اقتصاد

ثلاث أولويات في العام الجديد

رغم إلغاء عقوبات «قيصر» وإطلاق عملة جديدة، تبقى الأولويات الاقتصادية لسوريا مرهونة بمعالجة الفقر المدقع وتدهور الخدمات الأساسية واستعادة السكن للنازحين، في ظل فشل الحكومة الانتقالية في تقديم حلول جذرية.

 

تدخل سوريا عامها الجديد مُحمّلة بحدثين هامَّين: الأول، إلغاء الولايات المتحدة رسمياً قانون «قيصر» الذي تسبّب في انهيار الاقتصاد السوري خلال السنوات الثلاث الأخيرة؛ والثاني إطلاق دمشق عملة نقدية جديدة بعد حذف صفرين منها، في خطوة لا يبدو أن ثمة فائدة لها على المدى المنظور، سوى تسهيل عمليات التداول وضبط الكتلة النقدية، والذي لا يخلو من تحدّيات، في حال لم تَسِر عمليات الاستبدال والتداول كما ينبغي.

غير أن هذين الحدثَين لن يشفعا للحكومة الانتقالية، أو يمنحاها وقتاً طويلاً أمام ملفات شعبية ضاغطة تتصل مباشرة بالأوضاع المعيشية والخدمية للسكان. وإذا كان عام 2025، بما شهده من أحداث وتطورات داخلية وخارجية، قد منح الحكومة أعذاراً عدة لجهة عدم تحقيقها نتائج إيجابية ملموسة تستجيب لتطلّعات السوريين، فإن العام الجديد لن يكون كذلك، ولا سيما أن الدعم الخارجي لن يحافظ على زخمه في ظل تفاقم أزمات دول أخرى، وانحسار ما يسمّيه البعض «صدمة» سقوط النظام السابق، بمفهومها الإيجابي أو السلبي.

قتل الفقر

لا يعني المواطنَ العادي عددُ مذكّرات التفاهم الموقّعة، ولا إجمالي كلفة المشاريع الاستثمارية المُعلَن عنها، بقدر ما يعنيه مدى التحسّن الذي يطرأ على مستوى معيشته، ونوعية الخدمات الصحية والتعليمية التي يحصل عليها؛ وهما مؤشّران لا يزالان غير مطمئنَين، إذ بحسب جميع التقديرات الرسمية، يُراوِح معدل انتشار الفقر العام بين السوريين ما بين 90 و95%؛ وإن كان بعض المسؤولين قد حاولوا خفض هذه النسبة إلى نحو 80%، إلا أنها تبقى، في جميع الأحوال، معدّلاً شمولياً غير محصور بفئة محددة، ولا سيما أن مكتب «أوتشا» أكّد – قبل أيام قليلة – أن «الاحتياجات الإنسانية لا تزال حادّة في جميع أنحاء سوريا، حيث لا يزال 16.5 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان».

ومع أن تحقيق اختراقات كبيرة في هذا الملف خلال عام واحد يبدو أمراً صعباً، إلا أن ثمة أربعة مسارات ضرورية يمكن العمل عليها. يتمثّل الأول في تأسيس شبكات حماية اجتماعية، تتولّى في مرحلتها الأولى تقديم الدعم للفئات المُهمّشة؛ علماً أن ثمة دراسات وإجراءات عدة نفّذتها حكومات سابقة يمكن البناء عليها، ولا سيما أن معظمها أُنجز بالتعاون مع مؤسسات أممية، استناداً إلى تجارب دول أخرى، ما جعلها بعيدة نسبياً عن أي اعتبارات أو حسابات سياسية.

أمّا المسار الثاني، فيتمثّل في زيادة رواتب وأجور العاملين في مؤسسات الدولة بنسبة جيدة مقارنة بتكاليف المعيشة للأسرة، التي تُقدَّر بنحو سبعة ملايين ليرة سورية شهرياً. وهي زيادة باتت مُلِحّة اليوم، في ظل التخلص من عبء فاتورة الدعم الحكومي وميزانية الجيش السابق، إلى جانب ضرورة إصدار قرارات برفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص.

ويرتبط المسار الثالث، بدوره، بتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في جميع المناطق؛ إذ إن هذه المشروعات تشكّل، في نهاية المطاف، العامل الأساسي للاقتصاد والتنمية المجتمعية في بلد مثل سوريا، وليس الاستثمارات الكبرى التي قد تبني ناطحات سحاب وطرقاً سريعة، لكنها لن تقضي على الفقر والتفاوت التنموي بين المناطق والمحافظات.

أمّا المسار الرابع، فيتعلق بالمحافظة على مجانية الخدمات الصحية والتعليمية، وتحسين مستوى جودتها، ولا سيما في الأرياف والمناطق البعيدة عن مراكز المدن والتجمعات السكنية الكبرى. فلا تزال المستشفيات الحكومية تعاني نقصاً في الكوادر الطبية والأدوية والمستلزمات، كما تعاني المدارس الحكومية نقصاً في أعداد المدرّسين والمعلمين والمستلزمات الأساسية. وهو واقع يعمّق الانقسام الطبقي في المجتمع، ولا سبيل لمواجهته سوى بزيادة الإنفاق العام. والجدير ذكره، أن الإنفاق على التعليم تراجع، خلال السنوات الماضية، من نحو 24.3% عام 2013 إلى نحو 8.6% عام 2023، فيما لم يكُن ارتفاع نسبة الإنفاق على الصحة من نحو 4.7% سنة 2010 إلى 6.1% سنة 2023، كافياً لمعالجة التدهور الخطير الذي طرأ على المؤشرات الصحية خلال سنوات الحرب.

ثلاثة عوامل

يربط المواطن العادي أي حديث عن إعادة الإعمار، أولاً بالمنازل والوحدات السكنية المُدمَّرة، وثانياً بإعادة النازحين إلى منازلهم ومناطقهم. وبناءً على ذلك، يتمثّل التحدي الآخر الذي ينتظر الحكومة في العام الجديد في قدرتها على تقديم رؤية واضحة أو خطة عملية لإعادة إعمار الوحدات السكنية المُدمّرة، وتحديد مسؤولية الدولة في توفير التمويل والمحافظة على الحقوق والممتلكات.

وبحسب التقديرات الرسمية غير المنشورة، فإن «خسائر المساكن تشكّل أكثر من خمس المخزون السكني الوطني»، وهو ما يؤشّر إلى صعوبة المهمة، التي تحتاج، من دون شك، إلى سنوات عدة لإنجازها. غير أن تقديم رؤية موضوعية لعملية إعادة الإعمار، وإشراك الناس فيها، من شأنهما أن يمنحا «بصيص أمل» لأصحاب الوحدات السكنية المتضررة، وقد يشجّعان أيضاً النازحين داخلياً على العودة إلى مناطقهم، إذ على الرغم من عودة أكثر من 1.7 مليون نازح خلال الأشهر الماضية، لا يزال نحو ستة ملايين نازح داخل البلاد.

ويلخّص استبيان أممي أُجري على النازحين العائدين ما هو مطلوب من الحكومة السورية لمعالجة مشكلة النزوح الداخلي، التي تتفاقم تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والتنموية. وبحسب نتائج هذا المسح، هناك ثلاثة عوامل رئيسيّة تدفع النازحين إلى العودة: أولها تحسّن الوضع الأمني، وفق ما أفاد به 28% من العائدين، والعامل الثاني الرغبة في استعادة الأصول والممتلكات بنسبة 26%، فيما يتمثّل العامل الثالث في تحسّن فرص العيش، بنسبة 16%؛ وهذا ما ينطبق، إلى حدّ ما، أيضاً على اللاجئين العائدين من الخارج. دون ذلك، فإن استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية سيقود إلى مزيد من التشظّي المجتمعي، وهو ما تشكّل السنوات الأخيرة من عمر النظام السابق دليلاً واضحاً عليه. ومع هذا، يرى كثيرون أن تحقيق الاستقرار والأمن يبقى شرطاً بديهياً لتحسّن الوضعين الاقتصادي والتنموي.

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى