تـبـقـــى الـروايــــة (جورج دورليان)

جورج دورليان

اختار عبد الرحمن منيف أن يكون روائي منطقة بقيت لردح من الزمن خارج المساحة الروائية ونسيج حبكاتها، ألا وهي صحاري النفط وسهولها المترامية ونور شمسها الحارق. كما اختار أن يلج عتمة دهاليز المعتقلات «الوطنية» ليروي آلام المعتقلين وعذاباتهم داخلها ومن ثم خارجها. إذ لا يخرج معتقل من سجن إلاّ بعد إذلال بل بعد إذلال ذاتي للنفس. فإذا كان نجيب محفوظ روائي القارة المصرية، والطيّب صالح روائي المدى السوداني اللامحدود، فإن عبد الرحمن منيف – الذي يتلاقى مع محفوظ في تحليله الدقيق للبنية الاجتماعية والذهنية للمجتمعات العربية، ومع الطيّب الصالح في معالجة إشكاليات العلاقة بين الشرق والغرب (ولا سيما في «قصّة حب مجوسية») – هو من دون شك روائي بلدان الشرق الأوسط بمجتمعها النفطي وسجون أنظمتها العسكرية ومداها الصحراوي.
ما يميّز عبد الرحمن منيف ليس نفسه الملحمي الذي ظهر في «مدن الملح» ولا ريادته للرواية التاريخية من خلال رسم تشكّل المدن في الصحراء ودخول قيم شركات النفط التي تدّعي الحداثة والتجديد إلى مجتمعات لا تزال تربطها بالعادات والتقاليد القديمة روابط وثيقة ومتينة. لقد قيل الكثير عما تحمله رواياته، ولا سيما «مدن الملح»، من مضامين وتوجّهات سياسية وإيديولوجية، ولن يقال في هذا المضمار أكثر مما قاله هو نفسه: «أقدّر أن الرواية يمكن أن تضيف جوانب معيّنة في وضع الشرق الأوسط ومناخه وبالتالي همومه. ومما لا شكّ فيه أن الحافز الأساسي لدي لكتابة هذه الرواية (مدن الملح) كان الإحساس بأن موضوع النفط بحاجة إلى معالجة وإلى معرفة التأثيرات الكبيرة التي حصلت نتيجة وجود هذه الثروة التي لم يُحسن استعمالها».
من البديهي أن يكون لاهتمامه بشؤون النفط كاختصاصي في اقتصاداته، ولعمله كخبير في شركة النفط السورية، وكصحافي في مجلة «النفط والتنمية» في العراق، دور في دفعه إلى اتخاذ الصحراء وثروته السوداء كمكان مرجعي لخياله الروائي ليضع فيه حبكات قصصه العديدة. إلاّ أن المشهد المرجعي في الفنون، وبخاصة في الرواية، قابل للتبدّل والتغيير، كما أن المعالجات العقلانية التي تدّعي الموضوعية قابلة للتهافت والتراجع. ما يبقى هو الرواية والمعالجة الروائية بغض النظر عن التاريخ والجغرافيا والسياسة. وعبد الرحمن منيف هو روائي بامتياز قبل أي صفة أخرى، وإن استثمر معارفه الاقتصادية والسوسيولوجية ورؤيته السياسية في بناء عالمه الروائي. فلولا الخيال الروائي لانهارت كل هذه المعارف والرؤى، وباتت أعماله باهتة لا تجد لها مكانًا لا في خانة الرواية ولا في خانة الاقتصاد السياسي ولا في خانة التاريخ أو أي من خانات العلوم الإنسانية والاجتماعية.
سأحاول في مداخلتي التركيز على الجانب الروائي المحض في أعماله. لذا سأبتعد عن «مدن الملح» (الخماسية الأكثر شهرة ورواجًا)، وأستند إلى ثلاث روايات في محطات متتالية من تجربته، هي: الأشجار واغتيال مرزوق (1973)، شرق المتوسّط (1975)، النهايات (1977).
تتميّز هذه الروايات ببنية سردية ثنائية وحتى متعدّدة تبرز التناقض بين خيارات متفاوتة، بين الواقع والمرتجى، بين قيم الماضي وتلك الآتية مع الحضارة الغربية، بين الرغبة في الخلاص والنجاح من جهة، وحتمية الفشل من جهة أخرى. وتظهر من خلال هذه الثنائيات كم للفلسفة الوجودية من سطوة على نظرة منيف لحياة البشر.
ما يجمع تجربة كل من الياس ومنصور في «الأشجار واغتيال مرزوق» هو التوق لبلوغ حياة كريمة من خلال ممارسة فعل افتراضي: البحث عن السعادة من خلال القمار مع ما يحمله من أمانٍ وخيبات بالنسبة إلى الياس الذي سينتهي منبوذًا وفريدًا في مجتمعه؛ البحث عن المعرفة التاريخية التي ستؤدّي بمنصور إلى اليأس إن في حياته المهنية أو العاطفية.
في كلتا الحالتين، حالة الفلاّح وحالة المثقّف، يشكّل لهما الفشل مصيرًا محتّمًا في المجتمع الذي يعيشان فيه.
أما في «شرق المتوسّط»، فالبنية ثنائية أيضًا. فإضافة إلى تفرّد عبد الرحمن منيف في هذه الرواية بالتأسيس لأدب السجون كموضوع في الرواية العربية، أخذت الثنائية بعدًا سرديًا جديدًا، ألا وهو تعدّد الأصوات. فرجب وأنيسة يقومان كلّ من موقعه ومن وجهة نظره بسرد أحداث الرواية، فيتناوبان الأدوار والمشاعر والأحاسيس والأحزان والآلام. رجب يحكي قصّة سجنه وما تعرّض له من تعذيب على أيدي جلاّديه، ثم اضطراره إلى خيانة رفاقه بغية الخروج إلى الحرية. أما أنيسة، التي تعبّر عن وجهة نظر الآخر الناظر لحالة رجب، تحكي معاناتها من ذلك الجرح الذي تركته طعنة الاعتقال في قلبها.
في الرواية الثالثة، «النهايات»، تأخذ الثنائية بعدًا أكثر تركيبًا وغنى، إذ تلتقي مع أنماط سردية عربية وعالمية (ألف ليلة وليلة، و«ديكاميرون» لبوكاتشيو). فعلى غرار «مدن الملح»، «النهايات» رواية فضاؤها الصحراء وتحكي قصة صيادين. بطل القصّة صيّاد اسمه عسّاف يموت إثر هبوب عاصفة رملية بينما كان يحاول مساعدة صيّادين جدد. بعد موته، يتغيّر إيقاع الرواية وتختلف نبرتها. فخلال سهرة عزاء تكريمًا لعسّاف تمتد طوال الليل حتى الصباح ويشارك فيها كل أهل القرية، يتناوب الجميع في سرد قصّة. أربع عشرة قصّة، اثنتان منها من «كتاب الحيوان» للجاحظ.
ببنيتها الثنائية وتوالي القصص التي تساند السرد، تشكّل «النهايات» حالة انقطاع جذري مع النمط السردي الذي كان يتّبعه عبد الرحمن منيف. فإضافة إلى البنية الثنائية التي تعطي لعملية السرد مظهرًا بوليفونيًا (تعدّد الأصوات)، فهي تتميّز بتنوّع كبير على صعيد الأسلوب، والنبرة، والتقنيات المستخدمة. فمن سرد بضمير الغائب في مستهلّ الرواية، حيث يتحلّى الراوي بالموضوعية ويمتاز بموقع الكلّي العلم والمعرفة (omniscient)، ننتقل إلى سرد متعدّد البؤر مع وصف دقيق وشبه غنائي للطبيعة والصحراء، يتناقض والحيادية الرتيبة التي غلبت في الصفحات الأولى.
لقد تمكّن عبد الرحمن منيف، بعبقريته الروائية، من تحويل الأفكار التي كانت تشغله، إلى مشاهد، إلى قصص، إلى روايات من دون أن يقع في نمط «الرواية – القضية» (roman à thèse). فالقصّة عنده تأتي في المرتبة الأولى، أما الأفكار فما هي إلاّ وسائل وسبل لولوج عالم الرواية الخيالي. وفي النهاية، هذا هو ما سيبقى للأجيال القادمة.

 

صحيفة السفير اللبنانية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى