بلا حدود

انقراض المثقفين بين مطرقة وسائل تكنولوجيا المعلومات وسندان الذكاء الحديث

ماهر المملوك

لم يعد المشهد الثقافي اليوم شبيهاً بما كان عليه قبل عقدين أو ثلاثة.

فالعالم الذي كان يستند إلى المثقف والباحث والأكاديمي كمرجعٍ للمعرفة، أصبح يتحرك على إيقاع مختلف تماماً،إيقاع تفرضه ثورة تكنولوجيا المعلومات من جهة، وتسارع الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى. وبين هاتين القوتين الجديدتين، يقف أهل العلم والمعرفة في موقف بالغ الحساسية، يكاد يهدد حضورهم ودورهم ومكانتهم، بل ويكاد يدفع إلى ما يمكن تسميته بـ “انقراض المثقفين” إذا لم تُستدرَك اتجاهات هذا التحول العميق.

لقد تحولت شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي إلى جامعة مفتوحة بلا أبواب ولا شروط تتيح الوصول إلى المعلومة بلا جهد، وتسمح لأي فرد مهما كان مستوى علمه بأن يتصدر المشهد ويقدّم نفسه خبيراً أو محللاً أو مفكراً. ومع هذا الانفتاح اللانهائي، لم تعد المعرفة حكراً على المختبرات والجامعات ومراكز الأبحاث، بل أصبحت تُصنع وتُوزع وتُستهلك بسرعة البرق، غالباً على حساب العمق والدقة والمنهجية.

هذه الفوضى المعرفية جعلت كثيراً من المثقفين يترددون في الظهور أو المشاركة، لا ضعفاً في العلم ولا خوفاً من النقاش، بل لأنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة طوفان معلوماتي لا يعترف بالتخصص ولا بالخبرة. فكل من يملك هاتفاً وشاشة يستطيع بضغطة زر أن ينافس أصحاب الشهادات والعقول والخبرات، وأن يزاحمهم في مساحات كانوا يتربعون عليها لعقود. لقد أصبح المثقف يجد نفسه أمام جمهور يُغريه المحتوى السريع والشعارات اللامعة، أكثر مما يجذبه التحليل العلمي الرصين أو الدراسة المتعمقة.

ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، دخل المثقف في مأزق جديد. فهذه التقنيات قادرة على كتابة المقالات والدراسات وتلخيص الكتب وابتكار الأفكار في ثوانٍ، بينما تحتاج العقول البشرية إلى أيام وشهور وسنين لبناء الفكرة وصقلها وتمحيصها. ورغم أن هذه الأدوات يمكن أن تكون عوناً للباحث، فإنها في الوقت نفسه تحوّلت إلى منافس غير مرئي، يهدد بطمس الحدود بين الخبرة البشرية الحقيقية والإنتاج الآلي المعلّب. فكيف يثبت المثقف قيمته في عالم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنتاج محتوى يراه البعض “مقنعاً” أو “كافياً” دون الحاجة إلى حضور الإنسان؟

ولعل الأخطر من ذلك أنّ المدّعين بالثقافة وجدوا في هذا الواقع فرصة ذهبية. فبفضل وفرة المعلومات السطحية وسهولة الوصول إليها، أصبح بإمكان أي شخص أن يتقمص دور الباحث أو المثقف، وأن يملأ الفضاء الرقمي بآراء يدّعي أنها علمية أو تحليلية. ومع غياب الضوابط الأكاديمية أو الرقابية، ومع ضعف الثقافة النقدية لدى الجمهور، أصبح التفريق بين العلم الحقيقي والادعاء المعرفي أمراً بالغ الصعوبة.

 

لقد أصبح المثقف الحقيقي يعيش بين مطرقة “جامعة تكنولوجيا المعلومات” التي جعلت كل فرد يظن نفسه عالماً، وسندان “الذكاء الاصطناعي الحديث” الذي يختصر المسافات ويُنتج محتوى بلا روح ولا تجربة.

وهنا يكمن جوهر الأزمة: ليس في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي تُستخدم بها وفي موقع الإنسان منها.

ومع ذلك، فإن الحديث عن “انقراض المثقف” ليس قدراً محتوماً ولا نتيجة نهائية. فالتاريخ يعلمنا أن كل ثورة معرفية كبرى كانت تُحدث اضطراباً في البداية، لكنها كانت تعيد تشكيل دور الإنسان لاحقاً بشكل أكثر رصانة ونضجاً. فكما لم يُلغِ الكتاب دور المعلم، ولم تُلغِ الطباعة دور الفلاسفة، كذلك لن يلغي الذكاء الاصطناعي دور العقل البشري، إذا ما أحسن المثقف الإمساك بأدواته الجديدة.

إن المستقبل يفرض على المثقف ألا يقف متراجعاً خائفاً، بل أن يتحول إلى مرشد معرفي يمتلك القدرة على التمييز بين الغث والسمين، وعلى غربلة الكم الهائل من المعلومات، وعلى استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة قوة لا كخصمٍ ينازعه. فالقيمة الحقيقية للمثقف ليست في سرعة إنتاج المحتوى، بل في عمق الرؤية، وخبرة التجربة، ونقاء التحليل، وحكمة التفسير وهي عناصر لا يمكن لأي آلة  مهما بلغت  أن تستنسخها.

وعلى المؤسسات الأكاديمية أن تستعيد دورها بوصفها حاضنة للعلم والتحقيق والبحث، لا أن تترك المشهد نهباً للسطحية والضجيج. وعلى المجتمع أن يعيد الاعتبار للمعرفة المتخصصة وللعقول التي قضت سنوات في البحث والدرس، لأن غياب المثقف الحقيقي لا يعني سوى سيادة الجهل المتقن الذي يتقنع بالحداثة والمعلومات.

ختاماً، إن المثقف الحقيقي ليس في طريقه إلى الانقراض، لكنه في طريقه إلى إعادة تعريف دوره. وإذا كان زمن المعلومات المفتوحة قد زاحم المفكرين والعلماء، فإن الزمن نفسه سيُعيد تثبيت قيمة العقل البشري الذي يفرز، ويمحّص، ويحلل، ويُتعمّق وهي وظائف لا يمكن لأية منظومة رقمية  وتكنولوجية أن تؤديها بالمعنى الإنساني والأخلاقي والعقلي الكامل.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى