
يوم الثلاثاء الماضي، وكنت مدعوا مع آخرين من الكتاب والصحفيين لحضور المؤتمر الصحفي الذي أعدته وزارة الثقافة السورية حول معرض دمشق الدولي للكتاب، لفت نظري دخول الدكتور حسين الشرع إلى قاعة الأمويين للمؤتمرات مع العشرات الذين تدفقوا إلى القاعة، ومنهم من تجاوزه أثناء مروره.

أثارني الفضول لمتابعة حركته، فوجدته يندمج مع الحضور بشكل طبيعي وهادئ ويصافح أصدقاءه ويرد علينا السلام، ثم يتجه ليجلس في الصف الثالث من القاعة إلى جانب بعض المدعوين الآخرين، وهذا ماحصل أيضا عند انتهاء الفعالية فقد خرج كأي مدعو وكان يتكئ على عكازته بتواضع يليق باسمه ومكانته وتاريخه النقي.
تلك الليلة وردتني رسالة إخبارية تشير إلى موت رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد، فإذا بهذه المصادفة تعيدني إلى الوراء لأستعيد واقعة حصلت معي عام 1977 ، وكنت في مقتبل العمل مدعوا مع مجموعة أصدقاء إلى حفل فني لمغنية فرنسية شهيرة اسمها (سيلفي فارتان) في فندق ميريديان دمشق، وكانت هذه المغنية زوجة عملاق الروك الفرنسي جوني هاليداي، فاستقطبت حضورا واسعا من الطبقة المخملية السورية التي لم أكن منها أبدا.
لايمكن نسيان ماحصل وقتها، فقد كانت المقاعد المحجوزة لنا في الصف الأول وهي ميزة حصلت بالصدفة نتيجة نفوذ الجهة الداعية لي ولأصدقائي، وقبل أن تظهر سيلفي فارتان، وقعت جلبة في الصالة، فدخلت مجموعة من (البودي غاردات)، مع بعض العاملين في العلاقات العامة للفندق، وطلبوا من رواد الصف الأول والثاني إفراغ أماكنهم، وكانت الصيغة تقول: بإمكانك المغادرة والحصول على ثمن التذكرة، أو فإن المكان البديل هو مقاعد متنقلة من الفندق وضعت على جانب المسرح .
ثار احتجاج البعض، وخاصة ممن دفعوا مبالغ طائلة للحضور مع عائلاتهم، فاخرجوا من القاعة عنوة، ولم نعد نراهم، مما دفعنا إلى الإذعان للظروف التي نجهلها والجلوس خائفين على مجموعة من الكراسي رصفت إلى جانب الجدار، لنكتشف بعد نصف ساعة من تأجيل بدء الحفل أن المجرم رفعت الأسد (شقيق حافظ الأسد وقائد سرايا الدفاع) يدخل مع مرافقيه و(حريمه) ويحتل الصفين الأول والثاني.
استعدتُ الواقعتين مستبعداً أي تشبيه بين شخصية الدكتور حسين الشرع الدمث الذي يحترم الناس ويتواضع في الجلوس في الصف الثالث، وهو والد رئيس الجمهورية، وبين شخصية المجرم رفعت الأسد الذي يطرد أصحاب الحق من مقاعدهم ليجلس هو وحاشيته بالقوة، لكن الذاكرة استجرت المقارنة.
الدكتور حسين الشرع شخصية اقتصادية وثقافية وغيورة على وطنها وأمينة على أخلاقه وتراثه، وله مكانته المحفوظة، وشاءت الأقدار أن يقوم ابنه أحمد الشرع بقيادة غرفة العمليات التي أسقطت حكم الأسد في 8 كانون الأول عام 2024، وأصبح رئيسا للجمهورية..
أما رفعت الأسد الذي أعلن عن موته أمس فهو المخطط لمجزرة تدمر وناهب أموال الشعب ومنفذ تدمير مدينة حماه، والمرشد الأعلى لتعرية الأمهات والفتيات في شوارع دمشق عام 1981 ..
شكرا للدكتور حسين الشرع على تمثله لأخلاق المواطن السوري، الذي لم يخف لوسائل الإعلام في أكثر من لقاء معه حرصَه على وحدة الشعب السوري وكرامته وحق الناس في التعبير عن رأيها بغض النظر عن انتمائها السياسي أو غير السياسي.
سيذكر التاريخ جيدا ممارسات الطغاة والقتلة ، وسينجح الشعب السوري حتما في استعادة هويته الموحدة والمتآلفة مع وجود شخصيات تحترم نفسها، وتقدر كرامة الناس وتدافع عنها ، وكلنا يعرف أن أمنيات كل الشعب السوري بمكوناته وطبقاته وطوائفه هي أن لايموت رفعت الأسد قبل محاكمته علانية على ما اقترفته يداه، لكن الأقدار تحفظ أسرارها!
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



