فوجئت وأنا مدعو إلى أحد حفلات الزفاف الشعبية في قريتي عسال الورد أن والد العريس بدأ الحفل بالشعر، فقال :
لقد صمْنا عنِ الأفراحِ دهراً وأفطرنا على طبقِ الكرامةْ
فسجّلْ يا زمان النصرِ سجّلْ دمشقُ لنا إلى يوم القيامةْ
وهي أول مرة منذ دخلنا معترك الثقافة في حياتنا نسمع الناس يرددون شعرا لوزير الثقافة في احتفالاتهم الشعبية، والسبب هو المعنى الرائع كما فهمه الجمهور، ومعاناة الرأي العام من القهر على مدى عقود طويلة..
وبعد مضي أكثر من سنة على تولي السيد محمد ياسين صالح هذا المنصب ، من حق المثقفين عليه أن يعاتبوه على أهم شيء يتعلق بهم، وهو (الكرامة)، نعم فهي حالة تحتاج إلى إجراء إسعافي لردم الهوة التي كانت موجودة بين المثقف والدولة، والتي كان يسد الفراغ فيها مثقفو السلطة الملفقون .
لقد اعتقد المثقفون الوطنيون منذ اللحظة الأولى أن إجراءات انفتاح واسعة ستحصل على صعيد الثقافة السورية، وأن أهم الإجراءات التي تحتاج إلى قرارات سريعة تتعلق بقيمة المنتج الثقافي، وهذه بعض المطيات :
يتقاضى الباحث أو الشاعر أو القاص على أمسيته أقل من عشرة آلاف ليرة سورية، حتى الآن، وعند حذف الصفرين تصبح ألف ليرة، يدفعها أجرة نقل إلى المكان الذي سيحاضر فيه، وهذه مسألة عانى منها المثقف السوري في الحقبة السابقة، فجعلوه يجوع ويشقى ليعيش، أو كما كان يقول أحد المعنيين بالأمر : اللي ماعجبو ألله معو!

وإذا اشترت وزارة الثقافة حقوق نشر رواية لكاتب ما، فتعويض هذه الحقوق لايتجاوز المائة دولار، حتى لو فازت الرواية بجائزة البوكر أو كتارا، ناهيك عن مكافأة دواوين الشعر والبحوث وغيرها.
ووصل الأمر إلى أكثر من ذلك، فقاعات المراكز الثقافية تحتاج إلى إنارة، وأحيانا يختصر المتحدثون أنشطتهم قبل أن تنطفئ الكهرباء، أو فإن صاحب المحاضرة أو النشاط ينبغي أن يأتي بتنكة مازوت احتياطا لمحرك الكهرباء. والصورة المرفقة تبين آخر الحالات المثيرة للانتباه .
أما مكافأة النشر في دوريات وزارة الثقافة فبقيت كما هي، بل تراجعت الدوريات عن نظام اصدارها الدوري ..
وعندما تحدثتُ مع السيد الوزير في المؤتمر الصحافي لمعرض دمشق الدولي للكتاب حول ضرورة تفعيل المهرجانات والأنشطة، تحدث عن الأولويات ، وهذا مقنع في وقت تسعى الحكومة الجديدة لترتيب دولة كانت تعيش في بؤس وفساد وفوضى..
الأولويات اليوم بالنسبة لوزارة الثقافة تتعلق بعدة بنود، كما نراها في سياق معاناتنا، وأولها : أن تشتعل الأنشطة في كل مكان لأن الثقافة أحد أسلحة الحضارات وهي تبدأ من جديد بعد مرحلة سوداء عاشت بها.
وثانيها، هي كرامة الكاتب، فمن المخجل أن نستمر بمحددات وضعها النظام السابق ليذل المثقفين والكتاب، ويجعلهم يبحثون عن لقمة العيش وينشغلون عن الفكر والثقافة والأدب، أو فعليهم طأطأة الرؤوس والانحاء للأجهزة لتقدم لهم أقل احتياجات الحياة.

وثالثها ، أن استثمار البنى التحتية المنتشرة في كل أنحاء سورية يدفعنا للسؤال عن جدواها إذا بقيت أبنية خاوية، لانسمع فيها شعرا ولا نشاهد فيلما ولا نجتمع على حوار ..
إن كثيرا من الأنشطة والندوات الفكرية والحقوقية والسياسية وحتى الفنية تقام في مطاعم ومقاه مختلفة، وكأنها تنأى عن الحضن الدافئ للدولة، ويفترض أن تكون البنى التحتية الموجودة مكانا طبيعيا لها لتؤسس لمجتمع مدني ناضج وقوي ويحمي الدولة والثقافة والقوانين..