تحليلات سياسيةسلايد

جولة جديدة في باريس | إسرائيل – سوريا: تفاوض للتفاوض

يحيى دبوق

على رغم استئناف المفاوضات السورية – الإسرائيلية، أمس، إلّا أن إسرائيل لا تبدو معنية بالاتفاق مع نظام ترى أنه لن يصمد طويلاً.

 

بعد توقُّف دام شهرين، استأنفت إسرائيل وسوريا، أمس، مفاوضاتهما الأمنية في باريس، في خطوة دفعت إليها نتائج اللقاء الذي جمع رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في الـ29 من الشهر الماضي. والخطوة التي تبدو في ظاهرها استمراراً لمسار فتحته الوساطة الأميركية قبل أشهر، لا يُتوقع أن تحقّق خرقاً أساسيّاً، كونها تنطوي في جوهرها على تناقض استراتيجي عميق جداً: بين نظام يلهث خلف الاعتراف من البوابة الإسرائيلية، وإسرائيل التي ترفض منحه «شرعية»، كونها تقدّر عدم بقائه لتنفيذ التزاماته، فضلاً عن أن مصلحتها تقتضي تفتيت سوريا كدولة. وهكذا، يبدو انخراط تل أبيب في المفاوضات كـ«واجب» تكتيكي تجاه الأميركيين الذين يضغطون في اتجاه تثمير هذا المسار، في حين أن النظام الجديد في سوريا يرى في المفاوضات نفسها، وما يمكن أن ينتج منها، فرصة لتثبيت «شرعيته الدولية».

ومنذ سقوط النظام السابق، يعمل أحمد الشرع على إعادة تعريف نفسه: من قائد لـ«هيئة تحرير الشام»، إلى رئيس لسوريا «الجديدة». وهو، كغيره من الجهات الإقليمية والدولية، يرى في العلاقة مع إسرائيل مدخلاً لترسيخ نظامه، والحصول على «رضى» الغرب؛ ذلك أن أيّ ترتيب مع إسرائيل، حتى ولو كان تقنيّاً وأمنيّاً بحتاً، يُستخدم كـ«بطاقة دخول» إلى «المجتمع الدولي». في المقابل، فإن الموقف الإسرائيلي يرتكز على الاعتقاد بأنه ليس في مصلحة إسرائيل وجود دولة سورية مركزية قوية، وأنه من الأجدى إرساء «واقع تفتيتي» يبقي الجنوب السوري منطقة نفوذ إسرائيلي مباشر، من دون قوّة مركزية قادرة على منازعة تل أبيب السيطرة عليه، وهو ما يفسّر مسارعة الأخيرة إلى احتلال مناطق متاخمة للحدود، ودعم الأقلية الدرزية توطئة للانفصال. وهذا التصوّر الذي يحكم السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا منذ سقوط النظام، يعكس رؤية أمنية عميقة، عنوانها أن «سوريا الضعيفة وإنْ مع فوضى، أفضل من سوريا الموحّدة القوية، مهما كانت التزاماتها».

كذلك، ترى إسرائيل أن النظام الجديد لا يُعدّ جهة ذات صدقية طويلة الأمد؛ فحتى لو أبدى الشرع استعداداً لتقديم تنازلات أمنية كبيرة، فإن قدرته على الوفاء بها تبدو غير موثوقة، نظراً إلى أن استمرار نظامه غير مضمون في الأساس، وهو ما استقرّ عليه التقدير الاستخباري الإسرائيلي ابتداءً، ولم يطرأ أيّ دليل يستوجب تغييره؛ فسوريا الجديدة لم تبنِ مؤسّساتها بعد، ولا تمتلك جيشاً، ولا حتى إجماعاً داخليّاً على شرعية النظام.

بناءً على ما تقدّم، يبدو أن الموقف الإسرائيلي يتمحور حول ثلاثة مبادئ تَظهر غير قابلة للتفاوض لا راهناً ولا مستقبلاً، وهي: لا شرعية للنظام الجديد، حتى لو جرى التفاوض معه؛ ولا اتفاق يقيّد «حرية العمل» العسكري الإسرائيلي في العمق السوري؛ والأمن يُفرض بالقوّة، ولا يُتفاوض عليه. وعلى هذه الخلفية، يمكن فهم قرار رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، عدم تعيين «رئيس» للوفد الإسرائيلي المفاوض في باريس، والاستعاضة عن ذلك بثلاثة رؤوس، هم: السكرتير العسكري لنتنياهو، والمرشّح لرئاسة جهاز «الموساد» اللواء رومان غوفمان، الذي سيأخذ على عاتقه الملف الأمني، وهو الأهمّ من منظور إسرائيل؛ القائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي، غيل رايخ، الذي سيتولّى مسؤولية التنسيق الدبلوماسي واللوجستي مع الجانب السوري؛ والسفير في واشنطن، المقرّب من نتنياهو أيضاً، يحييل ليتر، الذي يترأّس الوفد شكليّاً، ويتصدّى للشدّ والجذب مع الجانب الأميركي، الذي يمثّله في المفاوضات السفير في أنقرة، توم برّاك.

وتحمل هذه التركيبة رسالة سياسية واضحة، مفادها أن إسرائيل لا تُجري مفاوضات دبلوماسية، بل تتفاعل تكتيكيّاً مع واقع مؤقّت، تحت ضغط من إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي تسعى إلى «إنجاز» إقليمي ورؤية هي أشمل ممّا تراه تل أبيب، وتدفع الطرفين نحو اتفاق، حتى لو كان هشّاً. لكن ذلك يضع إسرائيل أمام معضلة: كيف ترضي الحليف الاستراتيجي (الولايات المتحدة)، من دون أن تمنح شرعية لخصم لا تثق به؟ يبدو أن استئناف المفاوضات في باريس، هو الإجابة على هذا التحدّي: القبول بالوساطة الأميركية، مع حصر المفاوضات بمسارات أمنية، من دون مساعٍ لتوافق سياسي، أو حتى تطبيع يطمح إليه الأميركيون.

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى