سلايدصحافة عالمية

حملة “إسرائيل” المتصاعدة للسيطرة على الضفة الغربية

بستان زيتون تلو بستان زيتون، مرعى أغنام تلو مرعى أغنام، قرية تلو قرية، “فكرة الدولة الفلسطينية تتلاشى في الضفة الغربية“.

 

صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية تنشر تقريراً مطولاً يناقش التصعيد المنهجي لسياسة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية وما يرافقها من عنف منظّم يمارسه المستوطنون المتطرفون بحق الفلسطينيين، في ظل تواطؤ الجيش والحكومة الإسرائيلية، خاصة بعد حرب غزة في الـ7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

 

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

 

في كل يوم سبت، تجُوب قطعان أغنام المستوطنين اليهود في بساتين الزيتون، ورزق أبو نعيم وعائلته التي اعتنوا بها لأجيال، تكسر أغصان الأشجار وتلحق الضرر بجذورها. دائماً ما يقود المستوطنون المتطرفون وهم مسلحون وملثمون أحياناً، قُطعانهم للشرب من مخزون المياه الشحيح في أرض العائلة، بينما يراقب أبو نعيم المشهد من “خيام المغاير” المتهالكة، حيث يسكن فوق الوادي.

“دعونا وشأننا”، هذا ما قاله أبو نعيم للمستوطنين خلال مواجهة حديثة معهم.. “اذهبوا من هنا. لا نريد أي مشاكل”. وقد استولى المستوطنون الإسرائيليون على مساحات شاسعة من مزرعة عائلته وحقول القمح، وأقاموا مواقع استيطانية غير قانونية، يمكن أن تتطور في نهاية الأمر إلى مستوطنات كبيرة، على التلال المجاورة.

يقول أبو نعيم، الطرق الجديدة تشقُّ الأرض التي ترعى فيها أغنامه، والمستوطنون يسرقون الحيوانات بشكل روتيني، وقبل 6 أشهر، اقتحم مستوطن ملثم ومسلح منزل عائلته في الساعة 3 فجراً، كما اقتحم لصوص منزل ابنه المجاور ليلاً، ومزَّقوا الخيام وسرقوا ألواح الطاقة الشمسية. يضيف أبو نعيم، تتناوب العائلة ليلاً على حراسة أغنامها من هجمات المستوطنين، الذين يطالبونه دائماً، “اذهبوا، ارحلوا من هنا، ارحلوا، وأقول لهم عمري 70 عاماً، وقد ولدت وعشت هنا طوال حياتي، وأنتم أتيتم بالأمس، وتريدونني الآن أن أغادر، أن أعود إلى منزلي، وأنا وسط وطني وبيتي”.

قد يبدو مصير مُزارع يحاول الحفاظ على رزقه وأرضه وأشجار الزيتون المعمرة منذ “العصور التوراتية”، بعيداً عن العالم الحديث الذي تتصارع فيه القوى العظمى للوهلة، بينما يظهر أنّ هذه التلال والقرى النائية تقع على الحافَّة الأمامية لصراع جيوسياسي مُسْتعصٍ. على الرغم من أَنَّ الحرب في غزة استحوذت على اهتمام العالم خلال العامين الماضيين، إلا أنَّ الحقائق على أرض الواقع كانت تتغيَّر في الضفة الغربية، ما أدَّى إلى تأجيج المعركة للسيطرة على أراضي بيت لحم، وأريحا، ورام الله، والخليل.

بالنسبة إلى العديد من الفلسطينيين، تُشكّل هذه الأراضي أساساً لدولتهم المستقبلية، وللسلام الموعود. أما بالنسبة إلى العديد من اليهود، فهي وطنهم الشرعي. والمستوطنون المتطرفون منهم، والمزارعون الفلسطينيون هم جنود المشاة في هذا الصراع الذي لا ينتهي، وهو امتداد لحرب عام 1948 التي رافقت قيام دولة “إسرائيل”.

ومنذ الـ7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023 على الإسرائيليين من قبل مُقاتلين فلسطينيين من غزة، تبنَّت حكومة “إسرائيل” اليمينية المتطرفة استراتيجية توسيع المستوطنات في جميع أنحاء الضفة الغربية، مُحوَّلة المنطقة، خطوة خطوة، من فُسيفساء من القرى الفلسطينية المتصلة إلى مجموعة من الأحياء الإسرائيلية.

وتعتمد الحملة العنيفة المتواصلة التي يشنُّها هؤلاء المستوطنون، والتي يقول عنها المراقبون، إنَّ “الجيش” الإسرائيلي يتغاضى عنها إلى حد كبير، من مضايقات وحشية واعتداءات بالضرب المُبرّح، وحتى عمليات قتل، فضلاً عن إقامة حواجز طرق واسعة النطاق وإغلاق القرى، إضافة إلى ارتفاع صارخ في مصادرة الأراضي الفلسطينية من قبل الدولة وهدم القرى لإجبار الفلسطينيين على ترك أراضيهم.

والكثير من المستوطنين هم متطرفون شبان، وأفكارهم تتجاوز حتى أيديولوجية اليمين المتطرف للحكومة. وهم لا يُنفّذون عادةً أوامر مباشرة من القيادة العسكرية الإسرائيلية، لكنَّهم يعلمون أنَّ “الجيش” غالباً ما يتغاضى عن أفعالهم ويُسهّلها. وفي كثير من الحالات، يكون “الجيش” هو الذي يجبر الفلسطينيين على الإخلاء، أو يأمر بتدمير منازلهم بمجرَّد أن يدفعهم المستوطنون إلى الفرار.

حاولنا التحدث إلى المستوطنين بالقرب من قريتين في الضفة الغربية كانتا هدفاً لمثل هذا الضغط. لم يكن أي منهم مستعداً للتحدث إلينا. وفي بيان قال “الجيش” الإسرائيلي إنَّ “قوات الأمن ملتزمة الحفاظ على النظام والأمن لجميع سُكّان المنطقة، وتتصرف بحزم ضد أي مظاهر عنف داخل منطقة مسؤوليتها”. مع ذلك، لقد كانت الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة شفافة في مهمتها تخريب ما يسميه الدبلوماسيون “حل الدولتين”، وهدفه المتمثل في عيش دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية جنباً إلى جنب. التي قال عنها مؤخراً، وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، إنَّ “كل بلدة، كل حي، كل مستوطنة، هي مسمار أخير في نعش هذه الفكرة الخطيرة”.

ولسنوات، حذَّرت الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، وجزء كبير من العالم الغربي من أَنَّ التوسُّعَ المستمرَّ للمستوطنات الإسرائيلية سيجعل في نهاية المطاف إقامة دولة فلسطينية مُتَّصلة الأراضي أمراً مُستحيلاً. وفي جميع أنحاء الضفة الغربية، يسود اليأس بين القرويين والمزارعين الفلسطينيين، وهم يشاهدون الاستيلاء على أراضيهم بوتيرة غير مسبُوقة. وهناك مخاوف من أنَّ هذه التغييرات باتت بالفعل لا رجعة فيها.

لقد أمضينا خلال إعداد هذا التقرير أكثر من شهرين في 12 قرية في الضفة الغربية، وأجرينا لقاءات مع عائلات فلسطينية ومسؤولين محليين ومزارعين وناشطين حقوقيين شبان، معظمهم كانوا يزورون البلاد من الخارج. وشاهدنا مجموعات المستوطنين الإسرائيليين الشبان، وهم يقتحمون القرى الفلسطينية للتعدي عليهم وترهيبهم. والتقينا عائلة في طولكرم قُتلت ابنتها رهف الأشقر (21 عاماً)، في شباط من جرّاء انفجار نفَّذه جنود إسرائيليون داهموا منزلهم بدعوى أنَّهم يبحثون عن “إرهابيين”.

وتفحَّصْنا سياجاً بطول 16 قدماً مُغطّى بالأسلاك الشائكة تم بناؤه هذا العام في بلدة سنجيل، وهو يفصل الآن وليد نعيم عن بساتين عائلته. وشاهدنا المستوطنين وهم يغلقون الطريق، ويحاولون منع المزارعين الفلسطينيين من مغادرة أراضيهم بعد حصاد أشجار الزيتون في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وفي الوقت ذاته، اقتحم المستوطنون والجنود بوابة مزرعة ماهر حمدان في قرية ترمسعيا، ما أجبرهُ على نقل قطيع أغنامه، ودواجنه لإنقاذ مصدر رزقه.

وقد أجرت صحيفة “نيويورك تايمز” دراسة لبيانات الخرائط والأوامر القضائية التي تُوثّق توسيع الحكومة الإسرائيلية لمطالبها بأراضٍ كانت لفترة طويلة تحت سيطرة الفلسطينيين. وقد وثقنا بالصور بناء الأسوار الإسرائيلية المُصمَّمة للحد من حركة الفلسطينيين، وشاهدنا بناء الجدران التي تعزل المزارعين عن أراضيهم، حيث قضى العدوان الإسرائيلي فعلياً على وجود فلسطيني حر في الضفة الغربية. وبينما تُسيطر السلطة الفلسطينية على جزء من الضفة الغربية، يبقى “الجيش” الإسرائيلي هو القوة المحتلة للأرض بأكملها، بينما القانون العسكري الإسرائيلي يتجاوز حُكم السلطة الفلسطينية.

ويكاد ينعدم تطبيق الإجراءات القانونية الواجبة، حيث يعيش القرويون الفلسطينيون تحت رحمة المستوطنين الإسرائيليين والميليشيات العسكرية المتطرفة، التي تمارس عليهم سُلطةً شبه مُطلقة. ونادراً ما يُحتجزُ أي مستوطن، ولا يخضعون للقانون المدني والجنائي الإسرائيلي، ولا لسلطة “الجيش”، أو يُعتقلون بتهمة التطرف أو العنف، بينما يقوم “الجيش” بحملات اعتقال روتينية للفلسطينيين من دون تقديم تفسير أو مُبرّر يُذكر.

فِي أَواخِرِ الشهر الماضي، شنَّ “الجيش” الإسرائيلي ما سمّاه عملية “مكافحة الإرهاب” في مدينة طوباس بالضفة الغربية، واعتقل 22 فلسطينياً. ومنذ نحو 10 أيام وافق مسؤولون إسرائيليون على بناء 764 منزلاً في ثلاث مستوطنات بالضفة الغربية. وفي اليوم السابق، اقتلع “الجيش” نحو 20 فدّاناً من أشجار الزيتون في قرية جنوب نابلس أيضاً.

كيفية إخلاء قرية

تتجلى حملة عزل الفلسطينيين وتهجيرهم من أراضيهم بوضوح في قرية المغير، التي تبعد حوالى 20 ميلاً شمال القدس. فقد أصبحت هذه القرية الفلسطينية المزدهرة محاطة بالمستوطنات اليهودية، واُضطرَّ سُكّانها، مثل السيد أبو نعيم، إلى العيش في مناطق أصغر فأصغر، معزولين عن أراضيهم ومصادر رزقهم. وتُعتبر قرية المغاير واحدةً من عدة قرىً فلسطينية صغيرة متجمعة تقريباً في وسط الضفة الغربية، وَالَّتِي اُستهدفت جميعها بلا هوادة في الأشهر الأخيرة من قبل المستوطنين والحكومة الإسرائيلية.

والنمط الذي تكرَّر في جميع أنحاء الضفة الغربية، والذي أدَّى إلى تغيير كامل المنطقة، يبدأ حين تظهر مستوطنة يهودية غير مُرخَّصة بموجب القانون الإسرائيلي، ربما على شكل مقطورة صغيرة أو خيمة كبيرة تؤوي عدداً قليلاً من الشبان، وسرعان ما يطلقون هجمات على الفلسطينيين ولا تنتهي إلا بصدور الأوامر العسكرية التي تطالب بإخلاء المجتمعات الفلسطينية وإقامة حواجز حديدية كبيرة تعزل القرويين الفلسطينيين عن بقية الضفة الغربية.

وعلى مدى أسابيع وشهور، تنمو المستوطنات وغالباً ما تُقونن في النهاية من قبل الحكومة الإسرائيلية، حيث يبني المستوطنون منازل ومحالّ تجارية ومدارس ويشقون الطرق لاستيعاب مئات وآلاف العائلات اليهودية، بينما في القرى الفلسطينية، يحدث العكس، حيث تغلق المدارس، ويُمنع المزارعون عن أراضيهم، وتدمر منازلهم.

وقد بدأت الحملة بشكل جدي بعد عودة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى منصبه في عام 2022، وتسارعت بعد بدء الحرب، في عامي 2024 و2025، وبنى الإسرائيليون حوالى 130 مستوطنةً جديدةً، وهو عدد أكبر من عدد المستوطنات التي بنيت في العقدين السابقين، وفقاً لمنظمة “السلام الآن”، وهي مجموعة ناشطة إسرائيلية تتابع توسُّع المستوطنات.

الهدم مقابل البناء

في جميع أنحاء الضفة الغربية، هدم المستوطنون و”الجيش” أكثر من 1500 مبنى فلسطيني في عام 2025، أي ضعف المتوسط السنوي في العقد الذي سبق الحرب. كما صعدوا تفكيك المجتمع الفلسطيني العريق، مثل شرق الضفة في بلدة المعرجات، وبعد فترة وجيزة من هجوم شنه المستوطنون في الـ3 من تموز/ يوليو الماضي، اقتحموا البلدة مُجدَّداً يساعدهم أفراد من “الجيش” الإسرائيلي، ودخلوا إلى كل منزل في القرية التي عاشت فيها عائلات بدوية لعدَّة أجيال في التلال الرملية البيضاء في وادي الأردن، شمال أريحا.

كما قرَّر السُكّان، الذين عانوا بالفعل سنوات من المضايقات، في تلك الليلة مغادرة منازلهم في منتصف الليل عندما ظهر العشرات من المستوطنين المُلثَّمين، الذين بدا أَنَّ العديد منهم في حالة سُكر، على متن مركبات رباعية الدفع. وكان بعضهم يلوحون بأسلحة نارية في أثناء اندفاعهم عبر القرية على متن المركبات وحاصروا النساء والأطفال الباكين.

وقد قام المستوطنون بمركباتهم بصدم منازل الفلسطينيين، ثم نهبوها، ومزقوا الأثاث ورموا متعلقات السكان خارجها، وهم يصرخون بعبارات بذيئة. ويقول محمد ملهات من سكان المنطقة، لقد كان الأمر كما لو أنَّ القرية بأكملها كانت عبارة عن مجموعة من الناس يصرخون ويصيحون، وكُنّا خائفين بمستوى لا يُمْكن وصفه، لأنَّهم كانوا عشرات من الشبان الذين بدوا وكأنَّهم تحت تأثير المخدرات أو الكحول. بينما قال “الجيش” الإسرائيلي في بيان إنَّ الجنود وصلوا إلى شرق بلدة المعرجات في تلك الليلة بعد تلقيهم تقارير عن احتكاكات بين الفلسطينيين والمستوطنين، لكن “لم يتم تحديد أي حوادث عنف”.

قال مليحات، إنَّ القرويين غادروا تلك الليلة خوفاً من المزيد من الهجمات، واستمرَّ تدمير المنازل في الأيام والأسابيع اللاحقة. وتعيش عائلته الآن في خيام من دون مياه شرب أو كهرباء، على بعد أميال قليلة من موقع القرية التي تحولت إلى ركام بمعظمها. ومن بين المباني القليلة التي ما تزال قائمة في شرق المعرجات، توجد مدرسة مهجورة أُنشئت عام 1964، حيث من خلال نوافذ الفصول الدراسية المحطمة، تظهر اللوازم المدرسية متناثرة على الأرض. أما الملعب، فهو مليء بأساور لعبة “الهيلا هوب” المهملة وحقائب الظهر المبعثرة. يقول مليحات، إنَّ الهجمات كشفت نفاق المستوطنين الذين يسعون إلى استدرار التعاطف، مُدَّعين أنَّهم لا يريدون سوى بناء مساكن لأنفسهم. واستشهد بمثل بدوي، “يهاجموننا كالذئاب ثم يبكون مع الخراف، هذا ما فعلوه بنا”.

نوبات الترهيب لا تنتهي

لقد ارتفع عدد الهجمات التي يشنُّها مستوطنون متطرفون في الضفة الغربية بشكل حادّ خلال العامين الماضيين. ففي تشرين الأول/ أكتوبر، بلغ متوسط عدد الحوادث 8 اعتداءات يومية، وهو أعلى معدل منذ أن بدأت الأمم المتحدة بتسجيل هذه الحوادث قبل عقدين من الزمن. وترافق ذلك مع بداية موسم حصاد الزيتون في الضفة الغربية، حيث لا يملك العديد من المزارعين الفلسطينيين سوى 4 أسابيع لتأمين سبل عيشهم من الأشجار القديمة التي تُغطّي وديان وتلال المنطقة.

يقول أحد السكان الفلسطينيين يوسف فندي، إنَّه شاهد أحد المستوطنين يمتطي حصاناً، وهو مسلح وملثم يرافقه آخران بجانبه، بينما كان رابعهم يحمل بندقية هجومية، سألني أحدهم “ماذا تفعل هنا”، موجهاً سلاحه نحوي. كذلك استولى المستوطنون على هواتف الرجال، وأمروهم بالاستلقاء على الأرض، ثم انهالوا عليهم بالركل على أضلاعهم ورؤوسهم لمدة نصف ساعة تقريباً، وهو مشهد شهدناه بأنفسنا، حيث كانت الدماء تلطخ قميص السيد فندي عندما روى لنا لاحقاً تفاصيل الحادث، قال “اعتقدت أنهم قد يطلقون النار علينا.

وأفادت الأمم المتحدة بأنه منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أُصيب 151 فلسطينياً في أكثر من 178 هجوماً منفصلاً على المزارعين وهم يجمعون قطاف الزيتون. وقالت المنظمة الأممية إنَّ نحو نصف هذه الهجمات كانت من تنفيذ مستوطنين، والباقي من تنفيذ جنود. وبحلول الوقت الذي وصل فيه الجنود الإسرائيليون صباح ذلك اليوم إلى قرية حوّارة جنوب غرب مدينة نابلس، كانت مجموعة كبيرة من الفلسطينيين قد تجمَّعت، وانضم إليهم صحافيون وناشطون سمعوا عن الاشتباك، في حين طلب الجنود من المستوطنين المغادرة، لكنهم حملوا أخباراً سيئة للفلسطينيين الذين كانوا يتوقون للعودة إلى حصادهم.

وبينما كان القرويون يضغطون للوصول إلى الحقول، لوّح أحد الجنود بنسخة من أمر عسكري. وأظهرت خريطة على الوثيقة بساتين الزيتون في حوارة مغطاة بالكامل باللون الأحمر، ما يشير إلى منع الفلسطينيين من دخول المنطقة لمدة 30 يوماً. وقال “الجيش” الإسرائيلي في بيان رده على الاستفسارات بأنَّه، “وُقّع الأمر بعد تقييم الوضع العملياتي. وبسبب ذلك، أُبلغ المزارعون بأنَّه لن يُسمح لهم بالحصاد في المنطقة في ذلك الوقت”.

ولقد أصبحت الأوامر العسكرية عنصراً أساسياً في حملة الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية، حيث غالباً ما تعلن الحكومة أن الأراضي هي “أراضي دولة”، وتحرم الفلسطينيين ممتلكاتهم العائلية المتوارثة. وفي حين “لديّ وثائق هذه الأرض”، احتجّ يوسف فندي وهو يصرخ “هذه أرضي”، انتهى الاشتباك في حوارة في ذلك اليوم، كما ينتهي العديد من الاشتباكات الأخرى خلال موسم حصاد الزيتون، بمنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم.

مواجهات مميتة

بالنسبة إلى الشاب الفلسطيني الأميركي سيف الله مسلط (20 عاماً)، تحوَّلت إحدى الصدامات مع المستوطنين إلى حادث قاتل. ففي أحد أيام شهر تموز/ يوليو الماضي، تدفَّق مستوْطنون إِسرائيليون شباب من موْقعهم المتقدِّم على قمة التلّ فوق سنْجيل يحْملون السِلاح وملثمين، ما أدى إلى اشتباك مع مزارعين فلسطينيين زعم المستوطنون أنَّ أراضيهم تعود ملكيتها لهم.

وبحسب الناشط الإسرائيلي جوناثان بولاك، وهو ناشط إسرائيلي شهد الحادث يقول، لقد دهست شاحنة صغيرة يقودها مستوطنون حشداً من الفلسطينيين والناشطين، ما أدى إلى كسر ساق رجل قبل أن يلوذوا بالفرار. ويضيف بولاك أَنَّه عندما وصلت سيارة إسعاف فلسطينية، رشقها المستوطنون بالحجارة والهراوات، وحطموا زجاجها الأمامي.

كذلك قام مستوطنون إسرائيليون بضرب سيف الله مسلط حتى الموت، وفقاً لأفراد عائلته والسلطات الفلسطينية، بينما وصف السفير الأميركي لدى “إسرائيل” مايك هاكابي، وهو المؤيد بضراوة لحكومة نتنياهو، الحادثة بأنَّها “عمل إجرامي وإرهابي”، وطالب السلطات الإسرائيلية “بالتحقيق فيها بشكل مُكثَّف”. كذلك قُتل شاب فلسطيني آخر اسمه محمد شلبي (23 عاماً)، خلال الاشتباك، وعثر القرويون على جثمانه في وقت مُتأخر من تلك الليلة مُصاباً بطلق ناري وكدمات شديدة في وجهه ورقبته، بحسب ما أفاد به عمُّه. ودُفن الرجلان في جنازة بعد يومين حضرها مئات الفلسطينيين.

كما أفادت الأمم المتحدة بأنَّه في السنوات الثلاث الماضية وحدها، كان هناك أكثر من 1200 قتيل فلسطيني في الضفة الغربية، أي ما يقرب من ضعف العدد المُسجَّل في العقد الذي سبق ذلك. وجاء في بيان صادر عن “الجيش” الإسرائيلي بشأن الحادث الذي وقع في سنجيل أنَّ “إرهابيين ألقوا الحجارة على المدنيين الإسرائيليين بالقرب من القرية” وقال إنَّ الحادث قيد التحقيق.

وقال الناشط بولاك الذي كان يساعد الفلسطينيين في سنجيل، واعتقله “الجيش” الإسرائيلي في ذلك اليوم، إنَّ العنف الذي مارسه المستوطنون كان جزءاً من نمط واضح، وكانت مأساة لا تُصدّق، لكن في الحقيقة، المأساة ليست الكلمة المناسبة. المأساة، كما تعلمون، هي قوة من قوى الطبيعة. المأساة هي أن يصيبك البرق. هذا ليس ما حدث هنا.

هجمات مُتجدّدة

بالنسبة إلى السيد أبو نعيم المزارع، لم تتوقف التهديدات التي تتعرَّض لها عائلته. وفي تمام الساعة 1:40 من صباح يوم الأحد الماضي، هاجم 8 مستوطنين ملثمين مسلحين بالهراوات الكهوف والخيام التي يسكنها أبو نعيم وأبناؤه وأحفاده الـ9، حيث نُقل 6 من أفراد الأسرة إلى المستشفى، من بينهم حفيده البالغ من العمر 13 عاماً الذي أُصيب بجروح وكدمات في رأسه.

ووصف لنا الناشطون المشهد، وكان عدد منهم نائمين في المنزل وأُصيبوا أيضاً، قالت إحداهنَّ، الناشطة فيبي سميث وهي بريطانية، إنَّها استيقظت على صراخ. وعندما خرجت، تعرَّضت للهجوم أيضاً، “كنت خارج الخيمة، وكانوا يضربونني على جميع أنحاء جسدي وساقي ورأسي، لقد كان الأمر مرعباً حقاً، حيث استمر حوالى 10 دقائق، كانت كافية لأن يقلب المهاجمون الأثاث، ويستولوا على 3 هواتف، واستخدموا حاسوبي الشخصي المحمول لضرب عدد من أفراد الأسرة. ولم يدخلوا خيمة أخرى، حيث كانت ابنة أبو نعيم، الحامل في شهرها التاسع تقريباً، تختبئ بداخلها مع طفلين، وقبل المغادرة، أصدر المستوطنون تحذيراً، “ارحلوا نهائياً في غضون يومين، وإلا سنعود ونحرقكم في منازلكم.

لم يظهر “الجيش” الإسرائيلي في ذلك اليوم. ولكن بعد 3 أيام عاد المستوطنون لجولة أخرى من الترهيب. وبعد ساعات قليلة، بحسب ما أفاد به ناشطون، وصلت 5 سيارات جيب عسكرية تقلُّ 20 جندياً وعناصر من شرطة الحدود، حاملةً أمراً بإعلان مجمَّع العائلة منطقةً عسكريةً مُغلقةً.

كما اُعتقل ناشطان، وهربت ابنة أبو نعيم الحامل وعدد من أطفاله إلى برّ الأمان. وفي الأسبوع الماضي، عاد “الجيش” الإسرائيلي ومدَّد الإغلاق لمدة 30 يوماً إضافية. وفي بيان له، قال “الجيش” الإسرائيلي إنَّ الفلسطينيين هم من بدأوا اشتباكات ذلك اليوم، برشق الحجارة ودحرجة الإطارات المشتعلة باتجاه الإسرائيليين، وهو ما ينفيه سُكّان القرية. وجاء في البيان أنَّ المنطقة أُعلنت منطقة عسكرية في الـ12 من الشهر الجاري “للحفاظ على الهدوء بعد فترة طويلة من التوتر.

من حافة صخرية تطل على الوادي، يستطيع أبو نعيم مراقبة أغنامه، ورؤية البؤر الاستيطانية اليهودية التي ظهرت في الأشهر الأخيرة. ويستطيع أيضاً رصد أي مستوطنين يتجهون نحو منزله لتحذير أبنائه وأحفاده. يقول، “إنَّ الحرب في غزة كانت نقطة تحوُّل. كُنّا نأتي ونذهب، في الغالب من دون أي مشاكل، وإذا التقينا “الجيش” كانوا يطلبون هوياتنا ونعطيهم إياها، ولم نواجه المشاكل نفسها. والآن هؤلاء مختلفون تماماً.

صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية

نقله إلى العربية: حسين قطايا.

الميادين نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى