تونس أمام اختبار إعادة هيكلة المؤسسات العمومية

منذ سنوات، تتصدر أزمة المنشآت العمومية في تونس، ومن بينها شركات النقل البري والحديدي والجوي، واجهة النقاش العام بسبب الصعوبات المالية والإدارية التي تهدد بعضها بالإفلاس. ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية، تتجه الحكومة نحو تنفيذ برنامج لإعادة هيكلة هذه المؤسسات بدءا من عام 2026.
وفي حين شككت أصوات بجدوى تلك الإجراءات واعتبرتها “ترقيعية” لا تحقق حلا لجذور المشكلة، أعلنت أخرى دعمها لخطوة إعادة هيكلة المؤسسات العمومية لكن دون خصخصتها.
ورأى خبير اقتصادي أن “إعادة هيكلة المؤسسات العمومية يأتي في سياق الإصلاحات التي يطلبها صندوق النقد الدولي للتخفيض في عجز الميزانية.
إعادة هيكلة
خلال جلسة عامة للبرلمان في 5 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أكدت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني أن الدولة ستشرع خلال سنة 2026 في تنفيذ برنامج شامل لإعادة هيكلة المنشآت العمومية، بهدف تحسين الأداء والحوكمة وإعادة التوازن المالي للمؤسسات المتعثرة.
وأشارت الزعفراني إلى أن هذا البرنامج يرمي إلى تخفيف العبء عن الميزانية العامة وتعزيز مردودية مساهمات الدولة، مع الحفاظ على ملكية المؤسسات وعدم التفويت فيها (نقل ملكيتها). كما كشفت عن خطة لإعادة تنظيم عدد من الهياكل العمومية لرفع نجاعتها ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
انتقادات: “إصلاحات ترقيعية”
محمد المسيليني، وزير التجارة الأسبق والقيادي بحركة الشعب، اعتبر أنّ جميع المنشآت العمومية “تعاني اختلالات مالية وهيكلية” تشمل شركة الكهرباء والغازوالخطوط الجوية وشركة المياه. وقال للأناضول إن “الإجراءات المعتمدة حاليا ترقيعية ولا تقدم حلولا حقيقية”.
وأشار إلى أن حركة الشعب اقترحت تعيين كاتب دولة ملحق برئاسة الحكومة (ما يشبه مساعد وزير) يتولى حصريا ملف إصلاح المؤسسات العمومية، وإجراء تدقيق تقني ومالي متخصص لـ10 إلى 15 مؤسسة كبرى.
وأكّد أن إعادة الهيكلة قد تتطلب التفويت (الخصخصة) في بعض الأنشطة، كما حدث في إصلاحات عام 1986، لكن ذلك يجب أن يتم وفق رؤية واضحة لا بشكل عشوائي.
وتعرف هذه الإصلاحات بـ”برنامج الإصلاح الهيكلي”، وهي نقطة تحول كبيرة في تاريخ الاقتصاد التونسي، وفرضها الوضع الاقتصادي المتدهور آنذاك. وأُطلقت بعد اتفاق تونس مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار.
خمسة ملفات اقتصادية معطلة
وأوضح المسيليني أن حل أزمة المؤسسات العمومية “مستحيل” دون معالجة 5 ملفات كبرى، تتعلق الأولى بالطاقة، لافتا أن تونس تستورد أكثر من 60 بالمئة من احتياجاتها من الطاقة.
وقال إنه “إذا لم تُحل مشكلة الطاقة في مستوى الاستهلاك والاستعمال والإنتاج، فلا يمكن حينها حل أي مشكل”،
والأزمة الثانية وفق المسيليني هي أزمة المياه، موضحا “نحن في منطقة تعاني نقصا في المياه، وإن إصلاح وضع شركة استغلال وتوزيع المياه والفلاحة لا تنجح إلا بحل مشكل المياه بالطرق العلمية والطبيعية المتاحة”.
والأزمة الثالثة، بحسب القيادي بحركة الشعب هي ما وصفه “التصحر الصناعي”، مشيرا إلى أن تونس خسرت 30 إلى 35 بالمئة نتيجة اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
وأوضح أن الصناعيين والحرفيين في تونس أصبحوا تجارا ما أدّى إلى تراجع اليد العاملة في الصناعة. والآن لابد من التفكير في إحياء الصناعة التونسية.
وتتعلق الأزمة الرابعة بضعف الانتاجية وتدني رأس المال. وقال المسيليني في هذا الصدد، إن “انتاجية العامل ورأس المال متدنية جدا وعلى الدولة لعب دور لحث العامل على تحسين الإنتاجية وإذا لم تتطور الإنتاجية لا يمكننا مواجهة الاقتصاديات الكبرى”.
وأخيرا، يرى المسيليني أن مكافحة الفساد خاصة في الصفقات العمومية هي ضرورة قصوى لحل أزمة المؤسسات الحكومية.
وأضاف أن غياب النقاش المجتمعي والخطط الاستراتيجية يعرقل أي إصلاح فعلي، مشيرا إلى أن “القدرات الفنية والقيادية في الوزارات أقل من المطلوب لوضع خطة إنقاذ اقتصادية”.
لا للخصخصة
بدوره أشار الأمين المساعد لحزب المسار (مقرب من السلطة) طارق رحومة، إلى أن حزبه يدعم إعادة الهيكلة لكنه يرفض الخصخصة. وقال للأناضول إن “الرئيس قيس سعيّد لا يتجه نحو الخصخصة ولدينا كفاءات قادرة على إصلاح المؤسسات”.
وحول الحوار المجتمعي لحل أزمة المؤسسات العمومية قال رحومة إن “الحوار جيد فبقدر ما يوجد حوار توجد حلول ولكن على الدولة أخذ القرار”.
صندوق النقد والإصلاحات المطلوبة
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن “إعادة هيكلة المؤسسات العمومية يأتي في سياق الإصلاحات التي يطلبها صندوق النقد الدولي لخفض العجز في الميزانية”.
وأضاف أن الصندوق لم يطلب خصخصة المؤسسات، لكنه يطالب بتقليص العجز المالي، وهو ما تلجأ إليه الحكومة عبر زيادة الضرائب وأسعار الكهرباء. وانتقد الشكندالي الفريق الحكومي المفاوض للصندوق، معتبرا أنه لم يقدم خطة واضحة لكيفية تقليص العجز.
فساد وهدر
وتطرق الشكندالي إلى وضع شركة الكهرباء والغاز، التي تشهد عجزا يقارب 5 مليارات دينار (1.6 مليار دولار)، قائلا إن “هذه الشركة تعاني من فساد كبير أوله استعمال مجاني للكهرباء من قبل موظفيها والثاني هو أن الدولة لا تسدد فواتير استهلاكها”.
ولفت إلى أن الصناديق الاجتماعية تعاني عجزا بسبب عدم دفع الموظفين مساهماتهم، مؤكدا أن النقابات تتحمل جزءا من المسؤولية في تدهور الوضع المالي لعدد من المؤسسات مثل شركة فوسفات قفصة والخطوط الجوية التونسية، مضيفا “لا توجد مؤسسة خاسرة في العالم تمنح أجورا خيالية للعاملين فيها”.
وحسب أرقام رسمية، بلغت مستحقات شركة الكهرباء والغاز لدى الدولة لسنة 2023 نحو 3.9 مليارات دينار ( 1.3 مليار دولار) في حين وصلت مستحقات الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه إلى 809 مليون دينار ( 269 مليون دولار).
ميدل إيست أون لاين



