صحافة عالمية

بعد عام من تغير النظام.. سوريا المنقسمة تكافح للخروج من دوّامة العنف

ويليام كريستو

في الوقت الذي شعر السوريون بالفخر لعودة البلاد إلى الساحة العالمية، تهدّد الأحقاد القديمة الجهود المبذولة لإعادة بناء الدولة.

 

صحيفة “الغارديان” البريطانية تنشر مقالاً يتناول ملامح سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد وما يرافق المرحلة الانتقالية من صراعات، توترات طائفية، تحدّيات سياسية، ومخاطر انتكاس أمني.

 

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

 

في مثل هذا اليوم من العام الماضي، انتهى حكم عائلة الأسد الذي دام 53 عاماً بعد هجوم شنّته المعارضة لمدة 11 يوماً، فاجأ سوريا والعالم. وأنهت الإطاحة بالأسد حرباً أهلية مدمّرة استمرت 14 عاماً. ومُنح الأسد وعائلته حقّ اللجوء في موسكو في كانون الأول/ديسمبر 2024، وتشير التقارير الأخيرة إلى أنهم يعيشون في منفى هادئ تحت الحماية الروسية.

وقد توافد السوريون إلى العاصمة بعشرات الآلاف قبل حلول الذكرى السنوية، لكن خلف هذه الاحتفالات تُطرح أسئلة مؤلمة حول مستقبل البلاد. ويقول علي، الذي يعمل حالياً في مجال الإعلام الرقمي: “نعرف من ارتكب المجازر بحقّنا، وما زالوا موجودين في بيوتنا. لكن لتقديم شكوى، نحتاج إلى دليل، ومن يملكه؟”.

لم تسلم ريهام حموية من غياب الأدلة. ففي أواخر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تسلّق مهاجمون جدار حديقة منزلها في حمص، وسط سوريا، وألقوا قنبلة يدوية داخله، ما أدّى إلى مقتلها أمام طفليها الصغيرين. وكانت المعلمة العلوية، البالغة من العمر 32 عاماً، قد تعرّضت لمضايقات متكرّرة منذ اعتقال زوجها، وهو ميكانيكي سابق في جيش الأسد، قبل شهرين. وقال محمد عيسى حميدوش، والد زوجها البالغ من العمر 63 عاماً، وهو يُزيل الزجاج المكسور من منزلها، حيث لا تزال أجزاء من الأرض مفقودة من مكان سقوط القنبلة: “لا أحد منا يشعر بالراحة، جميعنا منهكون. زوجتي انهارت، ولن تفتح الباب بعد لأحد بعد الآن”.

كان مقتل حموية حلقةً في سلسلة عمليات اغتيال استهدفت ضباطاً سابقين في النظام وأفراداً من الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد. وتشهد مدينة حمص متعدّدة الطوائف عمليات قتل شبه يومية، على الرغم من العفو العامّ الذي أصدرته السلطات الجديدة بحقّ شخصيات من النظام السابق لم تتلطّخ أيديها بالدماء.

وبعد مرور عام على سقوط الأسد، نجح حكّام سوريا الجدد في إعادة دمج البلاد في المجتمع الدولي، متجاوزين بذلك توقّعات حتى أكثر المؤيّدين حماسة في البلاد. في المقابل، لا تزال حدّة التوترات في الداخل السوري تتصاعد. وبما أنّ تحقيق العدالة الانتقالية يسير ببطء شديد، بدأت الأحقاد القديمة تطفو على السطح في دوامات جديدة من العنف، مهدّدةً الجهود الهشّة المبذولة لإعادة بناء الدولة.

بالنسبة للمجتمع الدولي، يُمثّل وجود رجل قوي موالٍ للغرب في دمشق متنفّساً. واكتسب الشرع نفوذه جزئياً مستغلاً خروج إيران من سوريا. ومنذ ذلك الحين، نجح الشرع في منع العناصر الإيرانية من إعادة ترسيخ وجودها في سوريا، الأمر الذي أسعد العواصم الغربية.

لكن في الداخل، يؤدّي تعثّر العدالة الانتقالية إلى تأجيج العنف وتعميق الانقسامات في البلاد. وقد تركت 4 أيام من المجازر التي ارتكبتها القوات الحكومية وفصائل مسلحة أخرى ضدّ المدنيين، معظمهم من العلويين، على الساحل السوري في آذار/مارس، واستمرار عمليات القتل، الأقليات الدينية محاصرةً. كما أدّى وقوع مذبحة أخرى في تموز/ يوليو الماضي على يد قوات الأمن الحكومية وعناصر قبليّة بحقّ مدنيين دروز في محافظة السويداء الجنوبية، إلى زيادة التوتر بين الأقليات الدينية والعرقية في البلاد.

ومنذ وقوع هذه المجازر، باتت السويداء شبه معزولة عن بقية البلاد. فقد عزّز أهالي المحافظة مواقفهم ضدّ دمشق والتفّوا حول الزعيم الدرزي المتشدّد حكمت الهجري، الذي يُطالب بالحكم الذاتي. وكان بهاء، أحد سكان السويداء الدروز البالغ من العمر 33 عاماً، متشكّكاً في البداية، لكنه كان منفتحاً على القيادة الجديدة للبلاد. لكن بعد مجازر تموز/يوليو، أصبح الموظف الحكومي السابق يحمل سلاحاً ويرفض مغادرة السويداء.

لقد أطلقت الحكومة السورية مجلساً للسلم الأهلي وهيئةً للإشراف على العدالة الانتقالية في البلاد. والمهام التي تنتظرهما بالغة الأهمية وتتمثّل في استعادة الممتلكات المصادرة وتحقيق العدالة في الجرائم المرتكبة خلال الحرب الأهلية مع الحفاظ على الترابط الاجتماعي. وفي منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، أجرت السلطات السورية محاكمة علنية لأفراد موالين للأسد وأفراد من قوات الأمن الجديدة، متهمين بارتكاب أعمال عنف خلال مجازر الساحل في آذار/مارس. وظهرت شخصيات مُقنّعة ومُقيّدة أمام الكاميرات.

ويقول ناشطون إنّ الحكومة فشلت في وضع استراتيجية وطنية للعدالة الانتقالية ولا تزال الهيئات المعنية بالمساءلة تعاني من نقص التمويل. ويحذّرون من أنه في حال استمر سير تحقيق العدالة الانتقالية بوتيرة بطيئة، فإنّ الفرصة السانحة لتحقيق العدالة ستُغلق. وقال علاء إبراهيم، وهو ناشط مدني في حمص يعمل على الترابط الاجتماعي: “بعد كلّ هذه الأشهر، تعزّزت قوة الدولة وتحسّنت العلاقات الخارجية وهدأت الأمور. لكن إلى أين سنصل في حال استمرت عمليات الاغتيال كلّ يوم؟”

ويقول الكثير من السوريين إنّ مسألة العدالة باتت اليوم جزءاً أساسياً من النقاش الأوسع نطاقاً حول شكل الدولة السورية الجديدة في مرحلة ما بعد الأسد.

ويحذّر نشطاء المجتمع المدني من قلّة ذكر الديمقراطية في سوريا الجديدة، وهو مطلب رئيسيّ للمعارضة على مدى السنوات الـ14 الماضية. ويمنح الدستور السوري الجديد صلاحيات واسعة للرئاسة، في حين أُجريت “انتخابات” برلمانية من دون تصويت شعبي. وبدلاً من ذلك، عيّنت اللجان مرشّحين لثلثي الهيئة التشريعية، بينما عيّن الرئيس الثلث المتبقّي. ويشكو ناشطون من مكتب الشؤون السياسية الجديد، وهو مؤسسة غامضة سيطرت على مباني حزب البعث القديمة في جميع أنحاء البلاد، ويبدو أنها تعمل كجهاز أمن سياسي جديد. وقال أحد المحامين الذي يدير ورش عمل الترابط الاجتماعي إنّ المسؤولين حضروا الاجتماعات وطلبوا الموافقة على منهجهم قبل منح منظّمتهم تصريحاً لمزاولة عملها.

وقال رضوان زيادة، الكاتب السوري المقرّب من الرئيس السوري: “هناك بعض المؤسسات التي تُشير إلى سعيها لبناء نظام أكثر استبدادية. فهي لا تسمح للأحزاب السياسية بالعمل. ولا يجوز لأحد تنظيم أيّ اجتماعات سياسية من دون الحصول على إذن من مكتب الشؤون السياسية”.

صحيفة “الغارديان” البريطانية

نقلته إلى العربية: زينب منعم

الميادين نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى