتحدة والدول الغربية للائتلاف السوري يشير إلى الرغبة في ترتيب البيت السوري قبل الاعتراف بالائتلاف ممثلاً وحيداً للشعب السوري. والائتلاف سيقطف تعاظم الدعم العسكري والسياسي الغربي والعربي له إذا نجح في توحيد فصائل المعارضة.
وعلی خلاف تصور بعضهم، لا يسع الفيتو الصيني والروسي وعمليات قمع المعارضة، الحؤول دون اتساع الأزمة. وفي ضوء تنامي الرغبة العربية والغربية في إطاحة الأسد ودعم المعارضة، من العسير توقع حياة مديدة لحكم بشار الأسد. ولا شك في أن الفيتو الروسي والصيني وقف أمام إصدار مجلس الأمن قراراً يدين سورية، ولا ريب كذلك في أن بكين وموسكو لا ترغبان في حرب مع الغرب حول سورية. وإذا أيقنتا أن تسليح المعارضة يقترب من إسقاط الأسد، اضطرتا إلى التصالح مع الأميركيين والغرب.
تتجه المعارضة السورية إلی زيادة تسلحها وحيازة مضادات للطائرات والمدرعات. وتُعِدّ الدول الغربية لتأمين حاجات المعارضة، وعندها لن تبقى الأوضاع (توازنات القوى) في سورية على ما هي اليوم.
ولم يخفَ انشغال الإدارة الأميركية في المرحلة السابقة بالانتخابات الرئاسية. وظهر أثر الانشغال هذا جلياً في الملفات الإقليمية. لكن فوز الرئيس أوباما في هذه الانتخابات ورغبته في تشكيل فريق عمل أكثر فاعلية يعنى بشؤون الشرق الأوسط، والأزمة السورية على وجه التحديد، يشرع الأبواب في سورية على التغيرات التي قد تبرز في المرحلة المقبلة.
ويرجح أن فوز الجمهوريين كان سيؤدي إلی استخدام العنف في سورية، لكن فوز الديموقراطيين يغلب كفة القوة الناعمة للضغط علی الحكومة السورية. فسياسة الديموقراطيين لقيت صدى طيباً لدى الأسرة الدولية، فهم أكثر حنكة من الجمهوريين علی الصعيد الدولي وفي السياسة الخارجية، وأدبياتهم أقرب إلی أدبيات الأسرة الدولية، فالرئيس اوباما توسل خطاباً أقرب إلى شعوب الدول من خطاب الجمهوريين، والسياسة الأميركية إزاء سورية مثال علی ذلك: سعت واشنطن إلی إشراك دول في عدد من الأزمات نيابة عنها. وإيران لم تكن في منأى من هذا التوجه، وإذا قررت حل مشكلاتها مع الأسرة الدولية يبدو أن الفرصة سانحة مع أوباما. أما إذا أرادت أن تلجأ إلی خيار المواجهة، فإن الجمهوريين كانوا ليلائموا أكثر مثل هذا الخيار، فهم عجزوا عن التعاون مع الأسرة الدولية. والديموقراطيون يرفعون لواء حقوق الإنسان، والديموقراطية، والحريات المدنية، وخطابهم يستميل الأسرة الدولية. وعليه، تفوق قدرة أوباما علی تعبئة الرأي العام العالمي ضد طهران قدرة الجمهوريين. واحتساب هذا الجانب من المسألة يفترض أن يكون محط أنظار صاحب القرار في إيران.
ولم تتخذ إيران إلى اليوم موقفاً إزاء الائتلاف السوري. وثمة اعتقاد أن المرحلة المقبلة ستشهد ظروفاً مختلفة علی الصعيدين الإقليمي والدولي. ولذلك، طهران مدعوة إلى اتخاذ مواقف واضحة، ونأمل من السلطات المختصة أن تلتزم الواقعية إزاء التطورات اللاحقة من اجل الحفاظ علی المصالح الإيرانية .

* سفير إيران السابق لدى الأردن ولبنان، عن موقع «ديبلوماسي ايراني» الإيراني، 16/11/2012.

صحيفة الحياة اللندنية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى