الهجوم يتجدد على ‘القيصر’ مع فتحه جراح المعتقلين

رابطة عائلات قيصر تعتبر أن معاناة الضحايا لا يمكن اختزالها في عمل درامي، مؤكدة أن مسار العدالة والحقيقة يسبق أي إنتاج فني يتناول هذه القضية.
أعربت رابطة عائلات قيصر عن رفضها القاطع لمسلسل “القيصر–لا مكان لا زمان”، معتبرة أن معاناة الضحايا لا يمكن اختزالها في عمل درامي، ليتجدد الجدل حول المسلسل الذي يبرز قضية إنسانية شديدة الحساسية وسبق أن واجه انتقادات من عائلات المعتقلين والمفقودين في سجن صيدنايا.
وأكدت الرابطة في بيان نشرته على منصة فيسبوك، أن آلام عائلات ضحايا “صور قيصر” والمغيبين لا تزال مستمرة، وأن تحويل هذه المأساة إلى مادة لسيناريوهات تجارية يعد مساسا بكرامة الضحايا واستخفافا بمعاناة ذويهم.
وشددت الرابطة على أن الأولوية يجب أن تكون لكشف الحقيقة كاملة بشأن مصير الموقوفين والمغيبين، وتحديد أماكن وجودهم، وتسليم الرفات إلى عائلاتهم بما يحفظ كرامتهم، مؤكدة أن مسار العدالة والحقيقة يسبق أي إنتاج فني يتناول هذه القضية.
كما أعربت عن استنكارها لمشاركة ممثلين عرفوا بمواقف موالية للنظام السابق أو بمواقف اعتبرتها مستهزئة بمعاناة العائلات، مشددة على أن من دعم النظام لا يمتلك الأهلية الأخلاقية لتجسيد قصص الضحايا.
وختمت الرابطة بيانها بالتأكيد أن قصص أبنائها تمثل أمانة تاريخية لا تباع ولا تشترى، محذرة من أن تقديمها في إطار ترفيهي وتحت إشراف جهات متورطة من شأنه أن يشكل تزييفا للوعي وتشويها للحقيقة.
وأثارت البيان ضجة واسعة، وعلقت الكاتبة ريما فليحان على الجدل حول المسلسل، موجهة نصيحة لصناع دراما كمختصة نفسية بأن لا يقتربوا من وجع الناس وجراحهم مفتوحة دون معالجة نفسية للنصوص وقبل أن ينكشف مصير أبنائهم، فالمسألة تستلزم مزيدا من الوقت.
ووجه ناشط آخر تساؤلا لصناع العمل مع بدء عرض المقطع الترويجي للمسلسل، قائلا أن “السؤال اليوم ليس عن التوثيق… بل عن التوقيت، وعن المشاعر، وعن الجرح الذي لم يلتئم. من أين أتيتم بكل هذه الجرأة لانتاج هكذا عمل في الوقت التي لا تزال أوجاعنا وجروح ذوي المعتقلين والمختفين قسراً لم تغلق بعد؟؟؟!!”.
عبّر عدد من المتابعين عن تأثرهم الشديد، إذ كتب أحدهم أنه أنهى الثلاثية الأولى بصعوبة، وأن ما شاهده كان “فوق الاحتمال”، متسائلًا كيف يمكن لأهالي السجناء والمفقودين مشاهدة هذه المشاهد. آخرون أكدوا أن الألم الذي عُرض على الشاشة لا يُحتمل حتى وهو تمثيل، فكيف إذا كان واقعًا عاشه كثيرون، معتبرين أن العمل يعيد التذكير بحجم المأساة.
من جهته، علق الحقوقي فريد المذهان، المعروف عالميًا باسم “قيصر”، على طرح شارة المسلسل المرتقب “القيصر لا مكان لا زمان”، بالتزامن مع اقتراب الموسم الرمضاني لعام 2026، مؤكدًا أن المأساة السورية يجب أن تُروى كما هي بكل صدق ووضوح وشفافية، سواء في الكتب أو الأعمال الدرامية أو أي وسيلة تعبير أخرى.
وأبدى المذهان أسفه لما وصفه بظهور “بعض الأصوات التي تتحدث اليوم باسم المأساة والإنسانية”، رغم صمتها في المراحل السابقة حين كان قول الحقيقة واجبًا. واعتبر أن الصمت في تلك اللحظات “لم يكن حكمة، بل خذلانًا”، وأن الحياد “لم يكن شجاعة، بل خوفًا على مصالح آنية”.
وشدد على أن المآسي ليست فرصة للشهرة أو وسيلة لتلميع ماضٍ مثير للجدل، بل هي “مسؤولية أخلاقية يتحملها من ثبتوا في أصعب الظروف، وقالوا كلمة الحق رغم ما قد يترتب عليها من سجن أو نفي أو حتى قتل”.
وأشار إلى أن الألم سيبقى شاهدًا، وأن الذاكرة ستظل حيّة، مؤكدًا أن “التاريخ لا يكتبه من حضروا بعد انقشاع الغبار، بل من صمدوا وقالوا الحقيقة في أصعب اللحظات”.
يُذكر أن اللجنة الوطنية للدراما كانت قد قررت إيقاف تصوير مسلسل “قيصر” بشكل مؤقت بعد الجدل الواسع الذي أثاره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وجاء في بيان اللجنة آنذاك “بعد الجدل الذي أثير حول مسلسل قيصر ومشاركة بعض الشخصيات فيه، وما تبعه من رفض واسع من الشارع السوري، وانطلاقًا من التزامنا برأي شعبنا الكريم واحترام تطلعاته، فقد تقرر إيقاف العمل على المسلسل مؤقتًا حتى يتم تغيير اسمه وإعادة النظر في قائمة المشاركين فيه”.
وأكدت اللجنة أن المحتوى الدرامي للعمل “لا يتناول قضية قيصر المعروفة عالميًا، والتي تمس ضمير وإنسان كل سوري حر، وإنما يحمل طابعًا دراميًا مختلفًا لا يمت لهذه القضية بصلة”.
وكان المذهان قد صرح في وقت سابق بأنه “لم يسمح أو يفوض أو يعطي أي موافقة، لا شفهية ولا كتابية، لأي جهة كانت، بهدف إنتاج أي عمل إبداعي، تلفزيوني أو سينمائي، يتناول قصة قيصر أو يحمل هذا الاسم”، مؤكدًا أن “قيصر هو أيقونة وجزء من تاريخ سوريا العظيمة”.
ويأتي “القيصر لا مكان لا زمان” ضمن أعمال رمضان 2026، جامعًا بين الدراما الاجتماعية والنَفَس التوثيقي، إذ يستند إلى شهادات من داخل المعتقلات السورية في محاولة لعرض حكايات موجعة بلغة درامية تحافظ على عنصر التشويق في تفاصيل السرد.
ويضم العمل نخبة من النجوم السوريين، من بينهم غسان مسعود، سلوم حداد، صباح الجزائري، فادي صبيح، أنس طيارة، سامر إسماعيل، فايز قزق، مهيار خضور، نانسي خوري، دانا مارديني، جوان خضر، وتيسير إدريس، إلى جانب مجموعة من الوجوه المخضرمة والشابة، ما يمنحه ثقلًا فنيًا واضحًا.
ويسعى العمل إلى تحويل الذاكرة المؤلمة إلى مادة فنية تفتح باب النقاش حول العدالة والإنسانية، وتعيد تسليط الضوء على قصص ظلّت حبيسة الصمت لسنوات. ويتكوّن المسلسل من ثلاثين حلقة موزعة على عشر ثلاثيات مستقلة، تروي كل واحدة منها قصة مختلفة مستوحاة من شهادات معتقلين سابقين. ويمنح هذا البناء السردي العمل تنوعا في الإيقاع والموضوع، ويتيح الغوص في تفاصيل إنسانية شديدة الحساسية.
وأوضح المخرج صفوان مصطفى نعمو أن العمل خضع لتحضيرات دقيقة تجمع بين التوثيق الفني والمعالجة البصرية الحديثة، ويقول إن النصوص لم تُنقل حرفيا من الشهادات، بل أُعيدت صياغتها دراميا لضمان وصولها إلى الجمهور بصورة مؤثرة وصادقة.
ميدل إيست أونلاين



