تحليلات سياسيةسلايد

النقابات الأمنية بتونس تواجه مأزق تقديم خدمة مجانية لأجندات سياسية

نشبت مواجهات متفاوتة بين أمنيين و النقابات الأمنية في مناطق مختلفة من تونس أبرزها في صفاقس (جنوب) وفي مطار تونس قرطاج الدولي بالعاصمة، الأمر الذي طرح مسألة مدى تماسك جهاز الشرطة في تونس الذي مر بتحولات عديدة منذ ثورة 2011.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لعنف متبادل بين أمنيين معتصمين في صفاقس  وزملاء لهم في نفس الجهاز وحرق عجلات مطاطية وإثارة الشغب بالطريق العام.

وخلفت المواجهات عددا من الجرحى بسبب تبادل العنف البدني واستعمال الغاز المسيل للدموع لإزالة خيمة الأمنيين المعتصمين أمام مقر إقليم الأمن الوطني (مديرية الشرطة).

ولم يكن المشهد مختلفا كثيرا في محافظة نابل (شمال شرق) حيث أزيلت خيمة الاعتصام بالقوة. وتكرر نفس الأمر في محافظة القصرين (وسط غرب) لكن مع تسجيل مشاهد عنف أقل حدة.

وشهد مطار تونس قرطاج مساء الخميس، تدافعا وتشابكا بالأيدي بين أمنيين ونقابيين أمنيين بسبب محاولة فض اعتصام نقابة قوات الأمن داخل المطار بالقوة.

وشرع النقابيون الأمنيون في نصب خيام وتنفيذ اعتصامات احتجاجا على ما يعتبرونه نية السلطات “التضييق على العمل النقابي للأمنيين”.

وأصدرت النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي مساء الأربعاء بيانا أعلنت من خلاله الدخول في سلسلة من الاعتصامات الجهوية أمام المقرات الأمنية.

وزير الداخلية يأمر بإيقاف الاقتطاع من أجور الأمنيين لفائدة النقابات الأمنية ابتداء من شهر سبتمبر

وأعلن البيان أنه سيتم اتخاذ جملة من “القرارات التصعيدية الأخرى”خلال الجلسة العامة المقرر عقدها يومي 6 و7 أيلول/ سبتمبر الجاري، بناء على ما ستؤول إليه وضعية النقابييْن المحاليْن على القضاء.

وتم خلال الأسبوع الماضي إيقاف الكاتب العام الجهوي لنقابة قوات الأمن الداخلي بقابس (جنوب) وعضو نقابة إقليم الأمن بصفاقس، وإحالتهما على القضاء العسكري، الأول بسبب طريقة انتقاده على الفيسبوك لدعوة سعيد توحيد النقابات الأمنية، والثاني بسبب دعوته زملاءه الأمنيين “للعصيان” وعدم تأمين التظاهرات الفنية.

وتفجرت الأزمة بين النقابات الأمنية والسلطة التنفيذية (رئاسة الجمهورية ووزارة الداخلية) مطلع أغسطس/ آب المنقضي، بعد رفض الأمنيين تأمين العروض المسرحية للمثل الفكاهي لطفي العبدلي وإيقاف عرضه في صفاقس بالقوة.

واتهمت النقابات الأمنية العبدلي بإهانة الأمنيين عبر حركات “غير أخلاقية” توجه بها إلى الأمنيين الذين كانوا يؤمّنون عرضه بمسرح صفاقس.

واحتج الرئيس التونسي قيس سعيد على تصرف الأمنيين واعتبر تصرفهم إضرابا عن العمل، مذكّرا بأن الدستور التونسي يحجر الإضراب على الأمنيين.

وجدد سعيد مقترحه بتوحيد النقابات الأمنية في تونس في هيكل واحد يحمل اسم الاتحاد العام التونسي لقوات الأمن الداخلي، وهو ما رفضته معظم النقابات الأمنية.

وعلق العبدلي على أحداث العنف بين الأمنيين بتدوينة فيسبوكية قال فيها “سيحاسبون انتهى العبث”. وأضاف في تدوينة لاحقة “انتهى زمن الانتصاب العشوائي للنقابات الأمنية بقوة الدستور الجديد المنظم للدولة”.

وأصدر وزير الداخلية توفيق شرف الدين قرارا يقضي بإيقاف الاقتطاع من أجور الأمنيين لفائدة النقابات الأمنية ابتداء من شهر سبتمبر الجاري، الأمر الذي اعتبرته النقابات تحريضا ودعوة غير مباشرة للأمنيين للانسلاخ منها

وصرحت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الداخلية فضيلة الخليفي لوسائل الإعلام المحلية، الجمعة، أن “الخيام التي نصبها النقابيون أمام المقرات الأمنية تربك العمل الأمني وتضر بالمصلحة العليا للدولة”، مضيفة أن “الوزارة لم تنتهج منطق القوة مع النقابيين بل دعتهم للتفاوض لرفع الخيم لكنهم تعنتوا”.

وأشارت الخليفي إلى “حصول تجاوزات من قبل المعتصمين أثناء إزالة الخيام وتسجيل اعتداءات على عدد من الأمنيين من قبل النقابيين”، مشددة على أنه “تم فتح تحقيقات عدلية بشأنها”.

وعلق رواد الفيسبوك على الصدامات بين الأمنيين بأنها “نيران صديقة”، فيما استغرب العديد من المتابعين مما حصل واعتبروه تصعيدا خطيرا يجب حله بالحوار بعيدا عن محاولات البعض لتكريس الانقسام داخل الجهاز الأمني الذي قد يحقق المصالح السياسية لبعض الأحزاب والأطراف المناوئة لمسار 25 يوليو 2021.

وأبدى الخبير الأمني والعقيد السابق بالحرس الوطني علي الزرمديني استغرابه، قائلا في تصريح خاص لـ”ميدل إيست أونلاين” إنها سابقة ولم يحصل أن تصادمت قوات الأمن فيما بينها.

وطالب الزرمديني الطرفين بتوخي الليونة وتجنب الاستفزاز خاصة وأن “الوضع الأمني الدقيق لا يتحمل أي شكل من أشكال التصعيد”، مضيفا أن “على المؤسسة الأمنية أن تعطي الدرس في الانضباط وتنفيذ القانون بعيدا عن محاولات التجييش أو الاستغلال السياسي لبعض الأطراف التي لا تريد خيرا لتونس”.

واستبعد أن تكون هناك نية لحل النقابات ومنع العمل النقابي الأمني، مشيرا إلى أن “النقابات الأمنية باتت أمرا واقعا”، مطالبا النقابات بـ”تنقية أجوائها والالتزام بدورها المهني والاجتماعي لا غير”.

وينتقد مراقبون إفراط بعض النقابيين في استغلال صفتهم النقابية والأمنية لتجاوز القانون الأمر الذي بات ينذر بما يسمونه “تغول النقابيين” أو “الدكتاتورية النقابية الأمنية”.

ومر جهاز الشرطة في تونس بعد أحداث 2011 بتحولات جذرية. فبعد أن كان يوصف بأنه عصا السلطة الغليظة زمن الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، أعلن اصطفافه إلى جانب الشعب ومد يده للمصالحة وشرع في اعتناق مبادئ الأمن الجمهوري.

وفي تلك الفترة نشأت النقابات الأمنية ونجحت في مرحلة أولى في ربط علاقات “ودية” مع المواطنين ومارست سياسة التواصل المباشر لتقريب صورة شرطي الشعب وليس شرطي السلطة إلى أذهان التونسيين.

وتم السماح بتكوين تلك النقابات بمقتضى المرسوم عدد 42 لسنة 2011 الذي يفرض عليها الخضوع لسلطة الإشراف الإداري وهي وزارة الداخلية، ويُلزمها بالاستقلال عن الهياكل النقابية المدنية الأخرى كالاتحاد العام التونسي للشغل.

 

ميدل إيست أون لاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى