تحليلات سياسيةسلايد

النزوح الأصعب منذ بدء الحرب: ضيق الخيارات يحاصر الغزيين

على الطرقات المؤدية من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، تتكرّر مشاهد النزوح الجماعي: عائلات تحمل ما تيسّر من أمتعة على عربات تجرّها الحمير، أو فوق شاحنات صغيرة بالكاد تسير في ظل أزمة الوقود الخانقة، بينما آخرون يمضون مشياً على الأقدام تحت شمس لاهبة، يجرّون أطفالهم ويصطحبون ما استطاعوا من طعام وماء وبطانيات. وفي المقابل، يصرّ كثير من السكان الفلسطينيين على البقاء في بيوتهم المهدّمة أو بين أنقاضها، رافضين مغادرة مدينة غزة مهما اشتد القصف. يقول هؤلاء إن النزوح هذه المرة قد لا يكون إلى جنوب القطاع فحسب، بل ربما إلى خارج غزة كلها، في إطار مشروع تهجير قسري لا يبدو أن إسرائيل يئست منه.

وكان أعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مطلع الشهر الحالي، عزم حكومته السيطرة على مدينة غزة، وإجبار ما يقارب 900 ألف شخص من سكانها والنازحين إليها على الرحيل، في عملية عسكرية ستستمر لأشهر. وأعاد هذا القرار إلى الأذهان المشهد الأول للحرب، عندما طالبت إسرائيل أكثر من مليون فلسطيني بمغادرة شمال القطاع خلال 24 ساعة فقط في تشرين الأول 2023. ومنذ ذلك الحين، استمرت آلة الحرب بلا توقف على مدى 22 شهراً، فحصدت أرواح ما يزيد على 62 ألف شخص، وأصابت أكثر من 156 ألفاً بجروح متفاوتة، فيما أُبيد أكثر من 70% من العمران تحت القصف والدمار.

ملامح متوتّرة

في أحد أزقة مدينة غزة، يكدّس أبو محمد الخالدي بعض الملابس القليلة داخل حقيبة قديمة، استعداداً لمغادرة منزله مع أسرته نحو جنوب القطاع. يقول الرجل الأربعيني بصوت متقطّع: «لم أكن أتصور أنني سأصل إلى هذه اللحظة. كنت أظن أنني سأموت في بيتي قبل أن أتركه، لكن الجيش الإسرائيلي سيدمّر المدينة، وكل من يبقى هنا سيكون مصيره إما القتل أو الدفن تحت الركام».

ويصف الخالدي، في حديثه إلى «الأخبار»، كيف قضى ليلته الأخيرة في المدينة، قائلاً: «كانت أصعب ليلة في حياتي. القصف لم يتوقف دقيقة واحدة، الطائرات المُسيّرة لا تغادر السماء، ترمي قنابل صغيرة فوق أسطح المنازل وكأنها تذكّرنا بأن دورنا سيأتي. لم أنم لحظة، وأطفالي بكوا طوال الليل من الخوف. ابني الصغير تشبّث بي وهو يقول: بابا، لا أريد أن أموت». ويضيف: «هذا البيت بنيته بسنوات من التعب، والآن أتركه وكأنه لا شيء. لن أحمل معي سوى بعض الملابس، بطانيتين، وزجاجات ماء. الباقي سيبقى هنا ليتحوّل إلى غبار».

ولدى سؤاله عن شعوره وهو يستعدّ لمغادرة المدينة، يجيب وهو يجرّ حقيبته نحو الباب: «غزة ليست مجرد بيت أو شارع، هي روحنا. تركها يشبه اقتلاع القلب من الجسد. لكنني لا أملك خياراً آخر. أريد فقط أن أحمي أولادي. سأرحل إلى الجنوب، لكنني أعلم في داخلي أنني أترك خلفي جزءاً مني لن يعود». ثم يتوقف لحظة، ويرفع نظره إلى السماء حيث تحلق الطائرات الإسرائيلية بلا انقطاع، ويقول: «هذه ليلتي الأخيرة هنا. غداً سأصبح نازحاً آخر بلا بيت. لكنني سأبقى فلسطينياً مهما حاولوا محونا».

أما في حي النصر غرب مدينة غزة، فتجلس السيدة أم خالد عزام (38 عاماً) داخل منزلها المتصدّع، بينما دوّى صوت انفجار قريب منها جعل النوافذ تهتز. بدت المرأة ثابتة وهي تتحدث عن قرار عائلتها الصعب البقاء في المدينة، مهما اشتدّت الظروف. وفي حديثها إلى «الأخبار»، تقول بحزم: «لن نغادر هذه المرة. جرّبنا النزوح من قبل بين تشرين الأول 2023 وكانون الثاني 2024، وكانت تلك تجربة لا تُنسى من القسوة. كنا نتنقل من مكان إلى آخر في مدن ومخيمات جنوب القطاع وكأننا غرباء في أرضنا.

لا ماء ولا طعام، والأطفال يبكون من الجوع والعطش، والأسوأ من ذلك أنّك تشعر طوال الوقت أنّك ضيف ثقيل عند الآخرين». تستعيد تفاصيل معاناتها السابقة، وتضيف: «كنت أستيقظ كل صباح في مخيم إيواء مكتظ بالناس، وأشعر أننا عائلة بلا بيت، بلا عنوان. لم يكن هناك أي استقرار، فقط قلق دائم وذلّ الانتظار. ذلك الشعور بالتيه كان أكثر ما يقتلني من الداخل».

ومع أن الوضع الإنساني اليوم لا يقلّ صعوبة عمّا كان عليه في السابق، تؤكد أم خالد أن خيارها مختلف: «صحيح أن الطعام قليل والماء بالكاد يكفينا، لكنني أفضّل البقاء في منزلي. حتى لو لم يبقَ لدينا إلا القليل، سنقتسمه هنا»، لافتة إلى أن «النزوح مرة أخرى يعني أن نفقد غزة نفسها. أشعر أن من يغادر هذه المرة قد لا يعود أبداً إذا سيطر الجيش الإسرائيلي على المدينة». تنظر أم خالد حولها، إلى أثاث متواضع وصور قديمة معلّقة على جدار متشقّق، لتقول إن «هذا البيت قد يُقصف في أي لحظة، لكن على الأقل نموت فيه واقفين. النزوح لا يعني فقط مغادرة المنزل، بل مغادرة الروح. وأنا لن أسمح لهم أن يسلبوا روحي».

تجربة شخصية

قبل أيام قليلة، وجدت نفسي أقف في منتصف منزلي المؤقّت وسط مدينة غزة، أراقب المشترين وهم يحملون قطع أثاث واحدة تلو الأخرى. كان مشهداً موجعاً بالنسبة إلي، ليس لأنني أفرّط في شيء مادي، بل لأن كل قطعة أثاث تحمل ذكرى مخدوعة بالأمل. اشتريتُ هذا الأثاث قبل أشهر فقط، بعد أن دُمّر منزلنا الأول الذي نشأت فيه مع بداية الحرب. يومها أقنعت نفسي بأننا سنعيد بناء حياتنا، وأن الحرب لن تدوم إلى الأبد. أردت أن أستعيد شيئاً من الاستقرار لأطفالي.

لكنّ الحقيقة قاسية؛ إذ اضطررت الآن إلى بيع كل ما استطعت من متاع المنزل بثمن زهيد، حتى لا يضيع تحت أنقاض قصف جديد أو يُنهب بعد اجتياح متوقّع، بينما ما تبقّى لنا لا يتجاوز البطاطين، وفُرش النوم، وبعض الطعام والماء القليل، وجهاز الحاسوب المحمول الذي صار وسيلتي الوحيدة لأحكي قصتنا للعالم.

والواقع أنني لا أرغب إطلاقاً في مغادرة غزة؛ فهذه المدينة هي طفولتي وذكرياتي وجذوري. لكنني أعلم في قرارة نفسي أنه إذا تقدّم جيش الاحتلال من جهة الغرب، فلن يبقى أمامي خيار آخر سوى النزوح مجدّداً، هذه المرة جنوباً، وربما نحو المجهول. وفي سبيل مواجهة ذلك، قرّرت الانتقال من منزلي المؤقّت وسط المدينة، إلى خيمة نصبتها فوق ركام منزلي المدمّر في بداية الحرب غرب غزة. وكلما فتحت حاسوبي المحمول داخل الخيمة لأكتب تقريراً صحافياً، أشعر أنني أنقذ شيئاً من نفسي، من هويتي، من مدينتي التي تُمحى أمام عينَيَّ. ومع كل كلمة أكتبها، يزداد يقيني بأنني، مهما حملت معي من أمتعة، فلن أستطيع أن أحمل غزة كلها، لكنني سأحمل صوتها ووجعها أينما ذهبت.

 

 

صحيفة الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى