جرد حساب لحكم آل الأسد في سوريا: 60 عامًا من السلطة في ظل مباركة دولية وإقليمية
ماهر عصام المملوك

شهدت سوريا منذ عام 1970 صعود عائلة الأسد إلى السلطة، بدايةً مع حافظ الأسد ومن ثم انتقالها إلى ابنه بشار الأسد، مما جعل الحكم في سوريا أقرب إلى نظام ملكي جمهوري مستتر.
خلال هذه العقود الستة، تميزت فترة حكم آل الأسد بالقمع السياسي، والتدخلات الخارجية، والأزمات الاقتصادية، والتحالفات المتغيرة، مع بقاء دعم دولي وإقليمي يضمن استمرار النظام رغم الكوارث التي ألمت بسوريا.
وفي هذا المقال، سنقوم بجرد حساب شامل لهذه الحقبة الطويلة، ونستعرض أهم محطاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى تأثير الدعم الخارجي في بقائها.
في عام 1970، قاد حافظ الأسد انقلابًا عسكريًا أطلق عليه “الحركة التصحيحية”، استولى من خلاله على الحكم بعد صراع داخلي في حزب البعث. عمل الأسد على تعزيز سلطته عبر القضاء على معارضيه داخل الحزب والجيش، وإحكام سيطرته على مفاصل الدولة، مستخدمًا الأجهزة الأمنية لضمان ولاء الجيش والمجتمع.
أنشأ الأسد الأب ، في هذه الفترة، نظامًا سلطويًا يعتمد على الأجهزة الأمنية، حيث أصبحت المخابرات السورية الذراع الأقوى للنظام، متغلغلة في كل مفاصل الدولة والمجتمع، ما خلق حالة من القمع والخوف.
أما بخصوص السياسة الخارجية والمناورة بين القوى الدولية فقد اعتمد الأسد على دعم موسكو عسكريًا واقتصاديًا. وقام باللعب على التوازنات الإقليمية ومنها دعم بعض الفصائل الفلسطينية، وكذلك التحالف مع إيران بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979، وتدخله في لبنان عسكريًا، حيث استمر الوجود السوري هناك حتى 2005.
اما بخصوص العلاقة مع الغرب فبالرغم من العداء الظاهري لأمريكا، تمكن الأسد من بناء قنوات اتصال معها، خاصة خلال حرب الخليج الأولى (1991).
اما بشان المجازر والقمع الداخلي فكانت مجزرة حماة (1982) التي قمع فيها النظام تمردًا قاده الإخوان المسلمون بوحشية قل نظيرها في وحشيتها في تصفية نظام لشعبه حيث قُتل حوالي 30-40 ألف مدني، وتم تدمير المدينة بشكل همجي ووحشي ..
وتوسعت عمليات الاعتقال والتعذيب، حيث ملأ النظام السجون بمعتقليه السياسيين، وأشهرها سجن تدمر، الذي قُتل فيه الآلاف تحت التعذيب أو الإعدام الجماعي.
ورغم سيطرة الدولة على الاقتصاد واعتماد النموذج الاشتراكي، عانى الاقتصاد من الفساد والمحسوبية وضعف الإنتاجية، مما أدى إلى تدهور مستويات المعيشة وانتشار الفقر، مع استثناء بعض الفئات المرتبطة بالنظام.
اما المرحلة الثانية والتي تخص حكم بشار الأسد (2000 – حتى 8 كانون اول 2024 ) فبعد وفاة حافظ الأسد عام 2000، تم تعديل الدستور بسرعة لتوريث بشار الأسد الحكم.
ورغم وعود الإصلاح، سرعان ما عاد النظام إلى نهجه القمعي، وتركزت السلطة في أيدي المقربين من عائلة الأسد.
في 2011، ومع انطلاق الربيع العربي، خرج السوريون مطالبين بالإصلاحات. رد النظام بوحشية مفرطة، حيث تحولت الاحتجاجات إلى حرب أهلية شاملة، تسببت في مقتل مئات الآلاف وتهجير الملايين.
ففي هذه المرحلة قامت فيها التدخلات الخارجية في إنقاذ النظام بفضل الحلفاء إيران وميليشياتها (حزب الله، الحرس الثوري، الميليشيات العراقية والباكستانية) فقدمت إيران دعمًا عسكريًا واقتصاديًا ضخمًا للحفاظ على الأسد.
وقامت روسيا بالتدخل العسكري 2015 بشكل مباشر لإنقاذ النظام من الانهيار، خاصة بعد تقدم المعارضة المسلحة في مناطق واسعة.
وهنا نأتي على ذكر التواطؤ الدولي الكبير والصامت رغم التصريحات الغربية المنددة، فلم تتحرك القوى الكبرى لإسقاط الأسد، بل اقتصر تدخلها على محاربة “داعش”، مما سمح للنظام باستعادة السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد مما أدى إلى انهيار الوضع الاقتصادي بشكل شامل وكبير من خلال المقاطعة الاقتصادية الخانقة ليس فقط على النظام السوري بل على كافة أفراد الشعب السوري في الداخل والخارج .
استمرت الليرة السورية في انهيار سريع من 50 ليرة للدولار قبل الثورة إلى أكثر من 15 ألف ليرة في 2024.
وتحكم رجال الأعمال المقربون من النظام وأعوانه من رجالات المال وأزلام المافيا الاقتصادية بكل مفاصل الاقتصاد السوري ، مما أدى إلى مزيد من الإفقار لعامة الشعب.
وشهدت البلاد والعباد كذلك المعاناة من نقص حاد في الكهرباء والمحروقات والمواد الغذائية، مع اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية والمجتمع المدني المحلي .
اما بخصوص التغيرات الديمغرافية وإعادة رسم الخريطة السكانية فكان التهجير القسري لملايين من معارضي النظام، خاصة من المدن الكبرى مثل حلب وحمص ودمشق.
وفي اللعب على التغيير الديمغرافي المدعوم إيرانيًا الذي سهل فيه النظام توطين ميليشيات شيعية في مناطق سنية استراتيجية، خاصة في دمشق وحلب.
وفي السنوات الأربعة الأخيرة وفي حوالي عام 2020 وقبل فرار بشار الاسد و انهيار نظامه حاول تعويم نظامه في العودة إلى الساحة العربية و الدولية رغم جرائم الحرب التي ارتكبها بإعادة العلاقات مع بعض الدول العربية والدولية بحجة “إيجاد حل سياسي للأزمة”.
ولكن التعامل الغربي الحذر لم يُفرض أي ضغط حقيقي لإزاحة الأسد، بل استمرت العقوبات الاقتصادية دون جهود فعلية لتغيير النظام.
ومن الاستعراض السريع في العقود الست الماضية لسيطرة وحكم ال الاسد، بالاستبداد وبغطاء دولي وإقليمي، نجد أنه قائم على ركيزتين أساسيتين: القمع الداخلي والدعم الخارجي.
لقد أسس حافظ الأسد ديكتاتورية أمنية محكمة، واستغل التوازنات الإقليمية والدولية للبقاء في الحكم. أما بشار الأسد، فرغم مواجهته ثورة شعبية غير مسبوقة، فقد تمكن من البقاء بفضل الدعم الروسي والإيراني، وبتواطؤ غربي ضمني.
المفارقة الكبرى أن النظام، الذي قتل وشرد الملايين، حظىي باعتراف دولي منذ بداياته مما يعكس ازدواجية المعايير في السياسة العالمية. وبينما عانى الشعب السوري الفقر والدمار والخراب على مدى اجيال تحت ظلم وحكم آل الأسد ، فقد كانا فيها محميين من المساءلة ، حتى جاءت هذه اللحظة التاريخية لرفع هذا الظلم الذي وقع بحق الشعب السوري في هذا الفصل المظلم من تاريخ سوريا.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة