تراجع الجهوزية القتالية يلجم النزعات العدوانية الأميركية

 

التموضع العسكري الأميركي المكثف بالقرب من منابع الطاقة في المنطقة العربية، تجسد بإرسال واشنطن إحدى أكبر حاملة طائرات في ترسانتها وقاذفات استراتيجية أيضاً بالإضافة لقواتها وترسانتها المتواجدة أصلاً في عموم المنطقة – من المحيط إلى ما بعد الخليج.

ثلاثية الاستراتيجية الأميركية الذهبية: الحرب، الاحتواء أو التفاوض قلبته المؤسسة الحاكمة، لا سيما الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، رأساً على عقب بإقرارها فشل سياسة احتواء إيران على مدى عقود أربعة، سواء بالترهيب أو الترغيب، وتحاجج أنها ترمي لفرض خيار “التفاوض” على إيران بالقوة العسكرية.

قرار الحرب، على الشق المقابل من المعادلة ينطوي على آلية خاصة به، من الإعداد وتشكيل التحالفات لمحاصرة وعزل الخصم وصولاً لساعة الصفر. لكن سبر أغوار الخطوات الأميركية التصعيدية خاصة الأوضاع الذاتية للقوات العسكرية الأميركية لا تبدو مهيئة لخوض حرب “مفتوحة،” كما يحذر منه كبار القادة العسكريين في واشنطن وحلف الناتو، خارج سياق القوة العسكرية الصرفة التي باستطاعتها إحداث تدمير هائل في غضون ساعات قليلة لكن ليس بوسعها حسم نتائج الميدان بذات السرعة أو الرغبة.

قبيل أفول عام 2018 أعلن الرئيس ترامب عن حتمية “عودة كافة القوات العسكرية” من سوريا، ما لبث أن ناقضه مستشار الأمن القومي جون بولتون، مطلع العام الجاري، بالتأكيد على بقاء القوات الأميركية في سوريا لفترة أطول، وتناغم الرئيس الأميركي مع ذلك مسنوداً بقراره للإبقاء على “400” عسكري هناك لبعض الوقت.

بعض القيادات العسكرية الأميركية لم يروقها تخبط تلك القرارات التي “تزيد من أعباء القوات والموارد الأميركية” في مستنقعات الشرق الأوسط على حساب ساحات مواجهة أخرى هي بحاجة ماسة لتلك القوات.

وأعرب قائد القوات الأميركية في المحيط الهاديء، فيليب دافيدسون، عن خشيته من تبديل الإدارة الأميركية للأولويات الاستراتيجية ممثلة بالتصدي “لصعود الصين وروسيا” وتسخير موارد ضرورية لمنطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أمام حشد لجمعية القوات البرية الأميركية في هواوي، 23 أيار/ مايو الجاري، أن بلاده “تواجه تهديدات جدية، لا سيما من قبل جمهورية الصين الشعبية.” واستعرض دافيدسون تناغم كل من روسيا والصين على تقييد حركة الولايات المتحدة في مياه الشواطيء الاسيوية وبأنهما “تسعيان لإنتاج نظام دولي جديد.. حيث تُخضع الدول الصغيرة والكبيرة سيادتها لمصالح دولة واحدة”. وفي شهادة له أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، 12 شباط/فيراير 2019، أضاف دافيدسون كوريا الشمالية إلى قائمة التهديدات التي تواجهها بلاده في آسيا.

وشدد دافيدسون في شهادته المذكورة على أن الصين غافلت الولايات المتحدة واضحت “تسيطر بالكامل على بحر الصين الجنوبي .. وفي كافة سيناريوهات المواجهة في تلك المنطقة دون الدخول في حرب مباشرة” مع واشنطن.

هو جزء يسير من تحذير القيادات العسكرية الأميركية المتمرسة من توسيع رقعة انتشار القوات الأميركية وتبديل صناع القرار للأولويات الاستراتيجية لاعتبارات بحت سياسية، أي الإبقاء على “ردع” روسيا والصين ومنع تمددهما.

وفي ذات الفترة الزمنية صدرت دراسة معمقة لمعهد السلام الأميركي، الملحق بوزارة الخارجية، تشرين الثاني/نوفمبر 2018، شارك فيها كبار القادة الاستراتيجيين في المستويين السياسي والعسكري، حذرت من “تآكل التفوق العسكري الأميركي لدرجة مقلقة وقدرة أميركا في الدفاع عن حلفائها وشركائها وحتى مصالحها الحيوية أضحت مبعث شك متصاعد”.

فالخطوة التصعيدية بإرسال 1،500 عسكري أميركي إضافي لتعزيز التواجد العسكري في مياه الخليج والدول القريبة من إيران، أرفقها ترامب بموافقته على بيع السعودية والإمارات صفقات أسلحة جديدة تبلغ قيمها نحو 8 مليارات دولار.

وإمعاناً في تهيئة الأجواء والمناخات العسكرية، أبحرت مدمرتان أميركيتان، ماكفول و غونزاليس، بذخيرتهما من الصواريخ الموجهة، عبر مضيق هرمز من دون أن تتعرضا “لمضايقة إيرانية، فرسالة الردع المتضمنة ماضية بشكل جيد”، حسبما أفاد مسؤول عسكري أميركي ليومية وول ستريت جورنال.

سعت “دولة الإمارات” استغلال مناخ التصعيد العسكري الأميركي بعرض تقدمت به للولايات المتحدة لاستخدام غير مشروط لأراضيها وأجوائها ضد إيران، والمساهمة في “استعادتها جزيرة أبي موسى” التي تنازل عنها حكام الإمارات لشاه إيران عام 1971.

التحركات الأميركية المكثفة وترسانات الأسلحة المختلفة وتموضعها بالقرب من السواحل الإيرانية هي رسالة “لردع إيران،” أو التهيئة لاشتباك مسلح يسعى الطرفان لتفاديه بينما يمضيان قدماً في الإعداد لخوضه.

لدى استعراض حقيقة القابلية الأميركية لخوض حرب أو “مواجهة محدودة”، مع إيران، تحذّر دراسة مركز السلام الأميركي، من “الخطر الماثل أمام القوات الأميركية وامكانية اندحارها في حال اضطرارها للقتال على جبهتين أو أكثر في نفس الوقت”.

بل ذهبت في تحذيرها لمستويات خطرة بالقول “قد تتعرض القوات العسكرية الأميركية لعدد كبير من الخسائر وفقدانها لموارد كبيرة أساسية” في المعركة المقبلة.

هذا الرأي شاطره صراحة التوصيف ضابط المخابرات المركزية السابق ديفيد جيو David Gieo بقوله “الولايات المتحدة ليست مستعدة للانخراط في حرب أخرى .. وقواتنا المسلحة تتمدد على رقعة أكبر من قدرتها على التحمل، بل هائمة على نفسها”،  (17نيسان/ابريل 2010).

وأضاف أن القوات العسكرية تعاني من جملة تحديات أبرزها “ديمومة التجنيد”، بإقرار البنتاغون أن جهودها لتجنيد مزيد من المنتسبين “فشلت في تحقيق احتياجاتها للسنة المالية 2018، وحتى بعد اضطرارها لخفض سقف الشروط.” واستنتج بالقول أن فشل الجيش في رفد صفوفه بانتظام يعني أنه “لم يعد يصلح لنشره” في ساحة سيشهد قتالاً حقيقيا فيها.

في هذا السياق أعلن نائب وزير الدفاع لشؤون الأفراد والجهوزية، روبرت ويلكي، في شهادته أمام لجان الكونغرس منتصف شباط/فبراير 2018، أن “نحو 14% من مجموع القوات العسكرية لا تستطيع الخدمة في ساحات أخرى،” مفسراً أن ذلك يؤدي إلى فقدان نحو 300،000 عسكري وإداري عند الحاجة لخدمتهم.

بيانات ومذكرات داخلية للبنتاغون تثير جملة أسئلة إضافية حول جهوزية قواتها العسكرية، واتساع الهوة بين الدعم الشعبي ورؤى القيادات العسكرية لرفد القوات البشرية بصورة دائمة.

مساعدة وزير الدفاع لشؤون التواصل مع الجمهور، آمبر سميث، أقرت في مؤتمر صحفي، مطلع عام 2018، صعوبة المسألة بقولها “استناداً لبياناتنا الداخلية نستطيع التوصل لخلاصة اتساع متنامي بين طموحات القيادات العسكرية ومدى تجاوب الشعب بكافة قطاعاته، ما يشكل تهديداً حتمياً لاستمرارية وديمومة قوات عسكرية قوامها الانتساب الطوعي”، (نشرة ستارز آند سترايبس، 18 كانون الثاني/يناير 2018).

واضافت أن الانطباع السائد بين العامة لا يحبذ الجيل الشاب على الانتساب الدوري، وترى أن الحياة العسكرية تسهم في “عزل وإرباك الحياة العائلية  ومدى المعاناة التي يواجهها العائدون من ساحات القتال التي تسبب لهم أضراراً بدنية ونفسية وعاطفية، فضلاً عن المتاعب التي يتعرضون لها في العودة إلى نمط الحياة العادية”.

ومضت مساعدة وزير الدفاع بوصف حالة التدني بين صفوف الأجيال الشابة التي انخفضت نسبة انتسابها إلى نحو 15% مقارنة مع انتساب نحو 40% في العقود السابقة ولغاية عام 1995، للدلالة على فشل سلاح الجيش عام 2005 برفد احتياجاته البشرية بما لا يقل عن 80،000 شاب وشابة.

بيانات البنتاغون المشار إليها تدل على نسبة بطالة مرتفعة، 28%، بين زوجات الجنود اللواتي تعودن على البقاء في سوق العمل والمساهمة في تحمل كلفة معيشة الأسرة، مقارنة مع نسبة 3% من البطالة بين النساء في باقي المجتمع.

وزير الدفاع الأميركي السابق جيمس ماتيس سعى لاستنباط آلية لنشر القوات أسماها “ديناميكية تسخير القوات”، والتي ترمي لاتباع القادة العسكريين إجراءات أفضل لنقل وتبديل محدود للقوات الأميركية بسرعة في أي مكان من العالم –  بحسب وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2017 التي أقرتها ادارة الرئيس ترامب قبل عامين.

وأشارت الوثيقة إلى أن الآلية المقترحة “.. لن تكفي لتجسيد الحضور الأميركي المطلوب لردع التهديدات الماثلة أمام المصالح الأميركية” في المنطقة العربية، بل إن “القوات الأميركية بوضعها الراهن ليس بوسعها الاستجابة لمتطلبات الدفاع عن كافة المصالح الكونية.”

كلفة الحروب الأميركية تستمر في التصاعد للأعلى. إذ توصلت دراسة أجراها معهد واتسون للشؤون الخارجية والعامة بجامعة براون أن ميزانيات الحروب لغاية السنة المالية الحالية، 2019، بلغت نحو 6 تريليون دولار.

وزير الدفاع السابق، ماتيس، وكبار القادة العسكريين والاستراتيجيين يدركون حقيقة حدود سلاح الجو وحده في حسم أي معركة، بل لم يثبت أي سلاح جو قدرته على حسم نتيجة معركة بمعزل عن القوات البرية وروافدها، مشاة البحرية والقوات الخاصة، لفوز سريع قليل الكلفة.

استناداً إلى ما تقدم، خاصة التوصيات الواردة في وثيقة استراتيجية الأمن القومي، قد يمكن الاستنتاج  أن هاجس القيادة العسكرية الأميركية في منطقتنا هو الحفاظ “على الوضع الراهن،” وعدم الانزلاق إلى مواجهة ولو محدودة، اتساقاً مع أبرز أركان أهدافها الاستراتيجية المتثملة باستقرار الأوضاع بما يخدم المصالح الأميركية.

المواجهة العسكرية هي نقيض الاستقرار المنشود. وقد أوجزتها دراسة أجرتها مؤسسة هاريتاج تحث الإدارة الراهنة على انتهاج “نمط متوازن مضبوط الحركة” في عموم المنطقة لمواجهة “تمدد إيران. وفي الوقت نفسه إشراك عدد أكبر من الشركاء الإقليميين لرفد جهود تطبيق حلول أمنية مستدامة” في المنطقة. (التحضير لاستراتيجية أمن قومي لأميركا لعام 2020 وما بعد 23 أيار/مايو 2019).

الميادين نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى